روايات رولا

“أهلي قعدوا يضحكوا ويسخفوا لما وصلت فرح اختي لوحدي، وأبويا اتأكد إن القاعة كلها سامعاه وهو بيكلم القومندان في المايك وبيقول: «حتى مالقتش حد يرضى ييجي معاها!».. بعدها ببراح، وبعد ما زقني جوه النافورة والتهييط والقفشات هديت، بصيت في عينه ببرود وقلت له: «افتكر اللحظة دي كويس». عشان السر اللي داريته عنهم تلات سنين كان خلاص على بعد خطوات من باب القاعة.
أسوأ حاجة مكنتش المية المغلية ولا الساقعة اللي غرقتني..
ولا الفستان الستان اللي لزق على جسمي، ولا الميك أب اللي ساح، ولا حطة حرف الحوض الرخام في جنبي وأنا بقع..
أسوأ حاجة كانت التطبيل والضحك.
كنت واقفة وسط نافورة الجاردن في الفندق في فرح اختي، وعيلتي بتضحك كأن تهزيئي ده جزء من فقرات الفرح! حد صفر، والتاني صقف بحرارة.. وناحية التانية كان أبويا ماسك المايك ووشه ينطق بالفخر.
كان عندي اتنين وتلاتين سنة..
بس في اللحظة دي حاسيت إني رجعت ست سنين.
البنت اللي عمرها ما عجبتهم..
البت الغشيمة..
اللي ما بتعرفش تلبس، ولا تتكلم، ولا تنقي، ولا تعيش زي ما هما عايزين.
أنا اسمي مريم القاضي، وفي عيلتنا القاهرية دي، المظاهر مكنتش مجرد حاجة مهمة.. دي كانت عبادة!
أبويا، فاروق القاضي، كان محامي تقيل يفرم أي حد في المحاكم من غير ما يعلي صوته حتى.. وأمي، هدى، كانت بتلمع صورة العيلة لحد ما بريقها يعمي الناس عن أي قرف تحت السقف..
واختي الصغيرة، فريدة، كانت «البرنسيسة»..
لما فريدة تبتسم، يقولوا يا ناس على الخفة والقبول!
لما أنا أسكت، يقولوا بؤرة نكد وتكشير!
لما فريدة تنجح، البيت يتقلب زغاريد وهياط..
ولما أنا أحقق حاجة، يطلعوا فيها القطط الفاطسة عشان تطلع صغيرة مالهاش لازمة.
في عيد ميلادي الـ سطاشر، أبويا رفع كاس الشربات، ولثانية واحدة صدقت إنه هيشرب بنخبي ويقولي كل سنة وأنتِ طيبة..
بدالها، أعلن إن فريدة جابت مجموع يدخلها ألسن وخدت منحة!
تورتة عيد ميلادي حتى مخرجتش من المطبخ.
عشان كده لما كارت فرح فريدة جالي من ست شهور، مكتوب بماء الذهب ومفيهوش +1 جمب اسمي، كان المفروض أفهم الفولة وأعرف اليوم رايح فين.
وباستهبال، روحت برضه!
لبست فستان زمردي، وحلَق ألماظ جوزي كان جيبهولي، ورسمت على وشي الهدوء اللي اتمرنت عليه سنين عشان أعدي اليوم وسط ناس عمرهم ما شافوني بجد.
أيوه..
جوزي!
الجزء اللي عيلتي معرفتش عنه الهوا.
تلات سنين أوجار تجوزنا في السر.. مش عشان مكسوفة منه، لا، بس فيه حاجات غالية أوي وصعب ترميها لناس كل شغلانتهم في الحياة يحولوا الحقيقة لس\لاح يذبحوك بيه.
الصبح كان تحايل عليا ييجي معايا:
«أنا ممكن أأجل اجتماع دبي يا مريم».
قلت له: «لا يا حبيبي، الصفقة دي مهمة.. أنا هعدي الكام ساعة دول على خير».
بصلي وكأنه عارف إني بهرّب.
قال لي: «هحاول أخلص وأجيلك على الفندق قبل ما الفرح يخلص».
وده السبب اللي خلاني أروح فندق «الماريوت» في الزمالك لوحدي.
القاعة كانت تحفة.. نجف كريستال، ورد أبيض طبيعي، شابانيا، ناس واصلة، وابتسامات متلمعة.
الويتر شاف الكارت بتاعي:
«ترابيزة 19 يا فندم».
مش ترابيزة العيلة طبعاً..
أكيد!
ترابيزة 19 كانت بعيدة كفاية عشان تفكرني بمكاني اللي هما شايفيني أستاهله.
بنت عمي ندى شافتني الأول:
«مريم! جيتي لوحدك؟»
«اه..»
«يا شجاعتك يا شيخة!»
ده كان النغمة طول اليوم..
شجاعة..
عملية..
لسه عنس..
لسه شغال شغلتها الغريبة دي في الهيئة..
لسه مش فريدة!
مرات عمي سألتني هو أنا خلاص اعتزلت الموضة؟ وعمي كمال قالي هو مرتب الحكومة مش مكفيكي تجيب حتة طقم عدل؟ ونور بنت عمي ابتسمت وصرت: «فريدة مكنتش فاكرة إنك هتوجبي وتيجي.. أصلك فوتي الحنة وبرايدال شوور والعشاء».
أنا فوتهم عشان شغلي اللي مكنش ينفع أحكي عن تفاصيله..
فقلت ببساطة: «ظروف شغل».
نور ضحكت: «اه.. شغلك السري العظيم ده!»
سبتها تفتكر إنه كلام فارغ..
أوقات السكوت مش ضعف.. أوقات السكوت بيبقى الس\لاح الأقوى.
أمي جمتلي بعد أول شوط في الأكل:
«اللون ده طافيكي أوي يا مريم».
«أهلاً بيكي يا أمي، إزيك أنتِ؟»
طنش كلامي وقالت: «لمي نفسك ومتبنيش ملوية كده.. عيلة الألفي قاعدين هناك وهما ناس تقال ومهمين».
كنت هبتسم..
عيلة الألفي كانوا مهمين بالنسبة لها عشان معلّمين وعندهم فلوس وكتير..
بس فيه أنواع تانية من النفوذ..
النوع اللي بيوصل في السكتة..
ومعاه حراسة!
بصيت في الموبايل تحت الترابيزة:
«الطيارة نزلّت.. الطريق واقف شوية من المطار، قدامي 45 دقيقة بالضبط».
لأول مرة من الصبح، تنفست براحة.
وبعدين بدأت الكلمات..
أبويا وقف جمب تمثال التلج اللي على شكل بجعتين، وابتسم لفريدة:
«بنتي الجص، عمرها ما خيبت أملي ولا كسرت كلمتي».
القاعة اتملت تصقيف..
أنا بصيت في كاس المية بتسقيع..
عمرها ما خيبت أملي..
طبعاً ما جابش سيرتي.. مش محتاج يقول.
بعد ما رغى في جمال فريدة وشياكتها وزيجتها الصاح من حازم الألفي، انسحبت بهدوء ناحية الجاردن..
كنت محتاجة أتنفس..
دقيقتين بس بعيد عن الابتسامات الصفرا والهمس.
كنت خلاص هفلت..
«رايحة فين بدري كده يا مريم؟»
صوت أبويا ضرب في المايك ورن في الصالة كلها.
كل الرقاب لفت..
قلت بهدوء: «بشم هوا بس يا بابا».
ابتسم للجمهور وقال: «هروب كالعادة.. مريم طول عمرها بتهرب».
ناس ضحكوا.
أمي وقفت جمب فريدة، ولا واحدة فيهم تحركت.
أبويا كمل: «فوتِ الحنة، وفوتِ كل حاجة، وجاية الفرح لوحدك.. حتى مش عارفة تجيبي حد معاكي يستر!»
قلت بصوت واطي: «بابا.. مش ده الوقت ولا المكان».
زعق في المايك: «لا ده الوقت! النهاردة يوم النجاح والفرحة.. الحاجات اللي أنتِ ما تفهميش فيها حاجة!»
القاعة سكتت خالص.
وبعدين رمى القنبلة:
«حتى مالقتش حد يرضى ييجي معاها!»
الضحك كركر في القاعة..
أبويا قرب مني وقال بصوت جهوري:
«اتنين وتلاتين سنة وما فيش راجل يملى عينك ولا أنتِ تملي عين حد! في حين اختك الصغير عملت جيزة ترفع الراس».
بصيت لفريدة.. كانت بتضحك ومبسوطة..
حاجة جوايا سكتت تماماً..
مش انكسرت..
سكتت.
أبويا كمل تهزيق.. فاشلة.. كسفة.. غيورة.. نكدية..
وبعدين إيده اتمدت وزقني في كتفي..
اتكعبلت لورا..
في ثانية واحدة، الثريات الكريستال، وفستان أمي الأزرق، وفستان فريدة الأبيض، والكارت المذهب اللي في إيدي كلهم ساحوا في بعض..
ووقعت في حوض النافورة!
المية الساقعة غطتني..
لما طلعت دماغي، القاعة كانت بتموت من الضحك..
