ورقه انقذت

الفصل الأول: ورقة أنقذت زعيم المافيا
الليلة التي أنقذت فيها كندة حياة سليم المنشاوي، لم تكن تحمل سلا.
كل ما كان بين يديها ورقة حساب، وقلمٌ أوشك حبره على الجفاف، وثلاث ثوانٍ فقط لتقرر إن كانت ستغادر المطعم حية… أم تتحول إلى ضحية أخرى في مجزرة لن ينساها أحد.
في الرابعة والعشرين من عمرها، أتقنت كندة فن الاختفاء وسط الزحام. كانت تتحرك بين طاولات مطعم المصباح النحاسي بخفة، تملأ كؤوس الماء قبل أن يطلبها الزبائن، تجمع الصحون الفارغة، وتعتذر بابتسامة هادئة عن أخطاء لم ترتكبها.
كانت تؤمن أن أفضل نادلة هي التي لا يلاحظ أحد وجودها.
وحين تنتهي مناوبتها، تعود إلى شقتها الصغيرة، حيث تنتظرها مظاريف بيضاء لم تعد تملك الشجاعة لفتحها.
فواتير المستشفى.
إشعارات الديون.
ورسائل تطالبها بسداد مبالغ لا تعرف من أين ستأتي بها.
قبل ثلاثة أشهر، فقدت والدتها بعد صراع قصير مع المرض في مستشفى القصر العيني. كانت تظن أن أصعب ما في الفقد هو الغياب، لكنها اكتشفت أن الحزن يخف مع الأيام، أما الديون فلا ترحم.
لهذا كانت تعمل بلا توقف؛ مناوبات صباحية ومسائية، وعطلات نهاية الأسبوع، وكل ساعة إضافية يعرضها مدير المطعم كانت تقبلها دون تردد.
لم تكن تبحث عن الرفاهية.
كانت فقط تحاول أن تبقى واقفة على قدميها.
لكن هذه الليلة لم تكن كغيرها.
ففي كل مرة يدخل فيها سليم المنشاوي إلى المطعم، يتغير كل شيء.
تعتدل وقفة المضيفة.
يتوقف النادل عن المزاح.
ويخرج صاحب المطعم بنفسه لاستقباله.
أما الطاولة الركنية المطلة على الباب، فتظل محجوزة له دائمًا، حتى إن اضطر أحد الزبائن إلى تغيير مكانه.
لم يكن أحد يجرؤ على السؤال عن السبب.
المدينة كلها تعرف الاسم.
سليم المنشاوي.
رجل تتردد الحكايات عنه أكثر مما تُقال علنًا. يقول البعض إنه رجل أعمال واسع النفوذ، بينما يهمس آخرون بأنه الرجل الذي تُحسم على يديه صراعات لا تصل أبدًا إلى أقسام الشرطة.
أما كندة، فلم تكن تعرف الحقيقة، ولم تكن ترغب في معرفتها.
كل ما تعرفه أنه أخطر زبون يدخل المطعم.
كان في أوائل الثلاثينيات، طويل القامة، يرتدي بذلة داكنة مفصلة بعناية، وله عينان هادئتان على نحو يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة.




