عميت سنتين

داخل كيس الأدلة بعد ما انتهت القضية.
فضلت أبص لها شوية.
ثم فتحت الشباك.
ورميتها في صندوق إعادة تدوير المخلفات الطبية اللي المركز كان بيتعامل معاه.
ابتسمت.
لأني أخيرًا…
تخلصت من آخر شيء كان بيربطني بالماضي.
قفلت الدرج.
لكن المرة دي…
ما كانش فيه وجع.
ولا كراهية.
كان فيه سلام.
لأن بعض الناس…
بيخرجوا من حياتك بعد ما يعلموك أغلى درس.
إن البصر نعمة…
لكن البصيرة هي اللي بتنقذ الإنسان مرّت عشر سنوات.
وفي مساء شتوي هادئ…
كنت أقف أمام نافذة مكتبي في مركز النور، أراقب المطر وهو يغسل شوارع القاهرة.
شعري اختلط فيه الأبيض بالأسود.
لكن قلبي…
كان أخف مما كان عليه في أي يوم مضى.
رن هاتفي.
رقم غريب.
ترددت للحظة، ثم أجبت.
جاءني صوت خافت أعرفه جيدًا، رغم مرور كل هذه السنوات.
مريم…
أغلقت عيني.
كان أحمد.
قال بصوت متعب
عارف إنك ممكن تقفلي السكة في وشي… لكن دي آخر مرة هطلب منك حاجة.
لم أرد.
فأكمل
أنا تعبان… والدكاترة قالوا إن عندي أيام قليلة. نفسي أشوفك خمس دقايق بس.
ظللت صامتة.
ثم قلت بهدوء
ابعتلي عنوان المستشفى.
بعد ساعة…
دخلت غرفته.
لم أعرفه من أول نظرة.
الرجل الذي كان يملأ المكان حضورًا…
صار مجرد جسد هزيل فوق سرير أبيض.
رفع عينيه نحوي.
ابتسم ابتسامة باهتة.
لسه جميلة… زي ما انتي.
لم أعلق.
قال بعد لحظات
فاكرة لما كنت بقولك إني عينك؟
هززت رأسي.
نزلت دمعة من عينه.
أنا كنت أعمى… مش إنتِ.
ظل الصمت بيننا طويلًا.
ثم أخرج ظرفًا من تحت الوسادة.
ومده ناحيتي.
دي وصيتي.
فتحتها.
وجدت أنه أوصى ببيع كل ما تبقى من ممتلكاته، والتبرع بثمنها لمركز النور.
وفي آخر الصفحة…
كان مكتوبًا بخطه
يمكن ما عرفتش أصلح اللي كسرته…
بس أتمنى أساعد حد تاني يشوف النور.
رفعت رأسي.
وجدته ينظر إليّ في انتظار كلمة.
قلت بهدوء
الفلوس هنوصلها للناس اللي تستحقها.
أما الماضي…
فهو انتهى من زمان.
ابتسم.
وأغمض عينيه.
ولم يفتحهما مرة أخرى.
بعد أشهر…
افتتحنا جناحًا جديدًا داخل المركز.
لم نضع عليه اسم أحمد.
ولا اسمي.
كتبنا فقط على المدخل
جناح البدايات الجديدة.
لأن الإنسان…
مهما أخطأ…
قد يترك بعده خيرًا ينفع غيره.
وقفت أمام اللافتة، وحولي عشرات المرضى وأسرهم.
رفعت بصري إلى السماء.
وابتسمت.
في يومٍ ما…
كنت أظن أن أول شيء رأيته بعد عودة بصري قد دمّر حياتي.
لكن الحقيقة…
أنه أنقذها.
فلولا تلك اللحظة…
لعشت بقية عمري في ظلامٍ لا علاقة له بالعينين بعد افتتاح جناح البدايات الجديدة بأيام…
وصلني ظرف أبيض من المحكمة.
استغربت.
القضية انتهت من سنين.
وأحمد توفى.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب قصير، ومعاه مفتاح صغير قديم.
الخطاب كان من محامي أحمد.
مدام مريم…
قبل وفاة الأستاذ أحمد، طلب مني أسلمك المفتاح ده بعد مرور سنة كاملة على رحيله.
