كعب الغزال بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

نظرت في عينيه السوداوين، فلم تجد سوى الظلام ورغبة مجنونة في الانتقام. أدركت حينها أن “تيم” الذي كانت تعرفه قد مات، وأن الذي يقف أمامها الآن هو وحش صنعته هي بغرورها القديم…
صمتت حور وكأن الكلمات تبخرت من حلقها، بينما كان هو يستمتع بملامح الصدمة التي ارتسمت على وجهها الرقيق. تحرك ببرود نحو مكتبه، وسحب ورقة وحيدة وضعها أمامها بقسوة، ثم أخرج قلماً فاخراً ورماه بإهمال فوقها.
”وقعي هنا.. ده عقد عمل، بس بشروطي أنا. مفيش استقالة، مفيش إجازات، ومفيش كلمة ‘لأ’ تطلع من شفايفك دي طول ما أنتي في مكتبي أو في بيتي.”
نظرت حور إلى الورقة بعينين مغرورقتين بالدموع، وقالت بصوت متهدج:
”بيت إيه يا تيم؟ أنت فاهم أنت بتقول إيه؟ أنا مستعدة أشتغل في الشركة، لكن بيتك ده مستحيل.. دي قلة قيمة وأنا مش هسمحلك.”
اقترب منها تيم مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت خطواته أهدأ وأكثر رعباً. انحنى بمستوى أذنها وهمس بنبرة مصرية تقطر سماً:
”قلة قيمة؟ هو أنتي لسه شفتي قلة قيمة؟ اللي كسرت موبايل واحد غلبان زمان وضيعت عليه حلم حياته عشان شوية غرور، متجيش النهاردة تتكلم عن القيمة.. وبعدين متخافيش، أنا مش عايز منك حاجة غير إني أشوفك قدامي ذليلة.. بتنفذي أوامري بالحرف، وتمسحي لي جزمتي دي لو طلبت منك، فاهمة؟”
انتفضت حور ورفعت يدها لتمسحه بصفعة قوية، لكنه قبض على معصمها في الهواء بسرعة البرق، وضغط عليه حتى تأوهت من الألم. لمعت عيناه بوميض شيطاني وهو يقول:
”إيدك دي لو اتمدت تاني، هقطعها.. إنتي خلاص مبقتيش حور هانم اللي بتأمر وتنهي، إنتي دلوقتي مجرد مديونة ليا بحياتك وبشركة عيلتك اللي هرميها في الشارع لو ممضيتيش حالا.”
ترك يدها بدفعة جعلتها تترنح، فمسكت القلم بأنامل ترتجف. كانت تشعر بأن كل حرف تكتبه هو مسمار في نعش كرامتها. وقعت في أسفل الورقة، ثم رمت القلم بعيداً وهي تنظر إليه بحقد دفين.
التقط تيم الورقة وتفحص التوقيع بعناية، ثم طواها ووضعها في جيب سترته الداخلي، وابتسم ابتسامة منتصر:
”مبروك يا سكرتيرة تيم الشافعي.. روحي لمي هدومك، السواق مستنيكي تحت هياخدك على الفيلا. ومن بكرة الصبح، تبدأي أول درس في الأدب.. والدرس ده هيكون بخصوص الكعب العالي اللي أنتي لابساه ده، عشان مش عايز أسمع صوته في بيتي أبداً.”
خرجت حور من المكتب وهي تشعر بأن الأرض تدور بها، بينما وقف تيم يراقب أثرها من خلف الزجاج، متمتماً لنفسه بوعيد:
”لسه يا حور.. لسه منسيتش طعم الذل، وهشربهولك كاس ورا كاس.”
وصلت حور إلى الفيلا وهي تشعر بأن كل خطوة تخطوها تقربها من قفص لا مخرج منه. كانت الفيلا هادئة بشكل مريب، ديكوراتها سوداء ورمادية تعكس برود صاحبها وقسوته. استقبلتها خادمة عجوز بنظرات غامضة واقتادتها إلى غرفة في الطابق الأرضي، بعيدة تماماً عن جناح تيم الفخم.
”دي أوضتك يا هانم.. الباشا أمر إنك متمشيش في الطرقة اللي فوق خالص، وممنوع تطلعي الجناح بتاعه إلا لو طلبك بنفسه.”
أغلقت حور الباب خلفها وانهارت على السرير، لم تبكِ، بل كانت تنظر للفراغ بذهول. كيف تحول ذلك الشاب الطموح الذي كانت تراه “أقل منها” يوماً ما إلى هذا الجبروت؟
في الصباح الباكر، لم يمهلها تيم وقتاً للراحة. طرق بابها بعنف، وعندما فتحت وهي لا تزال بملابس النوم، وجدته واقفاً بكامل أناقته، يربط ساعة يده الفاخرة وينظر إليها بتقزز مصطنع.
”إيه يا ست حور؟ فاكرة نفسك في فندق؟ الساعة بقت ٧ والقهوة بتاعتي لسه مجهزتش.. أنا مش دافع ملايين عشان أشوفك نايمة.”
ردت حور وهي تحاول لملمة خصلات شعرها المتمردة:
”أنا مبعرفش أعمل قهوة يا تيم.. وبعدين مكنتش أعرف إن المهام بدأت من الفجر.”
