روايات رولا1

حصري لصفحة روايات رولا
​”لو عايزة العيال، خديهم. هم أصلًا مكتفينّي ومأخريني.”
دي كانت الكلمات اللي رماها في وشي أيمن مراد بعد أقل من خمس دقايق من إعلان طلاقنا بشكل رسمي. عشر سنين جواز، وطفلين، وكل حاجة ضحيت بيها عشان عيلتنا انتهت بتوقيعه وجملة واحدة في منتهى القسوة. أيمن مكنش باين عليه إنه مكسور أو حزين وهو بيزق الورق بعيد عنه.. كان باين عليه إنه ارتاح ونفذ بجلده.
​المحامي بتاعنا، الأستاذ مدحت دانيال، كان لسه مخلص شرح شروط الحضانة والانتقال للمرة التالتة. أيمن تقريبًا مكنش بيسمع ولا فارق معاه، لأنه كان عمال يبص في تليفونه كل شوية، ومستعجل عشان يلحق يروح الناحية التانية من البلد لمركز خصوبة وطب أجنة خاص، حيث كانت خطيبته وصاحبته الجديدة اللي عندها 26 سنة، شيري، مستنياه هناك. هي كانت حامل، وأيمن كان بدأ خلاص يقول على البيبي ده إنه “وريثه الوحيد”، وكأن ابننا آدم اللي عنده تسع سنين مابقاش ليه وجود في الحياة أصلاً. بالنسبة له، الطلاق مابقاش مأساة؛ ده كان مجرد آخر عقبة واقفة بينه وبين حياته الجديدة اللي كان بيحلم بيها.
​الأستاذ مدحت فكّر أيمن بوضوح شديد إن الحضانة الرئيسية لآدم وليلى اللي عندها ست سنين هتكون معايا، وإن الاتفاقية بتسمح لي أنتقل وأسافر بيهم بره البلد. أيمن شاور بإيده باستهتار وقال إنه فاهم، ووقع من غير ما يقرأ الصفحات اللي قدامه صح. أخته نيفين شافت البند ده وشكلها اتوتر وما ارتاحتش، بس أيمن كان ملهوف ومشغول وممشيفش حاجة. أول ما حط التوقيع الأخير، رمى القلم وابتسم.
​”أنتِ كنتِ عايزة العيال، خذيهم يلا،” قالها لي. وبعدين سند ظهره لورا وأضاف: “هم أصلًا مكتفينّي ومأخريني.”
من كام شهر، الكلمات دي كانت ممكن تدمرني وتكسرني، بس الصبح ده عملت حاجة مختلفة تمامًا. أقنعتني أخيرًا إن الانتظار لحد ما أيمن يفتكر إن عياله دول ليهم قيمة عنده خلاص انتهى للأبد.
​مديت إيدي جوة شنطتي وطلعت جريبين سفر لونهما أزرق وحطيتهم على طرابيزة الاجتماعات. ابتسامة أيمن اختفت في ثانية، ونيفين بصت للجوازات وكأني حطيت سلاح متلقم بيننا على الطرابيزة.
“إيه ده؟” أيمن سأل بغضب وشك، وأنا قلت له بهدوء إن دول جوازات سفر آدم وليلى. وبعدين قلت له: “طيارتنا لـ سياتل فاضل عليها أربع ساعات.”
​ولأول مرة الصبح ده، أيمن يديني انتباهه الكامل. نيفين قامت من مكانها بصرخة وقالت إن مستحيل أخد العيال وأمشي، في حين إن أيمن مسك الاتفاقية اللي كان لسه موقعها من دقايق وبدأ يقرأها صح ولأول مرة. لما زق وقال عاوز يعرف إحنا رايحين فين، قلت له إن سياتل دي مجرد محطتنا الأولى قبل ما نطلع على فانكوفر في كندا. الأستاذ مدحت فكّره بهدوء إن بند الانتقال الدولي ده اتدشمل واتشرح له تلات مرات منفصلة.
​أيمن اتهمني إني خدعته وضحكت عليه، بس مفيش كلمة واحدة كانت مستخبية. هو مجرد افترض إني عمري ما هملك الشجاعة إني أسيب القاهرة، وعمري ما هقدر أبني حياة من غيره، وعمري ما هغتنِم فرصة الاتفاقية اللي هو كان متكبر ومغرور لدرجة إنه مأراهاش. في الوقت اللي هو قضى فيه شهور بيخطط لبيت جديد مع شيري، أنا كنت بالسكوت وبمنتهى الهدوء برتب السكن، والمدرسة، وأوراق السفر، والشغل عشان آدم وليلى يعيشوا في استقرار. أيمن افتكر إن سكاتي ده قلة حيلة وعجز.
​لما فتحت باب أوضة الاجتماعات، كان آدم وليلى مستنيين في صالة الانتظار بره. ليلة كانت نامت وحاطة رأسها على كتف آدم، في حين إن ابني كان بيبص على وشي بنظرة الحذر والترقب اللي عند الأطفال اللي اتعلموا بدري أوي أكتر من اللازم عن خذلان الكبار. أيمن مشي ورايا ونادى على اسم آدم، بس بدال ما يعتذر له أو يطلب يحضنه عشان يودعه، بص لي أنا مباشرة وقال: “الموضوع ده مخلصش.”