وقال هتعرف هي يفتح إيه.
فضلت أبص للمفتاح.
ما كانش عليه أي علامة…
غير رقم صغير محفور
17
قضيت أسبوع كامل أحاول أتذكر.
لحد ما فجأة…
افتكرت.
رقم 17…
كان رقم مخزن صغير في المعرض القديم بتاع والدي.
المعرض اللي اتقفل بعد وفاة بابا.
ركبت العربية وروحت.
المكان كان مهجور.
التراب مالي كل حاجة.
لكن المخزن رقم 17…
لسه موجود.
دخلت المفتاح.
لف…
والباب اتفتح.
أول ما دخلت…
حسيت إن الزمن رجع عشرين سنة.
كل حاجة كانت زي ما هي.
مكتب والدي.
الكرسي الخشب.
حتى ماكينة الحساب القديمة.
وفوق المكتب…
كان فيه صندوق خشب.
فتحت الصندوق.
لقيت ألبومات صور.
وأشرطة فيديو قديمة.
وخطابات من بابا.
وفي آخر الصندوق…
كان فيه ظرف مكتوب عليه
يفتح بمعرفة مريم فقط.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كان بخط والدي.
يا مريم…
لو وصل لك الخطاب ده…
يبقى ربنا كتب لك عمرًا جديدًا.
أنا عارف إنك قوية.
لكن القوة الحقيقية مش إنك تنتقمي.
القوة إنك ما تسمحيش للي ظلمك يغير قلبك.
الفلوس ممكن تروح.
والبيوت ممكن تتباع.
لكن الإنسان لو خسر أخلاقه…
يبقى خسر كل حاجة.
فضلت أقرأ…
ودموعي بتنزل.
آخر سطر كان
أنا فخور بيكي…
سواء كنت شايفة…
أو حتى لو الدنيا كلها كانت ضلمة.
قفلت الخطاب.
وضميته لصدري.
ولأول مرة من وفاة والدي…
حسيت إنه لسه معايا.
قبل ما أمشي…
لفت نظري إطار صورة قديم.
أنا وبابا.
وأنا عندي حوالي عشر سنين.
كان كاتب وراها بقلمه
البنت دي هتعدي أيام صعبة…
بس عمرها ما هتنهزم.
ابتسمت.
وأخدت الصورة معايا.
وأنا خارجة من المخزن…
قفلت الباب بالمفتاح.
لكن المرة دي…
ما كنتش بقفل على ذكريات.
كنت بقفل آخر باب يربطني بالألم.
ورجعت بيتي…
وأنا متأكدة إن ربنا أحيانًا بيأخر كشف الحقيقة…
علشان لما تظهر…
تكون بداية حياة جديدة، مش نهاية حياة قديمة مرّت شهور.
وفي ليلة هادئة…
كنت أرتب مكتبة البيت.
وبين الكتب القديمة، سقط ألبوم صور صغير لم أفتحه منذ سنوات.
جلست على الأرض وبدأت أقلب صفحاته.
صورة فرحي.
صورة أول رحلة بعد الجواز.
صورة عيد ميلادي الثلاثين…
ثم توقفت.
كانت هناك صورة لم أنتبه لها من قبل.
أنا…
وأحمد…
وأختي ندى.
التقطت في بيت والدي قبل وفاته بعام.
في الصورة، كان الجميع يبتسم.
لكن شيئًا شد انتباهي.
ندى كانت تنظر إلى أحمد…
وليس إلى الكاميرا.
نظرة طويلة.
غريبة.
أغلقت الألبوم.
ولأول مرة…
لم أشعر بالغضب.
ولا بالحزن.
فقط شعرت بالشفقة.
كم من السنين ضاعت…
لأن بعض الناس اختاروا الطريق الأسهل.
في صباح اليوم التالي…
دخلت المركز.
وجدت موظفي الاستقبال مجتمعين حول سيدة مسنة.
ما إن رأتني حتى وقفت.
وقالت
إنتِ مريم؟
أيوه.
مدت لي ظرفًا.
أنا جارة والدتك القديمة… لقيت ده وأنا بنضف شقتي.
كان ظرفًا أصفر قديمًا.
عليه تاريخ يعود إلى اثنتي عشرة سنة.
