بعد ست سنين من الجواز من غير ما نخلف، جوزي سابني، وقطع عني كل فلوس ومصاريف، وخلاني تقريبًا من غير أي حاجة. وبعدين، الراجل الهادي اللي كان ساكن قصادنا، واللي كل أهل المنطقة كانوا عارفينه باعتباره مأمور سابق اعتزل الشغل، عرض عليّا حاجة عمري ما كنت أتخيلها. بعد ست شهور بس، كنت حامل في توأم، وبقيت بتابع مع دكاترة من أشهر وأشطر الأطباء في مصر. بس اللي خلّى جوزي السابق وشه يصفر من الصدمة بجد، كان لما عرف الحقيقة عن المأمور الوحيد اللي ساكن قصادنا. الجزء الأول الليلة اللي جوزي ياسر قرر ينهي جوازنا، حط تقارير علاجي وملف الخصوبة بتاعي قدامي على ترابيزة السفرة، كأنه بيحط أدلة اتهام ضدي. وبعدين ابتسم. وقال بمنتهى البرود سلمى حامل. شد أساور بدلته الغالية، البدلة اللي أنا كنت ساعدته يجيبها، وبصلي وهو بيكمل أهو كده عرفنا مين اللي كان فيه المشكلة. في اللحظة دي، حسيت إن نفسي اتقطع. ست سنين كاملة وأنا بجرب كل حاجة ممكنة. حقن، عمليات، تحاليل، دكاترة، جلسات علاج، ومواعيد مالهاش آخر. وكل مرة كان بيحصل أمل صغير... وبعدين ينهار. كنت برجع البيت مکسورة من جوايا، وبدل ما ألاقي حضڼ يهون عليّا، كنت ألاقي حماتي بتفكرني كل شوية الست اللي عايزة تحافظ على بيتها، لازم تخلف لجوزها. إحنا نفسنا نشوف عيال ابننا قبل ما ڼموت. ما هو الجواز مش أكل وشرب يا بنتي. ياسر عمره ما كان بيقول الكلام ده قدامي. بالعكس. كان طول الوقت عامل نفسه واقف في ضهري. كان يمسك إيدي وأنا قاعدة في عيادات الخصوبة. وكان يحضني بعد كل نتيجة تحاليل وحشة. وكان كل مرة يقوللي ماتخافيش... إحنا الاتنين في المركب دي. وكان يوعدني إن مهما حصل، هنفضل سوا. طلع كل ده كلام وخلاص. أول ما مساعدته سلمى قالت له إنها حامل، كل الوعود دي اختفت كأنها ما كانتش موجودة أصلًا. قبل الفجر، كان ياسر سحب كل الفلوس اللي في حسابنا المشترك. وبعدها ألغى التأمين الصحي بتاعي. ولما كنت في الشغل، كان موكّل حد يغيّر كالون الشقة. حتى العربية خدها، بحجة إنها متسجلة باسم شركته. ولما رجعت البيت، لقيت نفسي واقفة قدام باب شقتي... ومفتاحي مبقاش بيفتحه. والأصعب من كده؟ إن ياسر كان واقف على السلم مستنيني. بصلي ببرود وقال هتدبري نفسك. وبعدين ابتسم ابتسامة مستفزة إنتِ أصلًا متعودة تبقي لوحدك. ما رديتش. مكنتش قادرة حتى أطلع صوت. كنت واقفة بشنطتي، هدومي في إيدي، ومش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه. لكن كان فيه حد تاني شاف كل اللي حصل. الراجل اللي ساكن قصادنا. جمال بلاك. كل أهل الحي كانوا عارفينه باسم المأمور جمال، رغم إنه بقاله سنين سايب الخدمة. كان عايش لوحده في بيت قديم على أطراف البلد، مع كلبه العجوز. مابيختلطش بحد. مابيحبش الكلام. ومابيخرجش غير للضرورة. كان راجل طويل، شعره بدأ يشيب عند الصدغين، وملامحه دايمًا هادية لدرجة إن ناس كتير كانت تفتكره راجل بسيط ومش بتاع مشاكل. بس محدش كان يعرف حكايته كاملة. بعد ما ياسر ركب عربيته ومشي، جمال عدّى الشارع وجالي. وقف قدامي وقال بهدوء عندك مكان تروحي له الليلة؟ بلعت غصة في حلقي وقلت هروح أي أوتيل وخلاص. هز راسه. لأ. بصيت له باستغراب. قال تعالي بيتي. اټصدمت. لا طبعًا... أنا مش محتاجة شفقة. بصلي بثبات وقال كويس. سكت لحظة، وبعدين كمل لأني مش بعرض عليكي شفقة. مش عارفة ليه، بس كلامه خلاني أسكت. بعد حوالي عشر دقايق، كنت قاعدة في مطبخ بيته. جمال حط قدامي تلات حاجات على الترابيزة. مفتاح احتياطي للبيت. ورقة عليها اسم ورقم محامي أحوال شخصية معروف. ومظروف مقفول، مكتوب عليه اسم دكتورة متخصصة في علاج تأخر الإنجاب في القاهرة. بصيت للحاجات قدامي، وبعدين رفعت عيني له. إيه ده؟ رد بهدوء كل اللي محتاجاه عشان تبدأي تحمي نفسك. فتحت المظروف. جواه كان فيه تأكيد لمعاد كشف عند موقع أيام نيوز واحدة من أشهر دكاترة علاج تأخر الإنجاب. المعاد كان متحدد بالفعل. والكشف مدفوع. بصيت له وأنا مش فاهمة. إنت عملت كل ده ليه؟ جمال ما اترددش. قال عشان جوزك كدب عليكي. الكلمة نزلت عليّا زي القلم. كدب عليّا في إيه؟ مد إيده وطلع ورقة تانية. تقرير طبي مصور. حطّه قدامي. بصيت عليه. ولما قريت الاسم اللي فوق، قلبي دق بسرعة. كان اسم ياسر. حركت عيني لتحت، لحد ما وصلت لخلاصة التقرير. وهنا إيدي بدأت تترعش. التقرير كان بيقول إن عنده مشكلة شديدة في الخصوبة. وإن فرص حدوث حمل طبيعي عنده كانت ضعيفة جدًا. فضلت أبص للورقة وأنا مش قادرة أستوعب. يعني إيه؟ يعني طول الست سنين اللي فاتوا... أنا كنت فاكرة إن العيب فيا. أنا اللي كنت بروح للدكاترة. أنا اللي كنت باخد الحقن. أنا اللي دخلت عمليات. أنا اللي كنت كل شهر أعيش على أمل إن المرة دي يحصل حمل. أنا اللي كنت بسمع كلام حماتي وأسكت. أنا اللي كنت حاسة إني فشلت كست. بينما الحقيقة كانت... إن المشكلة مكانتش فيا أصلًا. رفعت عيني لجمال. إنت جبت التقرير ده منين؟ ملامحه اتغيرت. صوته فضل هادي، لكن لأول مرة حسيت إن الراجل اللي قدامي مش مجرد جاري الهادي. قال التقرير الأصلي اختفى. اتجمدت. اختفى إزاي؟ جوزك كان متفق مع حد جوه مركز الخصوبة عشان التقرير ده ما يظهرش. حسيت بمعدتي بتتقلب. إنت عرفت الكلام ده إزاي؟ سكت لحظة. وبعدين قال لأن الشخص اللي ساعده في الموضوع ده كان داخل في قضية قديمة أنا كنت بشتغل عليها. فضلت أبص له. إنت كنت بتدور وراه؟ جمال رفع عينه ليا. ولأول مرة، شفت في نظرته حاجة مختلفة. حاجة خلتني أحس إن الراجل ده شايل سنين من الأسرار. قال بهدوء أنا زمان كنت بفتش ورا ناس كتير. سكت. وبعدين بصيت تاني للتقرير اللي في إيدي. في اللحظة دي بالذات، حياتي كلها اتغيرت. ياسر كان فاكر إنه لما يرميني بره بيتي، ويسحب فلوسي، ويقطع عني كل حاجة، هيكون خلص مني. كان فاكر إنه ساب واحدة مکسورة، معندهاش فلوس، ولا بيت، ولا حتى القدرة إنها تدافع عن نفسها. بس هو كان غلطان في حاجة واحدة. غلط غلطة عمره. هو ماكانش يعرف الراجل اللي ساكن قصادنا. وماكانش يعرف إن جمال بلاك، اللي طول عمره عامل نفسه راجل عادي وعايش في حاله، كان مخبي حاجات كتير. والأسوأ بالنسبة لياسر... إنه كان سايب وراه دليل. دليل ممكن يقلب حياته كلها. أنا لسه ما كنتش عارفة جمال عارف عن ياسر قد إيه. ولسه ما كنتش فاهمة هو دخل في الموضوع ده ليه من الأساس. لكن لأول مرة من ساعة ما جوازي انهار، ما بقيتش بسأل نفسي هعيش إزاي؟ بدأت أسأل سؤال أخطر ياسر مخبي عني إيه تاني؟ والسؤال الأكبر... مين هو جمال بلاك فعلًا؟ فضلت ماسكة التقرير بإيدي، وأنا حاسة إن الورقة دي أتقل من جبل. رفعت عيني لجمال. إنت كنت عارف إن ياسر عنده المشكلة دي من إمتى؟ ما ردش فورًا. راح ناحية الشباك، وبص للشارع اللي كان لسه ساكت، وبعد ثواني قال من قبل ما تتجوزيه. حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي. إيه؟ لف ناحيتي. كنت أعرف إن فيه حاجة غلط في ملفه الطبي من حوالي سبع سنين. ضحكت ضحكة قصيرة، مش من الفرحة... من الصدمة. سبع سنين؟ يعني قبل جوازي بياسر بسنة؟ هز راسه. آه. وإنت كنت تعرف... وساكت؟ لأول مرة، ملامحه اتكسرت. لأني ما كنتش أعرفك. سكت. وبعدين كمل وأنا ما كنتش أقدر أتهم راجل بحاجة من غير دليل. قربت منه. بس دلوقتي عندك دليل. عندي أكتر من دليل. الكلمة دي خلت قلبي يقف. يعني إيه؟ جمال مد إيده ناحية درج صغير، وطلّع فلاشة سوداء. حطها قدامي. ده كل اللي قدرت أوصله. بصيت للفلاشة. إيه اللي عليها؟ حسابات. حسابات إيه؟ فلوس اتدفعت لموظفين في مركز الخصوبة. اتسمرت مكاني. ياسر؟ ياسر، وشخص تاني. مين؟ سكت. جمال... مين؟ بصلي وقال المساعد بتاعه. وقفت فجأة. سلمى؟ هز راسه. أيوه. قلبي ضړب پعنف. سلمى. البنت اللي قال لي إن العلاقة بينهم مجرد شغل. البنت اللي كنت بشوف اسمها على موبايله كتير، وكل مرة كان يقولي دي سكرتيرتي، بلاش أوهام. البنت اللي من كام ساعة بس كان بيقول إنها حامل. رجعت قعدت. إنت عايز تقول لي إن حملها... جمال قاطعني أنا مش بقول أي حاجة قبل ما يكون عندي دليل. سكت لحظة. ثم قال بس فيه حاجة لازم تعرفيها. إيه؟ سلمى مش حامل من ياسر. رفعت عيني له بسرعة. أمال من مين؟ دي أول حلقة في سلسلة أكبر. كنت عايزة أصرخ فيه قول! لكن حاجة في هدوءه خلتني أستنى. فتح اللابتوب. وقال بكرة الصبح عندك معاد مع دكتورة مريم. أنا مش رايحة. هتروحي. ليه؟ لأنك طول ست سنين كنت بتعالجي نفسك من مشكلة ما كانتش مشكلتك. سكت. ولأن فيه احتمال كبير إن جسمك ما كانش فيه أي مشكلة أصلًا. الكلمة دي كانت أقوى من كل اللي سمعته الليلة. تاني يوم الصبح، دخلت عيادة الدكتورة مريم وأنا شبه فاقدة الإحساس. عملت تحاليل. أشعات. فحوصات. قضيت ساعات وأنا مستنية. ولما الدكتورة دخلت، كانت ماسكة الملف ووشها غريب. قعدت قدامي. وقالت سلمى، أنا عايزة أسألك سؤال. اتفضلي. مين قال لك إن مخزون المبيض عندك ضعيف؟ الدكتور اللي كنت بتابع معاه. ومين قال إن عندك مشكلة في التبويض؟ ذكرت لها اسم الطبيب. بصت للملف تاني. التقارير دي كلها فيها حاجة غريبة. قلبي بدأ يدق. إيه؟ التحاليل الأصلية مش موجودة. يعني إيه؟ فيه نسخ مطبوعة، لكن مفيش نتيجة أصلية واحدة. حسيت ببرودة في أطرافي. الدكتورة قربت الملف مني. أنا عملت لك التحاليل بنفسي. سكتت لحظة. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. ومخزون المبيض عندك ممتاز بالنسبة لسنك. بصيت لها. يعني إيه؟ يعني مفيش سبب طبي واضح يفسر إنك ما حملتيش خلال الست سنين. بدأت أعيط. مش عشان الخبر وحش. لكن عشان فجأة كل الۏجع اللي عشته بقى له معنى. كل الحقن. كل العمليات. كل الليالي اللي كنت بعيط فيها لوحدي. كل مرة حماتي كانت تقول أنتِ ناقصة. يمكن ما كنتش ناقصة. يمكن حد كان بيكسرني عمدًا. الدكتورة مدت لي منديل. بس فيه حاجة تانية. مسحت دموعي. إيه؟ ممكن جدًا تحملي. ضحكت وسط دموعي. بعد ست سنين؟ آه. طبيعي؟ أو بمساعدة بسيطة جدًا. سكتت. وبعدين قالت لكن قبل ما نبدأ أي علاج، أنا عايزة أعرف مين كان بيعالجك قبل كده. كتبت لها الاسم. وفجأة وشها اتغير. إنتِ تعرفي الدكتور ده؟ أيوه. أنا أعرف اسمه. منين؟ بصت في الملف. كان اسمه موجود في تحقيق قديم عن التلاعب بملفات مرضى الخصوبة. قلبي اتجمد. جمال. التحقيق القديم. الفلاشة. ياسر. كل القطع بدأت تركب. رجعت بيت جمال بعد الظهر. كان واقف في الحديقة بيطعم الكلب. أول ما شافني، عرف من وشي إن فيه حاجة حصلت. قالت لك إيه؟ قلت إني مش مريضة. وقف. ما ابتسمش. ما قالش كنت عارف. بس قال كنت متوقع. قربت منه. إنت كنت عارف إن التقارير مزورة. أيوه. ليه ما قلتليش من أول يوم؟ لأن لو قلتلك من غير ما أقدر أحميك، كنت هتروحي تواجهينه. وأنا كنت هواجهه. وعشان كده بالضبط ما قلتلكش. سكت. ثم أضاف ياسر مش لوحده. عارفة. لأ، إنتِ مش فاهمة. رفع عيني لي. ياسر جزء من شبكة. سكت. شبكة بتكسب ملايين من ستات فاكرة إن جسمها هو المشكلة. حسيت بقشعريرة. إزاي؟ بيغيروا نتائج التحاليل. وبعدين؟ يخلو الست تدخل في علاج طويل ومكلف. والفلوس؟ بتروح لشركات ومراكز مرتبطة بيهم. حطيت إيدي على فمي. وياسر؟ كان بياخد نسبة. سكت. ثم قال بس فيه حاجة أنا لسه مش فاهمها. إيه؟ ليه استعجل يسيبك دلوقتي؟ فكرت. عشان سلمى حامل. جمال هز راسه. أنا مش مقتنع. ليه؟ لأن توقيت الحمل غريب. يعني؟ لأن ياسر كان بيحضر للطلاق من شهور. إيه؟ وكان بيحول فلوس بره البلد. اتسمرت. قد إيه؟ مبلغ كبير. ليه؟ بصلي. مش عارف. سكت لحظة. ثم قال لكن عندي شك. إيه؟ إنه كان ناوي يهرب. بعد أسبوعين، بدأت الإجراءات القانونية. المحامي اللي جمال رشحه لي كان مختلف عن أي محامي قابلته قبل كده. ما كانش بيزعق. ما كانش بيخوفني. كان هادي. لكن أول ما شاف الملفات قال إحنا مش هنرفع قضية طلاق وبس. بصيت له. أمال إيه؟ هنفتح ملف تزوير طبي واحتيال مالي. لأول مرة حسيت إن ياسر ممكن ېخاف. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن ياسر كان أسرع. في يوم وأنا خارجة من العيادة، لقيته مستنيني. واقف جنب عربيته. أول ما شافني، ابتسم. شكلك بقيتي عايشة كويس من غيري. ما رديتش. قرب مني. جمال هو اللي بيصرف عليكِ؟ بصيت له باستغراب. ملكش دعوة. ضحك. إنتِ فاكرة إنك فاهمة اللي بيحصل؟ أكتر منك. ضحك مرة تانية. لكن قبل ما يمشي، قال اسألي جمال عن سبب خروجه من الخدمة. جسمي كله اتجمد. إنت تعرف جمال؟ لف لي. أنا أعرف عنه أكتر مما تتخيلي. وبعدين مشي. رجعت بيت جمال وأنا مش قادرة أفكر. دخلت. لقيته قاعد في الصالة. قلت له إنت خرجت من الخدمة ليه؟ سكت. ياسر قال لي أسألك. جمال رفع عينه لي. وبهدوء شديد قال كان لازم في يوم من الأيام تعرفي. قام. فتح دولاب قديم. وطلع ملف بني. حطه قدامي. فتحت الملف. أول صورة كانت لجمال. لكن مش جمال اللي أعرفه. كان أصغر. لابس بدلة رسمية. وعلى صدره رتبة. قلبت الصورة. وكان مكتوب خلفها جمال بلاك رئيس وحدة التحقيقات الخاصة في قضايا الفساد الطبي والمالي. بصيت له. إنت ما كنتش مأمور عادي. لأ. إنت كنت بتحقق في قضايا كبيرة. آه. ليه سبت الخدمة؟ صوته اتغير. عشان آخر قضية. إيه اللي حصل فيها؟ سكت طويلًا. ثم قال القضية اللي كنت بحقق فيها... كانت مرتبطة بنفس الشبكة اللي ياسر داخل فيها. حبست نفسي. يعني إنت كنت بتراقب ياسر من قبل ما أعرفه؟ مش ياسر تحديدًا. أمال مين؟ بصلي. أبوه. اتسمرت. أبو ياسر؟ أيوه. فتح صفحة تانية. كان فيها اسم والد ياسر. وتحته مجموعة تحويلات مالية. ثم أسماء أطباء. ومراكز. وشركات. وبين كل ده... اسم واحد تكرر عشرات المرات. شركة بلاك للاستثمار الطبي. بصيت لجمال. دي شركتك؟ ما ردش. جمال... دي شركتك؟ قال كانت. يعني إيه كانت؟ بعد ما اكتشفت إن فيه ناس من جوه الجهاز نفسه بتساعدهم، خرجت من كل حاجة. وقفت. استنى. بصيت للاسم. يعني إنت كنت شريك في مركز علاج الخصوبة؟ استثمارات فقط. وكنت عارف الشبكة؟ عرفتها بعد ما دخلت فيها. وإنت ساعدتني ليه؟ سكت. وبعدين قال لأنك كنت واحدة من ضحاياهم. بس ليه أنا بالذات؟ هنا جمال ما ردش. ولأول مرة، شفت الخۏف في عينيه. قلت إنت مخبي حاجة تانية. سكت. قول. قال بصوت منخفض أبوكِ كان يعرفني. اتجمدت. أبويا؟ أيوه. إزاي؟ كان شريكي في التحقيق الأخير. وقعت على الكرسي. أبويا ماټ من سبع سنين. قبل جوازي من ياسر بشهور. جمال قال أبوكِ ما ماتش من حاډث عادي. رفعت عيني له. إيه؟ الحاډث اتقفل على إنه قضاء وقدر. سكت. بس أنا ما صدقتش. بعدها بأيام، حصلت المفاجأة اللي محدش كان يتوقعها. كنت في عيادة الدكتورة مريم. عملنا متابعة جديدة. كانت الدكتورة بتبص للشاشة. وفجأة سكتت. قلت فيه إيه؟ ابتسمت. مبروك. ضحكت. إيه؟ قالت فيه حمل. حطيت إيدي على بوقي. مستحيل. مش بس حمل. لفت الشاشة ناحيتي. توأم. بدأت أعيط. مش عارفة أضحك ولا أعيط. اتصلت بجمال. أول ما سمع صوتي، قال حصل إيه؟ قلت وأنا ببكي أنا حامل. سكت. جمال؟ قال بصوت مخڼوق مبروك يا سلمى. توأم. لأول مرة من يوم ما عرفته... سمعته يضحك. ضحكة صغيرة. حقيقية. لكن فرحتي ما كملتش. لأن بعد ساعات، وصلني ظرف مجهول. فتحته. كان جواه صورة أشعة الحمل. وصورة ليا وأنا خارجة من العيادة. وورقة واحدة مكتوب عليها التوأم مش المشكلة... المشكلة مين أبوهم. حسيت الډم نشف في عروقي. اتصلت بجمال فورًا. أول ما شاف الصورة، وشه اتغير. مين بعت ده؟ مش عارفة. قلب الورقة. كان فيه رقم مكتوب خلفها. بص له. وقال ده رقم قديم. لمَن؟ رفع عينه لي. لشخص كان المفروض يكون ماټ من سبع سنين. في الليلة دي، جمال ما نامش. وأنا لأول مرة بدأت أخاف مش على نفسي. خفت على الطفلين. بعد أسبوع، كنت في البيت، لما عربية سوداء وقفت قدام الباب. نزل منها راجل في الخمسينات. دخل من غير ما يخبط. جمال خرج من مكتبه. وأول ما شافه... وقف مكانه. الرجل ابتسم. وقال لسه فاكرني يا جمال؟ جمال قال إنت ماټ. ضحك الرجل. دي كانت الخطة. أنا كنت واقفة بعيد. ما فهمتش حاجة. الرجل بصلي. وقال إنتِ سلمى؟ أيوه. ابتسم. يبقى أبوكِ كان عنده حق. جمال اندفع ناحيته. اطلع بره. لكن الرجل قال جملة واحدة خلت جمال يتجمد لو أنا طلعت، ياسر ھيموت. سكت الجميع. ثم أضاف لأن ياسر مش مجرد نصاب. بص لي مباشرة. ياسر كان بيشتغل مع أبوكِ. قلبي توقف. إيه؟ الرجل حط ملف على الترابيزة. أبوكِ اكتشف الحقيقة. فتح الملف. وكانت فيه صورة قديمة. أنا. أبويا. وياسر. في نفس المكان. لكن الصورة كانت متصورة قبل ما أعرف ياسر أصلًا. صړخت دي إمتى؟! جمال قال قبل جوازك بسنتين. بصيت للصورة. وبعدين لياسر اللي فيها. كان واقف جنب أبويا. وإيده على كتفه. يعني... ياسر ما دخلش حياتي بالصدفة. كان يعرف عيلتي قبل ما أعرفه. وكان فيه سبب محدد جدًا لاختياره لي. الرجل الغريب قال أبوكِ ما كانش بيحقق في قضية طبية. سكت. كان بيحقق في سر أكبر. إيه هو؟ بص لجمال. ثم قال الأطفال. حسيت بقشعريرة. الأطفال؟ هز راسه. فيه سجلات أطفال اتغيرت. مش فاهمة. مواليد اتبدلت. ليه؟ عشان فلوس. سكت. ثم نظر إلى بطني. وعشان بعض الأطفال كانوا مطلوبين من ناس أقوى من أي حد تتخيليه. جمال شد الملف من إيده. إنت جاي بعد سبع سنين عشان تقول لنا ده؟ الرجل رد لأ. ابتسم ابتسامة باردة. أنا جاي عشان أقول لكم إن سلمى مش أول ضحېة. بص لي. هي آخر واحدة. بعد يومين، حصل شيء ما كنتش متوقعاه. ياسر اتصل بيا. صوته كان مختلف. ما كانش مغرور. ولا بارد. كان مړعوپ. قال سلمى... لازم أشوفك. مش عايزة أشوفك. لو ما قابلتينيش، هتندمي. تهددني؟ لأ. سكت. ثم قال بحذرك. من إيه؟ صوته انخفض من جمال. قفلت المكالمة. لكن بعدها بدقيقة وصلتني رسالة. صورة. كانت صورة جمال وهو شاب. واقف قدام مكان مجهول. وبجانبه... أبويا. وخلفهم سيارة محترقة. وتحت الصورة رسالة اسألي جمال مين كان جوه العربية. رفعت عيني. جمال كان واقف قدامي. ناولته الموبايل. قرأ الرسالة. وسكت. قلت مين كان جوه العربية؟ ما ردش. جمال. فضل ساكت. ثم قال أخوكِ. اتجمدت. أنا ما عنديش أخ. قال كان عندك. قلبي انقبض. كان عندي؟ أبوكِ ما قالكش. ليه؟ جمال بصلي بنظرة ما نسيتهاش طول عمري. وقال لأن أخوكِ ماټ... أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه. وفي الليلة نفسها... سمعت صوت من قدام البيت. خرجت للشرفة. لقيت راجل واقف في الضلمة. طويل. لابس جاكت أسود. بص لي. وبعدين رفع إيده. وفي إيده صورة قديمة ليا وأنا طفلة. قال من بعيد سلمى. أنا ما قدرتش أتحرك. قال أنا مش جاي أأذيك. قرب خطوة. أنا جاي آخد حقي. ثم أضاف أنا أخوكي. وراءه مباشرة... وقفت عربية ياسر. الباب اتفتح. ونزل ياسر. لكن بدل ما يبص لأخويا... بص لي أنا. وبصوت مرتجف قال سلمى... لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تولدي. ثم نظر إلى جمال. وقال لأن التوأم اللي في بطنها... وسكت. واحد منهم ممكن يكون مفتاح القضية كلها. وفي اللحظة دي فهمت إن قصة جوازي من ياسر... ما كانتش قصة جواز فاشل. كانت قصة مؤامرة بدأت قبل ما أقابله بسنين. وأنا... كنت آخر قطعة فيها. وقفت قدام ياسر وأنا حاطة إيدي على بطني. كمّل. بلع ريقه. التوأم اللي في بطنك... واحد منهم ممكن يكون مفتاح القضية كلها. جمال قرب منه. كفاية. لكن ياسر هز رأسه. لأ. خلاص. كل حاجة انتهت. بصيت له. إنت خاېف. ضحك ضحكة مکسورة. أنا مش خاېف على نفسي. بص لأخويا اللي كان واقف بعيد. أنا خاېف منهم. سألته مين؟ الناس اللي كانوا أكبر مني. جمال قال الناس اللي أنت اشتغلت معاهم. ياسر سكت. ثم قال أبوكِ اكتشف إن فيه شبكة بتتلاعب بملفات الخصوبة وملفات المواليد. بص لي. لكن الموضوع ما كانش مجرد فلوس. أمال إيه؟ كانوا بيغيروا بيانات أطفال حديثي الولادة، وبيبيعوا معلوماتهم لأشخاص عندهم نفوذ وفلوس. حسيت ببرودة في جسمي. وأبويا؟ أبوكِ اكتشف كل ده. جمال أغمض عينيه للحظة. وكان لازم يسكتوه. قلت يعني حاډث العربية... جمال هز رأسه. ما كانش حاډث. سكت المكان كله. ثم ظهر الرجل الذي قال إنه أخويا. قال أنا كنت في العربية. بصيت له. إنت؟ أيوه. إزاي عشت؟ جمال هو اللي أنقذني. بصيت لجمال. ليه ما قلتليش؟ قال بصوت منخفض لأن اللي عملوا الحاډث كانوا بيدوروا عليكِ أنتِ كمان. أنا؟ أبوكِ كان مخبي آخر دليل عندك من غير ما تعرفي. اتسعت عيناي. فين؟ أخويا ابتسم بحزن. في حاجة كنتِ بتملكيها من وإنتِ طفلة. فكرت. وفجأة افتكرت. السلسلة الصغيرة اللي أبويا كان اداها لي يوم عيد ميلادي. اللي احتفظت بيها سنين. جريت على غرفتي. فتحت صندوق قديم. طلعت السلسلة. جمال أخذها. فك الجزء الخلفي منها. وكان جواه كارت ذاكرة صغير جدًا. نظرت له وأنا مش مصدقة. قال جمال أبوكِ خبّى الدليل الأخير هنا. بعد أقل من ساعة، كنا كلنا في مكتب المحامي. فتحنا الملفات. وكانت الصدمة أكبر مما تخيلنا. تحويلات مالية. أسماء أطباء. مراكز طبية. أرقام حسابات. وتسجيلات صوتية. وفي واحدة منها... كان صوت ياسر. واضح. صريح. وهو بيتكلم عن تغيير نتائج تحاليلي. وعن دفع فلوس للطبيب. وعن تجهيز الطلاق. لكن التسجيل الأخير كان الأخطر. كان ياسر بيقول بعد ما أطلق سلمى، كل حاجة هتختفي. محدش هيسأل عن الست اللي فضلت ست سنين مقتنعة إن العيب فيها. سكتنا كلنا. ثم ظهرت رسالة أخرى. مرسلة من حساب ياسر. وكان فيها لو حصل حمل، لازم يتم التخلص من الملف قبل الولادة. جمال رفع عينه لي. دلوقتي فهمت ليه استعجل يطلقك. قلت عشان لو حملت، كان كل اللي عمله هينكشف. بعد أيام، بدأت التحقيقات. الطبيب اعترف. موظفون من المركز اعترفوا. وأسماء أكبر بدأت