​آدم نزل عينه في الأرض، والحركة الصغيرة دي وجعتني أكتر من تهديد أيمن نفسه. جوة الأسانسير، ابني عصر إيدي وسمعته بيسأل بصوت واطي: “ماما.. إحنا بقين كويسين دلوقتي، صح؟” وعدته إننا كويسين، رغم إن حنجرتي اتخنقت وأنا بقولها. أنا قضيت شهور وأنا بلتمس الأعذار لـ أيمن، بس مابقاش ينفع أحمي عيالي وأنا بدعي إن اختيارات أبوهوم مابتوجعهمش.
​بره، كانت عربية دفع رباعي سودا مستنيانا على الرصيف، والسواق سلمني ظرف مقفول قبل ما يشيل شنطنا. الأستاذ مدحت كان كاتب على الظرف من بره: لـ سارة فقط — يتفتح بعد الانتهاء من التوقيعات تمامًا. ساعدت آدم وليلى يدخلوا في الكنبة الوراانية، وبعدين كسرت الختم في الوقت اللي كانت فيه وسط البلد في القاهرة بتختفي من ورايا. أول صفحة خلت معدتي تتقلب وترتبك.
​جوة الظرف كان في كشوفات حسابات بنكية، وحوالات، وأوراق ملكيات، وصور، واتفاقيات أنا عمري ما شفتها قبل كده. أيمن قضى شهور وهو بيدّعي إن شركته بتعافر وبتخسر، وبيحاسبني على مصاريف الأكل والشرب، ويشتكي من مصاريف المدارس، وبيقولي إننا مش قادرين ندفع مصاريف النادي والنشاط الصيفي لآدم. ومع ذلك، كان في مبالغ ضخمة بتتسحب بالراحة وبمنتهى الهدوء من حسابات فاتحينها ومجمعينها خلال سنوات جوازنا. الفلوس دي متبخرتش عشان الشغل كان وحش—دي اتصرفت عشان تتسند وتتبنى بيها حياة أيمن الجديدة مع شيري.
​كان في صور ليهم في مطاعم غالية، وفواتير مجوهرات وعربية فارهة، وأوراق متعلقة بشقة دوبلكس بـ 2.8 مليون دولار بتطل على نيل القاهرة. المقدم مدفوع من فلوس أيمن كان حلف لي إنها مابقيتش موجودة ولا تحت إيدنا. افتكرت خناقه معايا على بضعة آلاف عشان ابننا في الوقت اللي كان بيصرف فيه بالهبل والملايين على شيري. غضبي بقى عميق لدرجة إنه تحول لبرود تام.
​بعدين لقيت كذا إيصال دفع لمركز استشارات تناسلية وجينات خاص. وكان في استمارة ملحقة بإيصال فيهم مكتوب عليها: تحليل علاقة ونسب الجنين قبل الولادة (تحليل دي إن إيه)، وموقعة من شيري وأيمن مع بعض. الورق مكنش فيه نتيجة، كان فيه مجرد معاد متححدد الساعة 2:30 بعد الضهر—نفس المركز اللي أيمن كان جريان ورايح له بعد طلاقنا مباشرة. بصيت في ساعتي ولقيتها 2:26.
​رسالة من الأستاذ مدحت وصلت على تليفوني في نفس اللحظة: هم لسه داخلين المركز حالا. كل حاجة على وشك تبتدي. أوعي تقفلي تليفونك لحد ما طيارتك تقلع.
فجأة افتكرت لما سمعت شيري بالصدفة بتواجه أيمن من أسابيع، وبتسأله ليه بيجبرها تعمل التحليل ده لو هو فعلاً بيثق فيها.
​أيمن كان رد عليها بصوت واطي: “عشان محتاج أكون متأكد 100%.” وقتها، افترضت إن الخناقة كانت ليها علاقة بصحة البيبي، بس دلوقتي فهمت إنه كان طالب تحليل دي إن إيه لجنين عشان يتأكد من الأبوة. هو كان عمال يتباهى قدام الناس إن شيري شايلة ابنه، في حين إنه في السر كان بيطالب بدليل يثبت إن الطفل ده ابنه فعلاً. وفي خلال دقايق، الدكتور هيديه التأكيد واليقين اللي كان طالبه.
​في الناحية التانية من القاهرة، أيمن كان داخل المركز ده وهو فاكر إنه خلاص كسب كل حاجة وانتصر. فاكر إنه هرب من جوازة كانت مخنقاه ومكتفاه، وأمن بيت جديد وفخم، وبدل مسؤوليات عيلته القديمة بعيلة جديدة ومثالية. مكنش عنده أدنى فكرة إن معايا الدليل على الفلوس اللي كان مخبيها، وأنا كمان مكنتش لسه اعرف المعمل وصل لإيه واكتشف إيه. وبعدها الأستاذ مدحت بعت رسالة أخيرية: مهما حصل هناك، افتكري ده كويس—أنتِ مالكيش ذنب في اللي هيحصل. هم اللي عملوا ده في نفسهم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *