صغيرتي بقلم مايا خالد 1

– الاتفاق انتهى… ومن اللحظة دي ليان مسؤوليتي.

أغلق الحقيبة، ودفعها باتجاه والدها.

نظر الأب إلى الأموال لثوانٍ، ثم أمسكها…

دون أن يتردد.

في تلك اللحظة…

شعرت ليان أن قلبها توقف عن النبض.

لم تصرخ…

ولم تبكِ…

اكتفت بالنظر إلى المشهد، وكأنها ترى والدها يبيعها بيديه.

تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تضع يدها فوق فمها حتى لا يسمع أحد شهقتها.

ومنذ ذلك اليوم…

اختفى والدها.

وفي صباح اليوم التالي، أخبرها الجميع أنه سافر إلى الخارج.

رحل…

وأخذ معه المال…

وتركها وحدها تواجه المصير الذي رسمه لها.

عادت ليان من ذكرياتها على صوت شهقة خرجت منها دون إرادة.

انسابت دموعها على وجنتيها وهي تهمس بمرارة:

– حتى أنت يا بابا… بعتني… ومشيت.

ثم نظرت نحو الباب المغلق، واشتعل الغضب في عينيها.

– يمكن دفعت تمني… لكن عمرك ما هتقدر تخليني أكون ملكك… يا قاسم.

مساءً ​طرقت إحدى الخادمات الباب بخفة
​دخلت وهي تحمل صينية الطعام:
– اتفضلي يا هانم… لازم تاكلي حاجة.
​لم تلتفت إليها ليان، وبصوت مبحوح من البكاء قالت:
– خديها.
​– يا هانم… لو عرف الباشا إن حضرتك ماكلتيش…
​التفتت إليها ليان بعينين حمراوين يملؤهما التحدي:
– قولي للباشا… إنه ياكله هو، مش عايزة.
​ارتبكت الخادمة، ثم حملت الصينية وخرجت مسرعة بخطوات مرتبكة.
​في الطابق السفلي…
​كان قاسم يجلس في مكتبه الفخم، يراجع بعض الملفات المهمة على مكتبه الخشبي.
​طرق محمود باب المكتب بخفة.
​– ادخل.
​اقترب الرجل في حذر، وبصوت متردد قال:
– الباشا… الهانم رفضت الفطار… والغدا… ولسه الخادمة راجعة بصينية العشا كمان.
​لم يرفع قاسم رأسه من الأوراق، وقال ببرود شديد لا يعكس ما يدور بداخله:
– سيبوها.

​أخفض محمود رأسه بسرعة وغادر فورًا.
​عاد الصمت الثقيل إلى المكتب.
​ظل قاسم يقلب أوراقه لدقائق طويلة، لكنه وجد نفسه يقرأ السطر نفسه للمرة الخامسة دون وعي. أغلق الملف بعصبية لم يعتدها من نفسه. وقف ببطء واتجه نحو النافذة الواسعة، لتستقر عيناه مباشرة على شرفة الجناح الشرقي.
​جناح ليان.
​همس لنفسه بصوت منخفض وخشن:
– عنادك هيكسرك يا ليان… مش أنا.

​في الوقت نفسه.. ​كانت ليان تمسح دموعها بعنف شديد، كأنها تحارب ضعفها، ثم وقفت فجأة على أقدام مرتعشة.
​– لا… أنا لو فضلت قاعدة هنا هموت بالحيا.
​بدأت تنظر حولها بعينين متوترتين تبحث عن مخرج. باب الغرفة مقفول بإحكام من الخارج، لكن الأمل لمع في عينيها حين وقعت نظرتها على شيء آخر.
​
​اتجهت إليها بسرعة، فتحت الباب الزجاجي وخرجت إلى الهواء الطل
​وقفت على حافة السور وهي تنظر لأسفل بارتفاع مرعب المسافة كانت كبيرة ومخيفة، لكن بجوار الشرفة مباشرة كانت توجد شجرة ضخمة، تمتد بعض فروعها السميكة قريبة جدًا من سور البلكونة.
​ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وقلبها يكاد ينفجر من الخوف.
​– ممكن… ممكن أقدر أنزل منها.
​وضعت قدمها فوق سور الشرفة، ورفعت الأخرى، مغمضة عينيها من شدة الرعب. وفي اللحظة التي مدت فيها يدها وأمسكت بأحد الفروع القوية…
​جاءها صوته من خلفها، هادئاً، مسترخياً، لكنه حمل بروداً جعل الدم يتجمد في عروقها ويوقف أنفاسها تماماً:
​– كملي يا ليان… أنا مستني أشوف هتقعي وتتكسري قبل ما أوصلك… ولا هالحقك أنا الأول؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *