عميت سنتين

يكسروا قلبها.
لكن القلوب اللي ربنا بيحفظها…
بتتجبر.
أغلقت الدفتر وضممته إلى صدري.
نظرت إلى السماء.
وابتسمت.
وقلت في سري
حاضر يا بابا…
اتكسر قلبي…
لكن ربنا جبره.
وأحسن جبر… كان إنه علّمني أعيش من جديد، من غير خوف، ومن غير كره، ومن غير ما أفقد نفسي مرت سنوات…
وأصبح مركز النور واحدًا من أكبر المراكز التي تساعد فاقدي البصر في مصر.
لم يعد الناس يأتون للعلاج فقط…
بل كانوا يأتون ليستمعوا إلى قصص الأمل.
وفي كل محاضرة كنت ألقيها…
كان الجميع يسألني السؤال نفسه
إزاي قدرتي تسامحي؟
وكنت دائمًا أبتسم وأقول
أنا ما سامحتش اللي حصل…
أنا بس رفضت أعيش سجينة له.
وفي صباح أحد الأيام…
وصلتني دعوة من كلية الحقوق.
طلبوا مني أحضر ندوة عن حقوق المرضى وجرائم استغلال ذوي الإعاقة.
وافقت.
دخلت المدرج…
وكان مليئًا بالطلاب.
بدأت أحكي لهم قصتي.
من أول يوم فقدت فيه بصري…
لحد اليوم اللي استعدت فيه حياتي.
وفي آخر الندوة…
وقفت طالبة وسألتني
لو رجع بيكي الزمن… وكنتي عرفتي إن كل ده هيحصل… كنتي هتتجوزي أحمد؟
ساد الصمت.
كل العيون كانت موجهة نحوي.
ابتسمت.
وقلت بهدوء
زمان
كنت هقول لأ.
لكن النهارده…
هقول أيوه.
الطالبة اتفاجئت.
وأنا كملت
مش علشان هو يستحق.
لكن علشان من غير التجربة دي…
ماكنتش هعرف قوتي.
ماكنتش هقابل الناس اللي غيروا حياتي.
ماكنش مركز النور هيبقى موجود.
ويمكن مئات الناس ماكانوش هيلاقوا حد يساعدهم.
الوجع عمره ما كان نعمة…
لكن ربنا قادر يطلع من الوجع خير عمرنا ما نتخيله.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
بعد انتهاء الندوة…
وأنا خارجة…
جريت بنت صغيرة في حدود عشر سنين ناحيتي.
كانت ماسكة كتابًا.
وقالت وهي تلهث
ممكن توقعيلي؟
ابتسمت.
أخذت الكتاب.
ولاحظت عنوانه.
العين التي رأت الحقيقة.
نظرت إليها باستغراب.
قالت البنت بابتسامة واسعة
دي قصة حضرتك… إحنا خدناها في نادي القراءة.
فتحت أول صفحة.
كان فيها إهداء مكتوب
إلى كل إنسان ظن أن حياته انتهت بسبب محنة… تذكر أن النهاية الحقيقية هي أن تستسلم.
وقّعت اسمي.
ثم سألتها
إيه أكتر حاجة عجبتك في القصة؟
فكرت لحظة…
ثم قالت
مش لما رجعلك بصرك…
لما رجعلك إيمانك بنفسك.
شعرت بعقدة في حلقي.
ربتُّ على رأسها.
وقلت
حافظي على الجملة دي طول عمرك.
وفي تلك الليلة…
وقفت في شرفة بيتي.
نظرت إلى سماء القاهرة.
كانت مليئة بالنجوم.
تذكرت أول يوم فتحت فيه عيني بعد سنتين من الظلام.
كنت أظن أن أول شيء رأيته دمرني.
لكن بعد كل هذه السنوات…
أدركت الحقيقة.
ما دمرني لم يكن ما رأته عيناي…
بل الخداع الذي كنت أعيشه.
أما أول شيء أنقذني…
فلم يكن النور.
بل الحقيقة.
لأن الحقيقة…
قد تؤلم في البداية.
لكنها، في النهاية…
هي الطريق الوحيد إلى الحرية بعد تلك الندوة بأسبوع…
بينما كنت أغلق مكتبي استعدادًا للعودة إلى المنزل، دخل يوسف وعلى وجهه علامات الحيرة.
قال
مدام مريم… في راجل كبير مستني تحت من ساعة، وكل ما أقوله حضرتك مشغولة يقول هستنى… حتى لو للصبح.
نزلت.
كان رجلًا في أواخر السبعينيات، يرتدي بدلة قديمة لكنها نظيفة، ويمسك بيده حقيبة جلدية مهترئة.
ما إن رآني حتى وقف بصعوبة.
وقال
إنتِ مريم بنت الحاج محمود؟
ابتسمت.
أيوه.
مد الحقيبة نحوي.
أنا اسمي فؤاد… كنت محاسب عند والدك من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
استضفته في المكتب.
وبعد دقائق من الصمت، فتح الحقيبة وأخرج دفترًا قديمًا.
كانت صفحاته صفراء من الزمن.
قال
والدك كان يكتب مذكراته كل فترة… والدفتر ده وقع مني يوم الجنازة، وما عرفتش أوصلهولك.
فتحت أول صفحة.
كان التاريخ قبل وفاة والدي بشهرين.
بدأت أقرأ.
النهارده مريم كانت قاعدة معايا في المعرض، وقالتلي إنها خايفة من المستقبل.
قلت لها يا بنتي… الإنسان مش بيخسر لما الدنيا تاخد منه حاجة.
بيخسر لما الخوف ياخد منه نفسه.
ابتسمت وسط دموعي.
قلبت الصفحة.
لو في يوم مريم قرأت الكلام ده… يبقى أنا مش موجود.
بس عندي رجاء واحد.
لو حد ظلمها… متخليش الظلم يحولها لنسخة من الظالم.
لأن أكبر انتصار… إنك تفضل إنسان.
أغلقت الدفتر.
وبقيت صامتة.
قال العم فؤاد
أبوكي كان بيحبك بطريقة عمرى ما شوفتها من أب لبنته.
نظرت إليه وقلت
وأنا لحد النهارده… كل ما أحتاج قرار صعب، بسأل نفسي بابا كان هيعمل إيه؟
ابتسم وهو يهم بالرحيل.
وقبل أن يخرج، التفت نحوي وقال
هو أكيد فخور بيكي دلوقتي.
في تلك الليلة…
وضعت دفتر والدي بجوار سريري.
ولم أقرأه كله.
قررت أقرأ صفحة واحدة كل ليلة.
كأنني أستعيد سنوات حرمتني الحياة من الجلوس معه.
وفي آخر صفحة وصلت إليها بعد أسابيع…
وجدت جملة قصيرة جدًا.
يا رب… لو كتبت لمريم وجعًا… اكتب بعده جبرًا يخلّيها تنسى كل اللي فات.
أغلقت الدفتر.
نظرت إلى السقف.
وابتسمت.
ثم همست بصوت خافت
استجاب يا بابا…
يمكن اتأخر…
لكن استجاب.