اقترب تيم خطوة، وضغط بإصبعه على كتفها بحدة وهو يقول بلهجة مصرية ساخرة:
”مبتعرفيش؟ تتعلمي.. والمهام بتبدأ لما أنا أصحى وتنتهي لما أنا أنام. انزلي المطبخ، والخدّامين هيقولولك القهوة بتتعمل إزاي.. وقدامك عشر دقايق تكون في مكتبي اللي تحت، فاهمة؟”
نزلت حور المطبخ وهي تشعر بنظرات الخدم تلاحقها بشفقة ممزوجة بفضول. وقفت أمام الموقد، يداها ترتجفان وهي تمسك بكنكة القهوة. بعد محاولات فاشلة، صعدت إلى مكتبه وهي تحمل الصينية ببطء شديد.
دخلت المكتب ووضعت القهوة أمامه، لكنه لم ينظر إليها، بل ظل يقرأ في بعض الأوراق. عندما تذوق أول رشفة، تجهم وجهه فجأة وقام بسكب الفنجان بالكامل في سلة المهملات بجانبه.
”دي مية بملح مش قهوة.. إيه القرف ده؟”
صاحت حور بانفعال:
”أنا قولتلك مبعرفش! أنت بتذلني يا تيم؟ قولي عايز إيه بالظبط وخلصني!”
قام تيم من خلف مكتبه، وخطا نحوها بهدوء مرعب، ثم انحنى والتقط فردة حذائها “الكعب العالي” التي كانت قد وضعتها بجانب الباب امتثالاً لأمره بالأمس.
”عايز إيه؟ عايز أشوف الكبرياء ده وهو بيتكسر حتة حتة زي ما كسرتي تليفوني زمان.. شايفة الكعب ده؟”
أمسك الحذاء وبقوة مذهلة حطّم الكعب بيده ثم رماه تحت قدميها:
”من النهاردة، مفيش كعب عالي في البيت ده.. هتمشي حافية يا حور، عشان تحسي بكل خطوة بتخطيها في مملكتي.. وعشان تفتكري إن اللي كان تحت رجلك زمان، بقى هو اللي شايل روحك بإيده دلوقتي.”
نظرت حور إلى حذائها المحطم، ثم إلى عينيه القاسيتين، وأدركت أن الانتقام بالنسبة لتيم ليس مجرد مال أو عمل، بل هو استرداد لكرامة مبعثرة قرر أن يجمعها من تحت أنقاض قلبها.
مرت الأيام وحور تعيش في جحيم بارد، كل ركن في الفيلا يذكرها بأنها لم تعد تلك الفتاة المدللة. كانت تمشي بقديم حافيتين على الرخام البارد، تشعر ببرودته تخترق عظامها، تماماً كما كانت نظرات تيم تخترق روحها كلما التقيا.
في المساء، دخل تيم إلى المكتب ووجدها تقف أمام رفوف الكتب، تحاول ترتيبها كما أمرها. لم يقل كلمة، ظل يراقبها بصمت وهو يرتشف كأساً من الماء، ثم وضع الكأس بعنف على الطاولة ليلفت انتباهها.
”جهزي نفسك.. فيه حفلة كبيرة النهاردة لرجال الأعمال، وإنتي هتيجي معايا.”
التفتت إليه حور بذهول، ونظرت إلى قدميها الحافيتين ثم إليه:
”آجي معاك إزاي وبالمنظر ده؟ أنت كسرت كل جزمي يا تيم.. عايز تفرّج الناس عليا وأنا كدة؟”
اقترب تيم منها، وبحركة مفاجئة جذبها من خصرها ليلتصق ظهرها بصدره، وهمس في أذنها بفحيح أفعى:
”ومين قال إنك هتمشي حافية قدام الناس؟ أنا اشتريت لك فستان وجزمة.. بس الجزمة دي مسمارها أطول من اللي كنتي لابساه زمان. عايزك طول الحفلة واقفة على رجلك، ممنوع تقعدي، وممنوع تتكلمي مع حد غيري.. إنتي النهاردة “البرواز” اللي هبهر بيه الكل.”
نفضت حور يده عنها بغضب مكتوم:
”أنا مش برواز يا تيم.. أنا بني آدمة، وليا اسم وليا أهل.”
رد تيم ببرود وهو يتجه نحو الباب:
”أهلك اللي شركتهم هتعلن إفلاسها بكرة الصبح لو مظهرتيش معايا النهاردة وانتي بتضحكي في وش الموردين؟.. فكري كويس يا حور، كرامتك ولا لقمة عيش عيلتك؟”
تركها ورحل، لتجد فوق سريرها صندوقاً أسوداً فخماً. فتحته لتجد فستاناً أحمر بلون الدم، ضيقاً ومستفزاً، ومعه حذاء ذو كعب رفيع جداً ومؤلم بمجرد النظر إليه.
في الحفلة، كانت حور تخطف الأنفاس بجمالها الحزين، لكن الألم في قدميها كان لا يطاق. تيم كان يحيط خصرها بيده بقوة، يقدّمها للناس ببرود وكأنها إحدى ممتلكاته الثمينة.
مال أحد رجال الأعمال عليه وقال بلهجة مصرية مازحة:
”إيه يا تيم باشا.. الجمال ده كله كان مستخبي فين؟ دي حور هانم اللي كانت بترفض تقابل حد فينا زمان، ولا أنا بيتهيألي؟”
شد تيم من قبضته على خصرها حتى تأوهت بصمت، وقال بابتسامة منتصرة:
”الدنيا دوارة يا متر.. حور دلوقتي بقت المسؤولة عن كل طلباتي الخاصة، يعني مفيش ورقة تمضيها من غير ما تمر عليها الأول.. مش كدة يا حور؟”
نظرت حور إلى الرجل ثم إلى تيم، رأت في عينيه نظرة التحدي التي تطلب منها الخضوع. قالت بصوت مخنوق:
”أيوه.. أستاذ تيم صاحب فضل كبير عليا.”
