طارق وليلى
طارق ابتسم ببرود، ابتسامة مفيهاش أي روح، ورجع خطوة لورا وطلع ورقة من جيب الجاكيت الداخلي.
”تمشي فين؟ إنتي ماضية شرط جزائي مع الشركة الوسيطة اللي جابتك بـ 2 مليون جنيه لو انسحبتي من المشروع. وأنا اشتريت عقدك. يعني ببساطة، لو مكملتيش تصميم الفيلا اللي هتجوز فيها.. هرميكي في السجن بكرا الصبح.”
ليلى بصتله بصدمة، شفايفها بترتعش: “إنت مستحيل تعمل كدة.. إنت ليه بتعمل فيا كدة؟!”
قرب منها لحد ما أنفاسه الحارة ضربت في وشها، وهمس بصوت مليان قسوة وغل: “عشان أدوقك الكسرة.. هتصممي الفيلا بتاعتي، هتختاري معايا فرش الأوضة اللي هنام فيها أنا ومراتي.. وأول ما الفيلا تجهز.. هتكوني إنتي المشرفة على الخدم يوم فرحي. ولو فكرتي تلعبي بديلك.. صدقيني هخليكي تتمني الموت وماتطوليهوش.”
ليلى بصت في عينيه اللي كلها شر وانتقام.. بصت للباب المقفول.. وبصت للورقة اللي في إيده. لو قالتله الحقيقة دلوقتي وكسرت غروره ده، ممكن يقتـ ـل عمه اللي دبرها المكيدة دي زمان وتضيع حياته تاني، ولو سكتت واستسلمت لشروطه.. هتموت بالبطيء كل يوم وهي بتجهزله بيت عروسة تانية..
وفجأة، الباب خبط بقوة، وصوت أنثوي رقيق من برة نادى: “طارق حبيبي.. إنت جوة؟”
طارق بص لليلى نظرة انتصار وشاورلها تفتح الباب لـ “عروسته”…
تفتكروا ليلى هتعمل إيه؟ وهل طارق هيكتشف الحقيقة قبل ما يدمرها؟
حصري للكاتبه #سهر_محمد
ليلى حسّت إن الأرض بتلف بيها. إيدها اللي كانت على مقبض الباب اتجمدت، ونظرات طارق كانت بتخترق ضهرها زي السكاكين. فتحت الباب ببطء، ودخلت بنت بملامح أوروبية صارخة، لابسة فستان قصير من أشهر الماركات، وشايلة في إيدها شنطة غالية. دي “شاهيناز”، بنت حوت السوق “عاصم بيه”، وعروسة طارق الجديدة.
شاهيناز دخلت بدلع وهي بتقول: “إيه يا طارق حبيبي، كل ده تأخير؟ السواق تحت قالي إنك…”
سكتت شاهيناز لما لمت ليلى واقفة ووشها زي الأموات، وبصت لطارق بستغراب: “مين دي يا طارق؟”
طارق ملامحه اتمسحت تماماً ورجع لقناعه البارد، حط إيده في جيبه وتمشى لحد مكتبه وهو بيقول بنبرة خالية من أي مشاعر: “دي البشمهندسة ليلى الشاذلي.. مهندسة الديكور اللي هتشرف على توضيب الفيلا بتاعتنا بنفسها.”
شاهيناز بصت لليلى من فوق لتحت بتقييم سريع، ومطت شفايفها بقلة اهتمام: “أممم.. بس شكلها تعبان أوي يا طارق، إنت متأكد إن ذوقها هيعجبني؟ أنا مش عاوزة أي غلطة في بيتنا.”
الكلمة نزلت على قلب ليلى زي مية النار.. “بيتنا”. ليلى افتكرت لما كانت بتقعد مع طارق زمان على الرصيف وبياكلوا كشري، وهو بيحلم ويقولها “هعملك قصر يا ليلى ونعيش فيه سوا”. النهاردة القصر بيتعمل، بس لواحدة تانية.
طارق عينيه كانت مركزة على ليلى، بيراقب كل هزة رمش وكل تنهيدة مكسورة تطلع منها. قال بخبث: “متلقلقيش يا شوشو.. البشمهندسة شاطرة جداً، وهتعمل كل اللي تطلبيه منها بالظرف، حتى لو طلبتي منها تنضف الأرض ورا العمال.. مش كده يا بشمهندسة؟”
ليلى دست على سنانها لحد ما حست بطعم الدم في بقها، ورفعت راسها بكبرياء جريح: “أنا مهندسة يا طارق بيه.. وشغلي معروف، ومفيش داعي للتلميحات دي.”
شاهيناز رفعت حاجبها: “طارق بيه؟ هي متعرفش إننا هنتجوز كمان شهر ولا إيه؟ مفيش داعي للرسميات دي يا حبيبي.” وقربت من طارق لوت دراعها حوالين دراعه.
طارق بص لليلى ونظرة التشفي في عينيه زادت: “يلا بينا.. هنروح الفيلا دلوقتي حالا، عشان البشمهندسة تعاين الموقع على الطبيعة وتبدأ شغل من اللحظة دي.”
ليلى اتصدمت: “دلوقتي؟ بس أنا معايا عربيتي ومعاييش أدوات القياس كاملة..”
طارق قاطعها بصوت حاد كالسيف: “عربيتك تسيبيها هنا.. هتركبي معانا في عربيتي، وأدواتك الشركة هتوفرها لك في الموقع. مش عاوز تضيع وقت.. اتفضلي قدامي.”
طول الطريق في العربية، ليلى كانت قاعدة في الكرسي اللي ورا، حاسة إنها بتتنفس بروايح الموت. شاهيناز كانت قاعدة قدام جمب طارق، مشغلة أغاني هادية، وبتتكلم عن الفرح والمعازيم وفستانها اللي جاي من باريس.
وطارق؟ طارق كان عينه مبتقعش من على المراية اللي قدامه.. كان بيبص لليلى. ملامحها المجهدة، الهالات السودا الخفيفة تحت عينيها، لبسها البسيط جداً مقارنة بـ ليلى بتاعة زمان اللي كانت بنت عز. كان جواه سؤال بياكله: (لو إنتي بعتيني زمان عشان الفلوس.. فين الفلوس دي؟ ليه شكلك مبهدل ومكسور كدة؟) بس غيظه وكبريائه اللي اتكسر زمان كان بيميته.
وصلوا الفيلا في منطقة راقية جداً في التجمع. قصر مش مجرد فيلا.
شاهيناز نزلت تجري بدلع: “واااو يا طارق.. المكان تحفة، بجد أنا هختار الأوضة الكبيرة دي لينا.. تعالي يا ليلى ورايا عشان تشوفي هتعملي إيه.”
دخلت شاهيناز وجريت على الأدوار اللي فوق، وطارق وقف في الصالة الواسعة، لفت ليلى عشان تلحق شاهيناز، بس طارق مسكها من دراعها بقوة وعنف ورا عمود ضخم بعيد عن العين.
ليلى اتأوهت بوجع: “سيب إيدي.. إنت عاوز مني إيه تاني؟!”
طارق ثبتها ووشه قبال وشها، وعينيه بتبخ سم: “عاوز أشوف أخرة بجاحتك. قوليلي.. مش ندمانة؟ مش ندمانة وإنتي شايفة العز ده كله كان ممكن يبقى بتاعك لو كنتي صبرتي عليا شهر واحد ومجريتيش ورا اللي هيدفع أكتر؟”
ليلى دمعة هربت من عينها، وبصت في عينيه بحزن يهد جبال: “إنت مابتفهمش؟ أنا مبعتكش.. إنت اللي أعمى.. الغل عامي عينك عن الحقيقة!”
طارق ضحك بسخرية وجع: “الحقيقة؟ الحقيقة إن الشيكات المضروبة اللي باسم شركتي زمان، والشركة اللي أفلست بسببي، المحامي بتاعي قالي إن أمضتك إنتي اللي كانت عليها! إنتي اللي مضيتي مكان الخزنة وهربتي بالفلوس! عمي قالي كل حاجة وروراني الشيكات.. انطقي.. رحتي فين بالفلوس دي؟!”
ليلى لسانها اتعقد.. عمّه! عمّه “سعيد الراوي” هو الحية الكبيرة اللي دبرت كل ده. هو اللي هدد ليلى زمان وقالها: (يا تمضي إنتي على الشيكات دي وتشيلسي القض..ية مكان طارق، يا هسجنه وهخليه يعفن في السجن ومستقبله ينتهي.. وطبعاً لو قولتيلو حرف واحد هقتـ..ـله). هي ضحت بنفسها ودخلت السجن تلات سنين عشان طارق يفضل حر ويبدأ من جديد!
ليلى كانت هتنطق وتصرخ بالحقية، بس افتكرت إن “سعيد الراوي” لسه قوي، ولو طارق عرف، هيدخل في مواجهة مع عمه ممكن تنهي حياته أو توديه في داهية، وهي مش عاوزة تخسر طارق مرتين.
سكتت ونزلت راسها، وده أكد لطارق ظنونه. زقها بعيد عنه بقرف: “سكتي.. لإن معندكيش كدبة جديدة تقوليها. غوري شوفي خطيبتي عاوزة إيه.. ويلا اجمعي حاجتك من الأرض.”
ليلى من كتر الرعشة والخوف، الشنطة بتاعتها اتفتحت وكل اللي فيها اترمى على الأرض الخرسانية بتاعة الفيلا.. الميك أب البسيط، المحفظة، و… ورقة مطوية كذا طية ولونها مغير.
ليلى اتنفضت وجريت عشان تاخد الورقة بسرعة، بس طارق ولمح رعبها، وطى بسرعة رهيبة وخطف الورقة من على الأرض قبل إيدها.
ليلى صرخت بهلع: “لاااا! طارق سيب الورقة دي.. أبوس إيدك ادهالي!!”
طارق استغرب جداً من رعبها، ملامح وشها كانت كأنها بتتحكم عليها بالإعدام. فرد الورقة ببطء وهو بيبص لليلى بشك، وبدأ يقرا الكلام المكتوب فيها بصوت واطي:
”مصلحة السجون المصرية… شهادة إفراج… تُقر إدارة السجن المركزي بأن السجينة: ليلى أحمد الشاذلي.. قد أمضت عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات في القض..ية رقم….”
طارق الكلام وقف في زوره.. عينيه برقت بصدمة مميتة.. الورقة اتهزت في إيده.. بص للورقة، وبص لليلى اللي قعدت على الركب على الأرض، ودفنت وشها بين إيديها وهي بتبكي بانهيار وصوت يشق القلب.
وفي نفس اللحظة.. سمعوا صوت خطوات شاهيناز وهي نازلة من على السلم وبتقول بدلع: “طارق.. حبيبي إنت فين؟ أنا لقيت فكرة تحفة للأوضة..”
طارق مكنش سامع شاهيناز.. كان واقف مذهول، النفس انقطع من صدره، وبص لليلى ودموعه لأول مرة تتحبس في عينيه وهمس بصوت مرعوب ومكسور:
“ليلى… إنتي… إنتي كنتي في السجن؟! سجن إيه؟!”
يا ترى طارق هيعمل إيه لما يكتشف إن ليلى دخلت السجن بداله؟
وهل شاهيناز هتشوف الورقة وتعرف السر؟
للباقي شوف الجزء الثاني





