ورقه انقذت

وصل في تلك الليلة عند الساعة التاسعة وثلاث عشرة دقيقة.
رافقه حارسه الشخصي، طارق، وهو رجل ضخم البنية لا يكاد يبتسم.
جلس سليم في مكانه المعتاد، بينما اتخذ طارق موقعه قرب منصة المشروبات، يراقب القاعة بصمت.
حملت كندة كأس العصير إلى الطاولة.
وضعتها أمامه وقالت باحترام:
“مساء الخير يا سليم بك.”
رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
“مساء الخير يا كندة.”
ارتجفت أصابعها للحظة.
لم يكن غريبًا أن يعرف اسمها.
كان يعرف أسماء جميع العاملين في المطعم، وهي عادة جعلت الجميع يشعرون بأنه يلاحظ أكثر مما ينبغي.
أومأت برأسها وعادت إلى عملها.
وكان ينبغي أن تنتهي الليلة عند هذا الحد.
لكن بعد ستة عشر دقيقة، دخل رجل لم يلتفت إليه أحد.
كان يرتدي سترة زيتية ثقيلة رغم اعتدال الطقس، وعلى كتفيه آثار مطر لم تجف بعد.
اعتذر لأنه لا يملك حجزًا، فاصطحبته المضيفة إلى طاولة في منتصف القاعة، تبعد بضعة أمتار فقط عن سليم.
في البداية، لم يثر انتباه كندة.
مجرد زبون متأخر.
لكنها، وهي تمر بجواره، لاحظت أنه لم يفتح قائمة الطعام.
ولم يطلب شرابًا.
ولم ينظر إلى أي شيء في المطعم.
كانت عيناه معلقتين بسليم المنشاوي.
شعرت بانقباض في صدرها.
بقيت يده اليمنى مخفية تحت الطاولة، وجلس متصلبًا كأنه ينتظر لحظة محددة.
ثم رن هاتف سليم.
أخرجه من جيبه، وخفض رأسه نحو الشاشة.
وفي اللحظة نفسها…
تحرك الرجل.
انسحبت يده ببطء من تحت الطاولة.
ولمحت كندة لمعان معدن أسود تحت المنديل الأبيض.
مسد
مزود بكاتم صوت.
ورفعه بهدوء حتى استقرت فوهته خلف ظهر سليم مباشرة.
تجمدت كندة في مكانها.
بحثت بعينيها عن طارق.
كان قد استدار للحظة نحو النادل الذي يناوله كوب ماء.
ثانيتان فقط.
لكن الثانيتين تكفيان لإنهاء حياة أخطر رجل في المدينة.
تسابقت الأفكار في رأسها.
إذا صرخت…
سيطلق النار.
إذا ركضت نحوه…
سيطلق النار.
وإذا بقيت مكانها…
فلن يموت سليم وحده.
وقعت عيناها على حافظة الفواتير الموضوعة بجوار منصة الحلوى.