شعر تيم برعشة يدها تحت كفه، فمال عليها وهمس بلهجة عامية تقطر قسوة:
”شاطرة.. كدة تعجبيبي. لسه فاضل ساعتين على الحفلة ما تخلص، وأوعي رجلك تلمس الأرض وانتي قاعدة.. عايزك تحسي بكل ثانية وجع، عشان الوجع ده هو اللي هيعلمك إزاي متكسريش حاجة غالية تاني.”
انتهت الحفلة، وعادا إلى الفيلا في صمت ثقيل. وبمجرد أن دلفا من الباب، خلعت حور الحذاء ورمته بعيداً وهي تبكي بحرقة:
”كفاية بقى! أنت عايز مني إيه تاني؟ ذلتني قدام الناس، وكسرتني في بيتك، ووجعت قلبي ورجلي.. ارحمني يا تيم!”
توقف تيم عند أول درجات السلم، التفت إليها بملامح جامدة كالرخام، ثم نزل الدرجات ببطء حتى وقف أمامها. رفع وجهها بيده، ومسح دمعة سقطت على وجنتها بإبهامه، لكن لمسته لم تكن حنونة، بل كانت كتحذير:
”ارحمك؟ هو أنتي رحمتيني لما وقفت قدامك بترجاكي تسبيني أمشي عشان ألحق الصفقة وانتي دوستي على تليفوني وضحكتي بكل غرور؟.. أنا لسه في أول صفحة من كتاب حسابنا يا حور، والوجع اللي في رجلك ده.. ده مجرد تسخين.”
لم تكن حور قادرة على الرد، سحبت جسدها المنهك نحو غرفتها، وشعرت بكل خطوة وكأنها نصل يمزق قدميها المتورمتين. ارتمت على سريرها بملابس الحفل، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تغط في نوم عميق من فرط التعب والقهر.
في منتصف الليل، استيقظت حور على برودة شديدة تكتسح غرفتها، وجسدها يرتجف بعنف. حاولت النهوض لتغلق النافذة، لكنها شعرت بثقل في رأسها وكأن جبلاً يهوي فوقها. سقطت مرة أخرى على الفراش، وبدأت تهذي بكلمات غير مفهومة، وصورتها القديمة وهي تكسر هاتفه تهاجم خيالها في كوابيس متلاحقة.
طرق تيم الباب في الصباح الباكر كعادته، لكن لم يأتِه رد. انتظر ثواني، ثم دفع الباب بقوة وهو يصيح بغضب:
”انتي يا هانم! القهوة اتأخرت، فاكرة إن الحفلة بتاعة امبارح كانت إجازة؟”
توقف مكانه عندما رأى وجهها الشاحب وعينيها الغائمتين. اقترب منها ووضع يده على جبينها، فانتفض من فرط الحرارة. تراجع خطوة، وصراعه الداخلي ينهش صدره؛ هل يتركها تعاني كما عانى هو، أم أن بقايا “تيم القديم” لا تزال تنبض؟
زفر بضيق وجلس على حافة السرير، ونادى بصوت جهوري:
”يا داده! هاتي مية ساقعة وتلج بسرعة.. حور بتموت من السخونية.”
بدأ تيم يضع الكمادات على جبهتها بنفسه، بينما كانت هي تهذي بصوت خفيض:
”أنا آسفة يا تيم.. مكنتش أقصد أكسر حلمك.. كفاية وجع، أبوس إيدك كفاية.”
تصلبت ملامح تيم وهو يسمع اعترافها المتأخر. نظر إلى كفيها الصغيرتين اللتين كانتا ترتجفان، وأحس بغصة في حلقه سرعان ما ابتلعها بقسوة. قال بلهجة مصرية خافتة مليئة بالمرارة:
”دلوقتي بتقولي آسفة؟ بعد ما خليتيني أشوف النجوم في عز الظهر؟ بعد ما كسرتي عيني قدام الكل؟ الأسف مبيصلحش اللي اتكسر يا حور.. بس أنا مش هسيبك تموتي، لسه حسابنا مخلصش.”
بعد ساعات من العناية، بدأت حرارتها تنخفض قليلاً. فتحت عينيها لتجده جالساً أمامها، يراقبها بنظرة غامضة، وقد خلع سترته وشمر عن ساعديه. حاولت الاعتدال، لكنه ضغط على كتفها ليعيدها لمكانها.
”خليكي مكانك.. أنتي لسه تعبانة.”
قالت حور بصوت مبحوح:
”ليه بتعمل كدة؟ ليه مهتم لو كنت هموت ولا أعيش؟ مش ده اللي كنت عايزه؟”
شرد تيم بعيداً، ثم نهض ببرود وأعاد قناع القسوة لوجهه:
”عشان لو موتي دلوقتي هتبقى ميتة مريحة، وأنا مش عايزك ترتاحي.. أنا عايزك تقومي عشان تشوفي المفاجأة اللي محضرها ليكي ولأهلك بكرة في الشركة. كلي اللقمة دي ونامي، والقهوة بكرة عايزها مظبوطة، مفهوش عذر المرض ده.”
خرج وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يذهب لمكتبه، بل وقف خلف الباب لثوانٍ، يتنفس بعمق وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن قلبه لا يزال حجراً. أما حور، فقد سحبت الغطاء حولها وهي تدرك أن شفاءها هو مجرد بداية لجولة جديدة من التعذيب النفسي.
استعادت حور عافيتها تدريجياً، لكنها كانت تشعر أن جسدها يشفى بينما روحها تذبل. في صباح اليوم التالي، أجبرها تيم على الذهاب معه إلى الشركة. كانت تمشي خلفه بخطوات منكسرة، وقد استبدلت كعبها العالي بحذاء مسطح بسيط، وشعرها الذي كان تاج كبريائها لم يعد مصففاً بعناية كما كان.
دخل تيم قاعة الاجتماعات الكبرى حيث كان يجلس والد حور وعمها، ملامحهما كانت توحي بالهزيمة المطلقة. لم يرفع تيم عينيه عنهما، بل أشار لحور أن تقف خلفه مباشرة كظله.
”أهلا يا بشوات.. نورتوا شركتي المتواضعة اللي قريب هتبقى المقر الرئيسي لمجموعة الشافعي، بعد ما نخلص إجراءات الحجز على شركتكم النهاردة.”
صاح والد حور بصوت مكسور:
”يا تيم يا ابني.. إحنا بينا عشرة، وبنتنا عندك أهي.. بلاش تخرب بيوتنا وتشرّد الموظفين.”
ضحك تيم ضحكة باردة، والتفت نصف التفاتة لحور التي كانت تقاوم البكاء:
”بنتكم؟ بنتكم هي اللي بدأت اللعبة دي.. هي اللي داست على مستقبلي عشان كانت شايفة نفسها فوق البشر. دلوقتي بقى، أنا اللي فوق، وإنتوا اللي تحت.”
ثم أخرج ملفاً من جلده الفاخر ورماه على الطاولة:
”دي شروط التنازل.. الشركة مقابل ديونكم. وأي اعتراض، هحبسكم بالوصلات اللي معايا.. اختاروا.”
نظرت حور لوالدها الذي كان يرتجف، ثم اندفعت نحو تيم وأمسكت بيده أمام الجميع، وقالت بلهجة مصرية باكية:
”تيم.. أبوس إيدك، بلاش هما. ذلني أنا، اضربني، احبسني في بيتكم العمر كله.. بس سيب بابا يمشي من هنا بكرامته. الشركة دي هي حياته.”
نظر تيم ليدها التي تمسك بيده، شعر بحرارتها وصدق توسلها، لكنه انتزع يده بقسوة وقال بصوت جهوري هز القاعة:
”كرامته؟ وانتي كنتي فين والكرامة دي بتتداس تحت رجلك زمان؟ وقع يا حج، وإلا الأمن هيطلعكم بره بالحرس.”
وقع الأب والقلم يرتجف في يده، بينما كانت حور تشعر أن كل حرف يكتبه هو طعنة في قلبها. بعد خروج والدها محطماً، التفت تيم إليها ببرود وكأن شيئاً لم يكن:
”دلوقتي مفيش شركة، ومفيش بيت ترجعي له.. إنتي ملكي بالكامل يا حور. روحي استني في العربية، ورانا مشوار مهم.”
في السيارة، كان الصمت أثقل من الجبال. سألت حور بصوت هامس:
”خدت كل حاجة.. لسه عايز إيه تاني؟”
نظر إليها تيم بعينين لامعتين بشيء يشبه الجنون:
”عايز أوريكي المكان اللي بدأت فيه الحكاية.. المكان اللي كسرتي فيه موبايلي وضيعتي فيه الصفقة.”
توقفت السيارة أمام رصيف قديم متهالك في حي شعبي. نزل تيم وسحبها من يدها بعنف لتقف أمامه. أخرج من جيبه هاتفاً محطماً، هو نفسه الهاتف الذي كسرته قبل سنتين.
”شايفة ده؟ أنا لسه محتفظ بيه.. عشان كل ما قلبي يحن ليكي، أبص له وأفتكر إني كنت شغال ليل نهار عشان أجيب تمنه، وانتي بوظتي كل حاجة في ثانية بضحكة سخرية.. النهاردة يا حور، أنا هرميه في الزبالة، وهرمي معاه أي ذرة رحمة كانت باقية ليكي جوايا.”
رمى الهاتف في القمامة، ثم اقترب منها لدرجة أن أنوفهما تلامست، وقال بهدوء مخيف:
”انتي دلوقتي بقيتي “لاشيء”.. واللاشيء ده، أنا هشكله بمزاجي. اركبي، عشان ليلتك النهاردة في الفيلا هتبقى طويلة أوي.”
عادت حور إلى الفيلا وهي ج\ثة هامدة تسكن جسدًا ينبض بالحزن. لم تعد تقاوم، ولم تعد تبكي. دخلت غرفتها وأغلقت الباب، لكن تيم لم يترك لها مساحة حتى لتختلي بكسرتها. فتح الباب دون استئذان، وجدها جالسة على طرف السرير، تنظر إلى الفراغ.
رمى أمامها حقيبة جلدية صغيرة، وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
”بما إنك بقيتي لا شيء، فمبقتيش محتاجة لبس الهوانم ده. من بكرة، لبسك هيكون زي لبس الخدم.. وشغلك في البيت مش هيكون بس سكرتيرة، إنتي هتمسحي وتطبخي وتخدمي الكل، وأولهم أنا.”
رفعت حور عينيها ببطء، كانت نظرتها باهتة لدرجة أنها أربكت تيم للحظة. قالت بصوت هادئ ومستسلم:
”ماشي يا تيم.. هعمل كل اللي أنت عايزه. بس قولي، لما تخلص غليلك وتكسرني خالص.. هترتاح؟ هترجع تيم القديم اللي كان بيحب الضحك والشغل؟”
ارتبك تيم، وضغط على فكه بقوة وهو يرد بلهجة عامية حادة:
”تيم القديم مات يا حور.. مات يوم ما وقفت قدامك وأنا مكسور وانتي بتضحكي عليا. دلوقتي فيه تيم الشافعي، اللي مبيسيبش حقه.. ويلا، اخلصي، مش عايز رغي كتير. انزلي المطبخ جهزي العشا، وعايزك إنتي اللي تقدميهولي على السفرة وانتي واقفة.”