تظهر. أما ياسر... فحاول يهرب. لكن قبل ما يقدر يخرج من البلد، اتقبض عليه. آخر مرة شفته فيها كانت في المحكمة. ما كانش لابس بدلته الغالية. ما كانش واثق. ما كانش بيبتسم. كان واقف لوحده. ولما شافني، قرب. قال سلمى. ما رديتش. أنا آسف. بصيت له. أنت مش آسف. سكت. أنت آسف إنك اتقفشت. نزل عينه. قلت أنت ضيعت ست سنين من عمري. دمعت عينه. عارف. لأ. هزيت رأسي. أنت ما تعرفش. ومشيت. من غير ما أبص ورايا. مرت الشهور. وفي يوم الولادة، كنت في المستشفى. جمال كان واقف برا غرفة العمليات. وأخويا كان جنبه. بعد ساعات طويلة... سمعنا صوت أول طفل. ثم الثاني. الممرضة خرجت وهي بتضحك. مبروك. جمال قام بسرعة. هي كويسة؟ كويسة. والأطفال؟ اتنين أولاد، الحمد لله. جمال أغمض عينيه. ولأول مرة... بكى. مش بكاء الراجل اللي فقد ناس كتير. كان بكاء راجل أخيرًا شال حمل سنين من فوق قلبه. بعد شوية دخل عندي. كنت تعبانة. لكن أول ما شفته ابتسمت. قال مبروك يا سلمى. ضحكت. مبروك ليك أنت كمان. سكت. بص للطفلين. ثم قال أبوكِ كان هيفرح بيهم. دمعت عيني. كان نفسه يشوفهم. جمال قرب من السرير. هو شافهم. بصيت له باستغراب. إزاي؟ حط الصورة القديمة على الترابيزة. الصورة اللي فيها أبويا. وقال لأن كل حاجة عملها كانت عشان اليوم ده. بعد سنة... كنت واقفة في شرفتي. الطفلان بيلعبوا في الحديقة. وأخويا كان بيجري وراهم. جمال كان واقف بعيد، بيصلح لعبة خشب. بصيت له وابتسمت. ما بقاش الراجل الغامض اللي كنت خاېفة منه. بقى الشخص اللي وقف جنبي في أسوأ ليلة في حياتي. الشخص اللي ما طلبش مني حاجة. ولا استغل ضعفي. ولا حاول ياخد مكان حد. كان بس موجود. ولما وقعت... مد إيده. قال لي إنتِ مش محتاجة حد ينقذك. أمال محتاجة إيه؟ ابتسم. حد يفكرك إنك تقدري تنقذي نفسك. بعد كل اللي حصل... فهمت أخيرًا إن أكبر كڈبة صدقتها في حياتي ما كانتش إن ياسر بيحبني. ولا إن حماتي كانت پتكرهني. ولا حتى إن جمال كان مجرد جاري الغامض. أكبر كڈبة... كانت إني صدقت إن قيمتي مرتبطة بقدرتي على الإنجاب. ست سنين كاملة كنت فاكرة إن جسمي خانني. لكن الحقيقة إن اللي خانني كانوا أقرب الناس ليا. ويوم ما خرجت من بيتي بلا فلوس... كنت فاكرة إن حياتي انتهت. ما كنتش أعرف إنها كانت بتبدأ. أما ياسر... فخسر مراته. وخسر شغله. وخسر كل فلوسه. والأهم... خسر الصورة اللي كان بيحاول يحافظ عليها طول عمره. أما أنا؟ فما رجعتش له. ولا احتجت أنتقم منه. لأن الحقيقة لما ظهرت... كانت أقوى من أي اڼتقام. وفي صباح هادي، وأنا شايلة ابني الأول، والتاني نايم جنب جمال... بصيت للبيت اللي كنت دخلته يومًا مکسورة. وابتسمت. لأن الراجل اللي كان ساكن قصادنا... ما أنقذنيش من ياسر. هو أنقذني من حاجة أخطر. من فكرة إني كنت محتاجة ياسر أصلًا. وهكذا... بعد ست سنين من الجواز من غير أطفال... بدأت حياتي الحقيقية يوم فقدت زوجي. ويومها فقط فهمت أحيانًا، الباب اللي بيتقفل في وشك مش نهاية الطريق... أحيانًا بيكون أول باب لحياة عمرك ما كنت تتخيلي إنك تستحقيها.