فتحت الظرف.
وجدت رسالة بخط أمي.
لكنها لم تكن موجهة لي.
كانت موجهة إلى أحمد.
قرأتها ببطء.
يا أحمد…
أنا مأمناك على بنتي.
مريم قلبها أبيض، وبتصدق بسهولة.
يمكن في يوم تضعف…
أو تحتاجك أكتر من أي وقت.
أوعى في يوم تستغل احتياجها.
لو حبيتها…
احميها.
ولو بطلت تحبها…
سيبها بكرامتها.
وقفت مكاني.
أعدت قراءة السطور مرة أخرى.
أمي…
كانت تعرف طبيعة شخصيتي.
وكانت تثق فيه.
لكن هو…
هو الذي خان تلك الثقة.
رفعت عيني نحو السيدة.
فسألتني
والدتك كانت ست عظيمة… صح؟
ابتسمت والدموع تلمع في عيني.
وقلت
كانت أعظم مما كنت أتخيل.
في المساء…
ذهبت إلى قبر أمي.
وضعت باقة من الياسمين الأبيض، الزهور التي كانت تحبها.
جلست أمام قبرها طويلًا.
ثم همست
متقلقيش يا أمي…
أنا بقيت بخير.
رجع لي بصري.
ورجع لي حقي.
ورجع لي نفسي.
وسامحت…
لكن عمري ما هنسى الدرس.
هبّت نسمة هواء خفيفة.
حركت أوراق الشجر من حولي.
ابتسمت.
وقفت.
ومشيت.
ولم ألتفت خلفي.
لأن بعض القبور…
لا نزورها لنعيش في الماضي.
بل لنشكر أصحابها…
لأنهم علمونا كيف نكمل الطريق مرّت ثلاث سنوات أخرى.
وفي صباح يوم الأحد…
كنت أراجع ملفات المركز، عندما دخل يوسف مسرعًا وقال
مدام مريم… في واحد برة بيقول إنه يعرف والد حضرتك، ومش راضي يمشي غير لما يشوفك.
استغربت.
أغلب الناس اللي كانوا يعرفوا بابا رحلوا أو كبروا في السن.
قلت
دخله.
دخل رجل تجاوز السبعين، يستند إلى عصا خشبية.
أول ما شفته، حسيت إن ملامحه مألوفة.
ابتسم وقال
أكيد مش فاكراني… أنا عم سيد، كنت شريك والدك زمان.
رحبت بيه، وقعد قدامي.
طلع من جيبه مفتاحًا صدئًا، وحطه على المكتب.
أبوكي سلمني المفتاح ده قبل ما يموت بأسبوع، وقال لي لو حصل لمريم أي حاجة، متدهوش ليها. لكن لو شفتها واقفة على رجليها، وقلبها لسه أبيض… سلمهولها.
ابتسمت وأنا أمسك المفتاح.
قلت
هو أنا لسه عندي أسرار ما عرفتهاش؟
ضحك الرجل.
والدك كان راجل بعيد النظر.
أخذني إلى مخزن قديم في أطراف القاهرة.
فتحنا الباب.
لم يكن مليئًا بالذهب أو الأموال كما توقعت.
بل كان مليئًا بلوحات.
عشرات اللوحات.
كلها مرسومة بيد والدي.
لم أكن أعرف أصلًا أنه كان يرسم.
إحدى اللوحات جعلتني أتجمد.
كانت لامرأة تقف وسط الظلام، لكن من عينيها يخرج نور يضيء الطريق لمن حولها.
وفي أسفلها، بخطه
ليس كل من يرى يبصر… وليس كل من فقد بصره ضاع.
لم أتمالك نفسي.
جلست أبكي.
قال عم سيد
أبوكي كان بيرسم دي بعد ما عرف بمرضك… وكان مؤمن إن ربنا هيقومك من أي محنة.
قبل أن أغادر، سلمني دفترًا صغيرًا.
قال
ده آخر حاجة كتبها.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوبًا
لو مريم بتقرأ الكلام ده…
يبقى هي انتصرت.
ولو انتصرت…
قولوا لها إن أبوها عمره ما خاف عليها من المرض.
كان خوفه الوحيد…
إن الناس الغلط