نزلت حور وبدأت تعمل في المطبخ كآلة. كانت تجرح يدها بالس\كين ولا تتألم، كانت النار تلسع أصابعها ولا تبالي. قدمت له العشاء كما طلب، وقفت بجانبه برأس منحني بينما هو يتناول طعامه ببرود.
فجأة، ترك تيم الشوكة من يده ونظر إلى يدها المجروحة التي كانت تنزف ببطء على مفرش الطاولة الأبيض. ساد صمت رهيب، وفجأة، نهض تيم وجذب يدها بعنف:
”إيه ده؟ إيه الدم ده؟ إنتي مش عارفة تركزي في حاجة أبداً؟”
ردت ببرود مخيف:
”مش مهم يا تيم.. ده مجرد جرح. زي الجروح الكتير اللي بقيت عايشة بيها.”
في تلك اللحظة، حدث شيء غير متوقع. تيم، الذي كان يريد إذلالها، وجد نفسه يسحبها نحو الأريكة ويخرج علبة الإسعافات الأولية. بدأ يطهر جرحها بقسوة في البداية، ثم خفتت قبضته تدريجياً. كانت أنفاسه متسارعة، وصراع الانتقام والحنين يمزق ملامحه.
نظر في عينيها وقال بصوت منخفض ومبحوح:
”إنتي فاكرة إنك لما تضعفي كدة هصعب عليكي؟ لا يا حور.. أنا هفضل أكرهك لحد ما أنسى اسمك.”
اقتربت حور منه، وبشجاعة اليائس وضعت يدها الأخرى على وجهه، وقالت بلهجة مصرية هامسة:
”كداب يا تيم.. عينيك بتقول إنك لسه محبوس في اللحظة اللي كسرت فيها تليفونك، وإنك لسه مستني مني أصلح اللي انكسر.. بس أنت بتكسر فيا أنا، وأنا لو انكسرت مش هعرف أتصلح تاني.”
تصلب تيم مكانة، وسادت لحظة من التوتر المشحون بينهما، حيث تلاقت الأنفاس واختلط الحقد بالرغبة المدفونة. وفجأة، دفع يدها عنه ووقف بحدة:
”اطلعي على أوضتك! ومش عايز أشوف وشك لحد الصبح.. ومتحلميش كتير، اللي بينا مخلصش، والوجع لسه في أوله.”
خرج تيم من الغرفة بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من نفسه، بينما بقيت حور مكانها، تدرك أن القسوة التي يظهرها ليست إلا غلافاً لقلب لا يزال ينبض باسمها، لكنه قلب جريح، والجريح عندما يضرب.. يضرب ليقتل.
في اليوم التالي، كانت الفيلا تعيش حالة من الطوارئ؛ فقد قرر تيم إقامة مأدبة عشاء كبرى لرجال الأعمال الذين شهدوا انكسار عائلتها، وأمر حور أن تكون هي المسؤولة عن الضيافة، بزي الخادمة الذي اشتراه لها.
كانت حور تتحرك كآلة محطمة، ترتدي فستاناً أسود بسيطاً ومئزراً أبيض، وشعرها مربوط للخلف بإهمال. وبينما كانت توزع المشروبات، رأت عمها الذي غدر بوالدها يتودد لتيم ويضحك بصوت عالٍ.
اقترب منها تيم، وبخفة سحب كأساً من صينيتها وقال بصوت مسموع للجميع:
”شوفتوا يا جماعة؟ مفيش أحسن من إن الواحد يشغل عنده ناس “خبرة”.. حور هانم عرفت أخيراً إن مقامها الحقيقي هو إنها تخدم الأسياد اللي زينا.”
انفجر الحاضرون بالضحك، وشعرت حور بالأرض تميد بها. لكن تيم لاحظ شيئاً لم يلحظه غيره؛ كانت حور تنظر إليه بنظرة غريبة، لم تكن نظرة ذل، بل كانت نظرة “وداع”.
انسحبت حور بهدوء إلى المطبخ، وهناك، بعيداً عن الأعين، أخذت ورقة صغيرة وقلمًا وكتبت كلمات معدودة. عادت إلى القاعة، وقبل أن ينتبه أحد، وضعت الورقة في جيب سترة تيم المعلقة على الكرسي، ثم خرجت من الباب الخلفي للفيلا وهي لا تحمل سوى كبريائها الجريح.
بعد انتهاء الحفل، دخل تيم غرفته وهو يشعر بانتصار مرّ المذاق. خلع سترته فسقطت الورقة. فتحها ليقرأ بخطها المهتز:
”تيم.. أنت كسرت كل حاجة، الشركة، والبيت، وحتى الكعب اللي كنت بمشي بيه. بس فيه حاجة واحدة لسه مكسرتهاش.. روحي. أنا ماشية، ومش هتلاقيني تاني. الصفقة اللي ضاعت منك زمان عوضتها بوجعي، كدة خلصنا يا تيم.. مبروك عليك الفلوس، وعليا الحرية.”
جن جنون تيم. صرخ باسمها في أرجاء الفيلا، دخل غرفتها فلم يجدها. خرج إلى الحديقة وهو يصيح بالحراس:
”كانت فين؟! مشيت إزاي من غير ما حد يشوفها؟ والله اللي مش هيلاقيها لدفنه مكانها!”
ركب سيارته وانطلق في شوارع القاهرة كالمجنون. ذهب لبيت والدها، لم يجدها. ذهب لكل الأماكن التي كانت تحبها، لا أثر لها. وفجأة، تذكر “الرصيف القديم” الذي رمى فيه هاتفه المحطم.
أوقف السيارة بعنف ووجدها هناك، جالسة على الرصيف، حافية القدمين، تنظر إلى سلة المهملات التي ألقى فيها بقايا حلمه القديم. اقترب منها ببطء، وأنفاسه متهدجة من الخوف والغضب معاً.
”إنتي فاكرة إنك تقدروا تهربي مني؟ إنتي ملكي يا حور.. وقعتي على عقد، والهرب منه عقابه الحبس!”
رفعت وجهها إليه، وكانت ملامحها هادئة بشكل مخيف تحت ضوء أعمدة الإنارة الباهت:
”احبسني يا تيم.. السجن أهون بكتير من السجن اللي عيشتهوني في بيتك. أنا هنا جيت عشان أقولك حاجة واحدة.. الموبايل اللي انكسر هنا زمان، أنا كنت جايبة لك واحد مكانه في نفس اليوم، وكان فيه رسالة حب.. بس أنت مسألتنيش، أنت حكمت ونفذت.”
تسمّر تيم مكانه، وشعر وكأن صاعقة ضربته. تراجعت حور خطوة للخلف وقالت بلهجة عامية مصرية حزينة:
”خلاص يا تيم.. الحساب قفل. أنت خدت حقك وزيادة، ودلوقتي سيبني أمشي.. عشان لو فضلت معاك ثانية كمان، هكره نفسي أكتر ما كرهتك.”
استدارت لتمشي، لكن تيم قبض على يدها، ولم تكن قبضته هذه المرة قاسية، بل كانت ترتجف. نظر في عينيها وقال بصوت مكسور لأول مرة منذ سنتين:
”ولو قولتلك إني مش عايز حق؟ ولو قولتلك إن كل اللي عملته كان عشان أخليكي قريبة مني، حتى لو بالوجع؟.. متسيبنيش يا حور، أنا من غير كرهك ليا مفيش حاجة تانية بتخليني أحس إني عايش.”
سحبت حور يدها من بين يديه ببطء، وكأنها تسحب روحها من فك مفترس. نظرت إلى ملامحه المنهارة، إلى “تيم” القوي الذي سقطت قناعه فجأة ليظهر خلفه طفل جريح يخشى الفقد.
قالت بصوت مخنوق ولهجة مصرية تقطر وجعاً:
”إنت لسه أناني يا تيم.. حتى وأنت بتعتذر، بتفكر في نفسك. عايزني أفضل عشان إنت تحس إنك عايش؟ طب وأنا؟ أنا اللي موتني مية مرة في الكام يوم اللي فاتوا.. مين هيحييني؟”
لم ينتظر تيم رداً، بل جذبها لداخل حضنه بقوة، ودفن رأسه في عنقها وهو يتنفس بحدة كغريق وجد طوق نجاة. همس بصوت متهدج:
”أنا غلطت.. الغل عمالي عيني، والوجع خلاني وحش. بس وحياة كل ليلة نمت فيها وأنا بحلم باللحظة اللي هذلك فيها عشان أنساكي، أنا منستكيش ثانية واحدة. ارجعي معايا يا حور.. ارجعي ومش هتكوني خدامة، هتكوني صاحبة البيت، وصاحبة قلبي اللي إنتي كسرتيه قبل الموبايل بكتير.”
دفعته حور عنها برفق، ونظرت له بعينين مليئتين بالدموع، لكن فيها بريق من القوة لم يره من قبل:
”الرجوع مش سهل يا تيم.. والشرخ اللي عملته فيا مبيلمش بكلمتين. لو عايزني بجد، ابدأ من الأول.. رجع لبابا شركته، ورجع لي كرامتي قدام الناس اللي شمتوا فيا بسبك. اثبت لي إن تيم اللي حبيته زمان لسه جواه حتة نظيفة.”
أومأ تيم برأسه بالموافقة دون تردد، وكأنه كان ينتظر منها هذا الشرط ليتحرر من قيد انتقامه:
”هعمل كل اللي إنتي عايزاه.. الشركة هترجع لباباكي بكرة، والناس اللي ضحكوا النهاردة، هخليهم يتمنوا رضاكي بكرة. بس متمشيش.. خليني أصلح اللي هديته.”
عادوا إلى الفيلا، لكن هذه المرة كانت حور تجلس بجانبه في المقعد الأمامي للسيارة. لم يتحدثا، لكن الصمت بينهما لم يعد مشحوناً بالكره، بل كان صمتاً مليئاً بالتساؤلات حول المستقبل.
في الصباح، استيقظت حور لتجد صندوقاً كبيراً أمام باب غرفتها. فتحته لتجد عشرات الأحذية ذات الكعب العالي، بألوان وأشكال مختلفة، ومعها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط تيم:
”البسي الكعب اللي يريحك، وادوسي بيه على قلبي لو تحبي.. بس المهم تفضلي ماشية جنبي.”
ابتسمت حور بمرارة، فالحب الذي يولد من رحم القسوة يكون دائماً مشوهاً، لكنه يظل حباً. نزلت إلى الطابق السفلي لتجده واقفاً في المطبخ، يجهز القهوة بنفسه. التفت إليها وقال بابتسامة خجولة:
”عملت القهوة بنفسي.. طلعت سودة ومرة زيي، بس يمكن لما تشربيها من إيدي، طعمها يتغير.”
أخذت منه الفنجان، رشفة واحدة كانت كفيلة بأن تخبرها أن الطريق طويل، وأن تيم سيحتاج لسنوات ليعوضها عما فعله. لكنها قررت أن تعطيه فرصة، ليس لأنه يستحق، بل لأنها أدركت أن كلاهما ضحية لليلة واحدة غبية قررا فيها أن الكبرياء أهم من الحب.
لم يكن استرداد المكانة مجرد قرار اتخذه تيم، بل كانت رحلة “ترميم” قادها هو بنفسه أمام كل من شهدوا انكسارها. بدأ تيم أولى خطواته بدعوة كبار رجال الأعمال لمؤتمر صحفي ضخم أعلنه في مقر شركته، وبجانبه كان يجلس والد حور. مايا خالد
أمام الكاميرات والعيون المندهشة، وقع تيم على عقود شراكة جديدة، أعاد بموجبها كافة أصول شركة والد حور، بل وضخ فيها استثمارات جعلتها أقوى مما كانت عليه. وقف تيم وقال بنبرة مصرية واثقة:
”حابب أوضح للكل إن اللي حصل الفترة اللي فاتت كان سوء تفاهم كبير.. حور هانم مش بس شريكتي في الشغل، دي هي صاحبة الفضل في إن مجموعة الشافعي توصل للي هي فيه النهاردة. وأي حد فكر في لحظة إنه يقلل منها، فهو بيقلل مني أنا شخصياً.”
كانت حور تقف بعيداً، ترتدي فستاناً أسوداً غاية في الرقي، وتنتعل كعباً عالياً يقرع الرخام بقوة وثبات. لم تعد تلك الخادمة المنكسرة، بل عادت “الملكة” التي استردت عرشها، ولكن بقلب أكثر نضجاً وهدوءاً.
بعد المؤتمر، أقام تيم حفل عشاء خاص في نفس القاعة التي أهانها فيها سابقاً. وبدلاً من أن يتركها تخدم الضيوف، أمر بأن يُخصص لها المقعد الرئيسي على رأس الطاولة. اقترب منها تيم وسط ذهول الجميع، وانحنى أمامها برقية، ثم قدم لها علبة قطيفة صغيرة.
فتحها ليظهر خاتم من الماس النادر، وقال بصوت منخفض سمعه المقربون فقط:
”الناس دي كلها شافتني وأنا بحاول أكسرك.. وعايزهم كلهم يشوفوني وأنا بطلب منك تسمحي لي أكون ضلك. حور، أنا مش بس برجع لك مكانتك قدام الناس، أنا عايز أرجع مكاني في قلبك.. تقبلي تبدأي معايا بجد، بس المرة دي وإحنا واقفيين على أرض متساوية؟”
نظرت حور إلى وجوه الشامتين الذين أصبحوا الآن يتسابقون لنيل رضاها، ثم نظرت إلى تيم. رأت في عينيه الندم الحقيقي، والرغبة في التكفير عن كل لحظة ألم سببه لها. لم تجبه بالكلمات فوراً، بل مدت يدها ليضع الخاتم فيها، وقالت بلهجة مصرية فيها لمحة من غرورها القديم لكن الممزوج بالحب:
”المكانة رجعت يا تيم.. بس الثقة لسه محتاجة شغل كتير. الكعب ده مش هيدوس على موبايل تاني، بس لو فكرت توجعني لحظة، هيدوس على حاجات تانية كتير أنت عارفها.”
ضحك تيم من قلبه لأول مرة منذ سنوات، وقبل يدها أمام الجميع، معلناً نهاية عهد “الرومانسية السوداء” وبداية صفحة جديدة، حيث لم يعد الانتقام هو المحرك، بل الرغبة في الحفاظ على جوهرة كاد أن يضيعها بجهله.
واكتملت عودة حور ليس فقط كصاحبة شركة، بل كإنسانة استطاعت أن تروض الوحش الذي صنعته، وتجبره على أن يبني لها قصراً من الاعتذارات فوق أنقاض كبريائه هو.
بعد مرور عام، لم تعد الفيلا ذلك المكان الكئيب ذو الجدران الصامتة، بل دبت فيها الحياة من جديد. كانت حور تقف أمام المرآة، تضع لمسات أخيرة من زينتها، استعداداً لحفل سنوي تقيمه شركتهما المشتركة.
دخل تيم الغرفة، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تراجع خطوة للخلف وسند ظهره إلى الباب، يراقبها بنظرة لا تخلو من الإعجاب والامتنان. اقترب منها ببطء، ولف ذراعيه حول خصرها من الخلف، هامساً أمام انعكاس صورتها في المرآة:
”لسه برضه بتخطفي قلبي في كل مرة بتلبسي فيها الفستان ده.. كأنها أول مرة شوفتك فيها، بس المرة دي مفيش غل، فيه حب وبس.”
التفتت حور إليه، ورفعت يدها لتعدل رابطة عنقه، وقالت بابتسامة مصرية رقيقة:
”الحب ده هو اللي نضف سواد كتير كان في قلوبنا يا تيم.. لولا إنك تعبت عشان تثبت لي إنك اتغيرت، كان زماننا دلوقتي أغراب، أو أعداء بنحاول نكسر في بعض.”