المصوراتي رفع الكاميرا وفضل يصور:
تك.. تك.. تك..
أبويا كان وشه ينطق بالشفاء، كأنه أخيرًا أدبني قدام الناس كلها.
قومت وقفت بالراحة، المية بتشر من شعري وفستاني وأكمامي..
كان المفروض أحس بالعار..
بس ما حسيتش..
أنا حسيت إني فقت!
لأول مرة، فهمت إني مش محتاجة أستنى منهم يحبوني أو يختاروني.
زحت شعري المبلول عن وشي وبصيت لأبويا في عينه مباشرة:
«افتكر اللحظة دي كويس».
الضحك قطع فجأة..
صوتي كان هادي وثابت جداً:
«افتكر كويس أنت عاملت بنتك إزاي قدام الناس.. عشان وحياة طول عُمري، أنا مش هنسى».
محدش ضحك بعد الكلمة دي..
ابتسامة أبويا اختفت.
طلعت من النافورة ومشيت على السجادة الغالية وأنا ببل الدنيا مية..
محدش مد إيده يساعدني..
وهي مش فارقة.. أنا أصلاً بطلت أمد إيدي ليهم.
في حمام الفندق، بصيت لنفسي في المراية.. الكحل ساح، وشعري مبلول، والفستان الزمردي اتدمر..
بس عيني كانت ثابتة كالصخر..
فتحت الشنطة الصغيرة اللي نِجت، وطلعت الموبايل بأصابع مبلولة وكتبت رسالة واحدة:
«قدامك قد إيه؟»
الرد جه في ثانية:
«عشر دقائق.. الحراسة وصلوا وبيرأمنوا المكان».
حراسة..
طبعاً.. هو كان عارف، أو يمكن بيحبني لدرجة إنه دايماً عامل حسابه للأوحش.
نزلت العربية غيرت هدومي ولبتس دريس أسود هادي دايماً بشيله في شنطة العربية للطوارئ -دي طبيعة شغلي اللي عمرهم ما فكروا يفهموه-.
رجعت القاعة وأنا ناشفة، هادية، ومتظبطة.. المزيكا كانت رجعت تشتغل..
أمي كانت واقفة مع حبة ستات وتقولهم: «والله حاولينا معاها كتير يا جماعة.. بس فيه ناس مش وش نعمة ولا نجاح!»
بعدين شافتني..
ابتسامتها اتجمدت: «مريم! أنتِ لحقتي تنشفي؟»
قلت لها: «اه.. أنا دايماً عندي خطة ب».
قبل ما ترد، أبواب القاعة الضخمة اتحركت..
مش اتفتحت.. اتحركت!
كأن الهواء جوة القاعة نفسه اتغير..
راجلين بجسم رياضي وبدَل سوداء دخلوا..
ماكنوش من أمن الفندق ولا من المعازيم..
عنيهم بتمسح المداخل، المخارج، البلكونات، وحتى إيدين الناس!
القاعة كلها لاحظت..
الكلام بدأ يقل..
أمي ضيقت عينها: «إيه الهبل ده؟ مين دول؟»
بصيت في الموبايل.. رسالة أخيرة:
«أنا جوه».
واحد من الحراس حط إيده على السماعة اللي في ودنه وقال بصوت واطي:
«الموقع آمن تماماً يا فندم.. اتفضل».
أبويا مشي ناحيتهم بغضب وصوت عالي:
«إيه القلة الأدب دي؟! ده فرح خاص.. لو بتدوروا على قاعة المؤتمرات فهي في الدور التاني!»
الحارس ولا عبره ولا بص له حتى..
وفي اللحظة دي، البابين اتفتحوا على الآخر..
كل الحضور لفوا وراهم..
وش أمي اتغير الأول..
بعدها فريدة..
وبعدين أبويا..
عشان الراجل اللي دخل فرح اختي مكنش غريب بالنسبة ليهم..
ده كان الحقيقة اللي داريتها عنهم تلات سنين..
وكان داخل، وعينه مش شايفه في القاعة كلها.. غيري أنا!”
ناثان رَبَّع إيده، وبص لأبويا بنظرة ساقعة جمدت الدم في عروق القاعة كلها..
«أنا ناثان ريد.. زوج مريم.»
الهدوء نزل على القاعة زي الصاعقة.. أمي لونها خطف وبقت شبه الملاية البيضا، فريدة اتسمرت مكانها بفستان فرحها ومسكت في جومتها، وأبويا واقف المايك هيقع من إيده، استوعب في ثانية إن البنت اللي لسه زاققها في النافورة ومهينها قدام الناس، مش البنت الفاشلة اللي كان بيسخر منها.. دي حرم واحد من أكبر رجال الأعمال وأقوى الرئيس تنفيذيين في المنطقة.
