اخطر زعيم

نفسه.
المفروض إن أوامر الحاجة فاطمة واضحة وصريحة: “الجناح ده ما يتلمسش إلا في غيابه التام، والخدم بيدخلوه في أوقات معينة بس تحت إشرافها.” لكن ملك لقت الباب مردود نص متر، ومن جوه كان فيه ريحة قهوة مطحونة باينة، وشوية أوراق مبعثرة على مكتب صغير بره الأوضة الرئيسية.
قالت في نفسها بصوت واطي: “لو دخلت خدت الأوراق دي ونضفت التراب اللي هنا، هخلص أسرع وأنزل أنام ساعتين.”
دقت الباب خفيف مرتين، ومحدش رد.
دخلت بحذر، والقلب بيدق في صدرها. المكان كان أوسع بكتير مما تخيلت، وإضاءة خافتة نازلة من الأباجورات. الأوضة الرئيسية جوه كانت واسعة والسرير الكبير متغطي بملايات سوداء فاخرة.
بدأت تلم الأوراق اللي على المكتب وترتبها بسرعة. وفجأة، جالها إرهاق فظيع. الهبوط كان متمكن من جسمها؛ هي ما نامتش كويس من أربع أيام بسبب سهرها جنب آدم في المستشفى، واليوم الطويل ده في القصر هد حيلها تمامًا.
قالت لنفسها بصوت يائس: “خمس دقايق… بس أريح عيني على أطراف السرير لحد ما ترجع توازنها.”
قعدت على حافة السرير، ومن تعبها الرهيب،لقت نفسها بتنام وهي مش حاسة بمرور الوقت… لحد ما غرقت في النوم تمامًا، وشعرها البني مفروش على المخدة الفخمة، والبيجامة الرمادي اللي كانت لابساها تحت اليونيفورم باينة بوضوح.
وهنا رجع عمر المنشاوي…
فتح باب أوضته وهو بيفك جراب المسدس اللي على كتفه، واتجمد مكانه.
على سريره، وفي عقر داره، وبقاعدة عمره ما سمح لأي مخلوق يكسرها… كانت فيه بنت نايمة بعمق شديد، ومش حاسة بالدنيا حواليها.
عمر وقف دقيقة كاملة باصص لها. عروقه ظهرت في رقبته، ودمه غلي. الجرأة دي كانت كفيلة إنه ينهي حياة أي حد فورًا وبكل برود. رفع إيده ومسك مقبض المسدس، وبص لها بعينين بتلمع بشرر الغضب.
“إنتِ… مجنونة؟!”
قالها بصوت خشن وواطي، وهو بيقرب من السرير بخطوات بطيئة تقيلة زي الصخور.
مد إيده وشدها بغضب من دراعها عشان يصحيها بقسوة: “قومي! إنتِ مين وإزاي دخلتي هنا؟!”
ملك فتحت عينيها المفزوعة ببطء، ولقت وش مرعب قدامها وعيون حادة زي الصقر بتخترقها. في الأول فكرت إنها بتهلوس من التعب، لكن لما استوعبت، لقت نفسها وجهاً لوجه قدام “عمر المنشاوي” زعيم المافيا اللي القصر كله بترتعب لمجرد سيرته.
بدل ما تعيط أو تترعش زي ما كان متوقع، أدركت الموقف في ثواني، وعيونها لمعت بنظرة تحدي وغضب مستمد من قهر الأيام اللي عايشاها. سحبت دراعها بقوة وقالت بصوت مسموع ومبحوح من التعب:
“كنت هانظف… ومن التعب نمت! لو عايز تقتلني اخلص.. بس أقسم بالله لو ليا حق عندك، ما هسامحك!”
عمر اتفاجئ بردة فعلها. متوقعش شجاعة أو بالأصح “جنون” بالشكل ده من خدامة جديدة لسه مكملتش يومها الأول. بدل ما يضربها، نزل بوشه قريب منها وقال بصوت هادي ومرعب:
“جريئة… أو يمكن جاهلة باللي هيحصلك. بس أنا ما بحبش حد يدخل منطقتي… وخصوصًا سريري.”
قبل ما تفتح بقها بكلمة، اتفتح باب الأوضة فجأة، ودخل الحارس الشخصي بتاعة “مروان” واقترب منه بخطوات سريعة وقال بصوت قلق:
“باشا… البضاعة اللي حسن الدمنهوري كان باعتها للميناء… اتقبض عليها كلها. والمخزن اتولع فيه من نص ساعة!”
عمر لف راسه وبص لمروان، وبعدين رجع بص لملك اللي قاعدة قدامه على السرير، والنار في عينه بقت واضحة. ابتسم ابتسامة شيطانية باردة وقال:
“شكلنا كده… هندخل في لعبة تانية خالص يا ملك.”
تاني يوم الصبح، مكنش حد من الخدم فاهم إيه اللي بيحصل.
الحاجة فاطمة اتفاجأت بعمر المنشاوي بينادي عليها في الصالون الكبير، ومعاه ملك واقفة ورا إيديه، وشعرها مربوط، وساكته تمامًا بس راسها مرفوعة.
قال عمر بصوت قاطع ميقبلش النقاش:
“ملك من النهاردة مش خدامة في الجناح الشرقي.”
فاطمة بلعت ريقها وقالت بخوف: “أومال إيه يا باشا؟ نقفل عليها…؟”
قاطعه عمر وهو بيعدل ساعة إيده الغالية:
“من النهاردة… ملك هتبقى السكرتيرة الشخصية بتاعتي، ومسؤولة عن كل ملفاتي الخاصة في القصر. وأي حد هيضايقها… هيعتبر نفسه ميت.”
حسن الدمنهوري لما عرف الخبر ده من رجاله، اتجنن! لأن بنته ياسمين اترفضت، والبت “الفقيرة” دي بقت في قلب قصر عمر المنشاوي، وفي أسرار شغله. هنا بدأت الحرب الحقيقية؛ حرب بين مافيا بتلعب على الدم، وبنت غلبانة كل همها أخوها.. بس لقت نفسها وسط صراع مش قدها، يا إما تطلع منه ملكة، يا إما تتفرد كاشارة تحذير للكل.
وعمر المنشاوي، لأول مرة في حياته، مبقاش عايز يقتل البنت اللي نامت على سريره… بقا عايز يعرف هي مستخبية ورا الملامح دي ليه، وإيه السر اللي هيخليه يحميها حتى لو خسر امبراطوريته كلها قصاد ده.