أمسك تيم يدها وقبل باطنها بعمق، ثم قال بلهجة عامية دافئة:
”أنا اللي مدين ليكي بحياتي يا حور.. أنتي مش بس رجعتيلي كرامتي قدام نفسي، أنتي علمتيني إن القوة مش في الذل، القوة في إن الواحد يقدر يسامح وهو في قمة جبروته. وعشان كدة، أنا النهاردة محضر لك مفاجأة مش في الحفلة، مفاجأة لينا إحنا وبس.”
أخرج من جيب سترته علبة صغيرة، لكنها لم تكن تحتوي على مجوهرات. فتحتها حور لتجد بداخلها “مفتاحاً” قديماً مصدداً. نظرت إليه بتساؤل، فأجابها وعيناه تلمعان:
”ده مفتاح المخزن اللي بدأت فيه أول صفقة ليا.. المكان اللي كنت هخسره زمان بسبك. أنا اشتريت الأرض دي كلها وهبني عليها أكبر مستشفى خيري باسمك.. عشان كل ما حد يدخلها ويتعالج، يفتكر إن الحب قدر يبني اللي الكره هده.”
دمعت عينا حور، وارتمت في حضنه وهي تشعر أخيراً بالأمان الذي سُلب منها لسنوات. لم يعد هناك “تيم الحاقد” ولا “حور المغرورة”، بل كان هناك روحان انصهرا في بوتقة الألم ليخرجا ذهباً خالصاً.
في الحفلة، كانا يمشيان يداً بيد، يتحدثان مع الجميع بثقة وتواضع. وعندما تعمد أحد الحضور تذكيرهم بالماضي بكلمة عابرة، رد تيم وهو يضغط على يد حور بلطف:
”الماضي ده كان مدرسة يا فندم.. وإحنا اتعلمنا منها إن اللي بيكسر حاجة غالية، لازم يتعب أوي عشان يصلحها، والحمد لله.. حور صلحتني أنا شخصياً قبل أي حاجة تانية.”
ومع أنغام الموسيقى الهادئة، رقصا معاً، وكانت خطوات حور بالكعب العالي هذه المرة خفيفة كأنها تطير، لم تعد تشعر بثقل الندم ولا بمرارة الانتقام. فقد أدركت أن كعبها الذي كسر هاتفه يوماً، كان هو نفسه الذي قادها إلى قلب رجل لم يعرف كيف يحبها إلا بعد أن كاد يفقدها.
بعد مرور خمس سنوات، لم يعد الهدوء هو سيد الموقف في فيلا “تيم الشافعي”، بل ضحكات صقيرة كانت تملأ الأركان. كانت حور تجلس في الشرفة المطلة على الحديقة، تتابع بعينيها “تيم الصغير” وهو يركض خلف والده، بينما كانت تحمل بين يديها طفلتهما الصغيرة “ليلى”.
خرج تيم من الحديقة وهو يتصبب عرقاً، يحمل ابنه فوق كتفيه، وجلس بجانب حور وهو يلتقط أنفاسه. نظر إليها بطريقة لم تتغير طوال السنوات الماضية، نظرة تجمع بين العشق والتقدير.
”شوفتي ابنك يا حور؟ طالع شقي زيك بالظبط.. مبيسيبش حاجة في حالها، لسه كاسر لي ساعة المكتب دلوقتي وهو بيلعب.”
ضحكت حور وهي تمسح وجه تيم بمنديل ورقي، وقالت بلهجة مصرية تملؤها السعادة:
”طالع لي أنا برضه يا تيم؟ ما هو طالع لأبوه اللي مبيعرفش يرفض له طلب.. وبعدين إنت اللي علمتنا إن أي حاجة تتكسر ممكن تتصلح، ولا نسيت؟”
أمسك تيم يدها، ونظر إلى الخاتم الذي لا يزال يزين إصبعها، ثم قال بنبرة خفيضة وصادقة:
”منسيش يا حور.. أنا كل ما ببص في وشك بفتكر إن ربنا نجدني من نفسي ومن غلي. تصدقي، لولا اليوم اللي كسرتي فيه الموبايل ده، يمكن مكنتش بقيت الراجل اللي أنا عليه النهاردة.. الوجع هو اللي صنعنا.”
ردت حور وهي تسند رأسها على كتفه:
”والحب هو اللي قوانا يا تيم. أنا زمان كنت شايفة نفسي فوق الكل، وأنت كنت شايف إن الانتقام هو اللي هيرجع لك حقك.. بس في الآخر، ملقيناش حضن يطمنا غير حضن بعض.”
في تلك اللحظة، تعثر الصغير وهو يركض، فاندفع تيم نحوه بسرعة البرق، وحمله بحنان وهو يقبل رأسه. نظرت حور إليهما وابتسمت؛ فقد أصبح “الحوت” الشرس في السوق ألين أب في العالم، وأصبحت هي “المرأة الحديدية” في العمل، أرق زوجة في البيت.
أخذ تيم ابنه من يده واقترب من حور، ثم انحنى وقبّل جبينها وجبين طفلتهما الصغيرة، وقال بلهجة عامية دافئة:
”عارفة يا حور.. أنا النهاردة بس قدرت أقول إن الصفقة اللي ضاعت زمان كانت “أنجح” صفقة في حياتي.. عشان خسارتها هي اللي كسبتني أنتي.” مايا خالد
غربت الشمس وهما يجلسان معاً، يراقبان أطفالهما، مدركين أن الندوب التي تركتها “الرومانسية السوداء” في بدايتهما لم تكن إلا أوسمة فخر، تثبت أن الحب الحقيقي هو الذي ينجو من معارك الكبرياء، ليحيا في سلام الغفران.
تمت.