بس ده مكنش السر الأكبر..
ناثان قلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتفي بهدوء، ومسك إيدي المبلولة، وبص لأبويا وقال بصوت هادي بس له رنة ترعب: «فاروق بيه.. أنت مش بس هديت شركتك اللي كنت مستني مني أوقع معاك عقد الإنقاذ بتاعها بكرة، أنت لسه حالا زقيت الوزيرة المساعدة لوزارة العدل والتفتيش القضائي في المية.. وزوجتي العزيزة هي اللي ماسكة ملف قضايا الكسب غير المشروع بتاع مكتبك كله.»
أبويا إيده بدأت تترعش، والمايك عمل صوت صفير عالي في الصالة.. بصلي وهو مش قادر يجمع الكلام: «مـ مريم؟ أنتِ.. وزيرة؟»
قربت منه خطوة واحدة، والناس كلها بتبصلي بذهول، وقلت له بابتسامة هادية: «قلت لك افتكر اللحظة دي كويس يا بابا.. الشغلانة السرية اللي كنتم بتضحكوا عليها كانت السبب إن اسمك يفضل نضيف السنين اللي فاتت عشان خاطرك.. بس من اللحظة دي، حمايتي ليك وللعيلة دي انتهت.»
ناثان شاور للحراسة، ومسك إيدي ومشينا ناحية الباب.. القاعة كلها كانت واقفة متلخبطة، ومحدش أجرأ يتكلم ولا يرفع عينيه فينا.
قبل ما أخرج من الباب، لفيت بصيت لأبويا ولأمي ولفريدة وقلت لهم: «الفرح ده كلفكم كتير أوي.. أكتر بكثير ملي كنتم متوقعين.»
ومشيت مع ناثان، وسبتهم في الضلمة اللي هما صنعوها بنفسهم.
ناثان فتحلي باب العربية الـ Maybach بنفسه، وقفل الباب ببطء وهدوء يقطع النفس. أول ما قعد جانبي، بصلي والدفء رجع لعينيه بعد ما كان زي التلج جوه القاعة: «أنتِ كويسة يا مريم؟»
هزيت رأسي وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة، ودرجة حرارة العربية والتكييف المظبوط بدأوا يدسّوا الدفا في جسمي: «أنا تمام يا ناثان.. لأول مرة في حياتي أكون تمام بجد. كأن المية دي غسلت كل حاجة كانت ربطاني بيهم.»
في الوقت ده، جوه قاعة الفندق، الكابوس كان يادوب بيبدأ.
أبويا كان واقف في نص الصالة، المايك وقع من إيده على الأرض وعمل صوت رزعة هزت المكان. المعازيم بدأت تتسحب واحد ورا التاني، الوشوش اللي كانت بتضحك وتصقف من شوية بقت بتبص له بقرف وشفقة. عيلة الألفي —اللي أمي كانت هموت عشان تناسبهم— وقفوا مصدومين. حازم العريس بص لفريدة بغضب مكتوم وقالها بصوت واطي سمعوه اللي حواليهم: «هو ده الشرف والنفوذ اللي أبولك كان بيباهي بيهم؟ أنتِ وعيلتك دخلتوني في موال أسود مع الدولة ومع ناثان ريد!»
فريدة قعدت على الكرسي وبدأت تعيط بنهتة وهي شايفة فرح أحلامها بيتحول لفضايح، وأمي جرت على أبويا وهي بتصرخ بصوت واطي: «فاروق! اعمل أي حاجة! كلمها.. اتصل بيها بالليفون! قولها ده كان هزار! أنت عارف يعني إيه ملف الكسب غير المشروع؟ يعني هيروح فيها كل اللي جمعته في ثلاثين سنة!»
أبويا مسك موبايله بأيد بتترعش، وجرب يتصل بيا.. مرة.. اتنين.. ثلاثة.
في العربية، موبايلي رن. بصيت على الشاشة وشفت كلمة “بابا”.. شاورلي ناثان بابتسامة متفهمة، فتحت السبيكر وما نطقتش.
صوت أبويا كان مخنوق، طالع بالعافية، راح منه كل الكبرياء والغرور بتاع زمان: «مـ مريم.. حبيبتي.. أنتِ فين؟ ارجعي يا بنتي، أنا كنت بهزر معاكي.. أنتِ عارفة أبوكي بيحبك قد إيه ومعزتك عندي.. ارجعي نتفاهم في البيت ونتعشى سوا..»
رديت عليه بثبات، وصوتي كان أهدى من خرير المية: «فاروق بيه القاضي.. أنت فاكرني لسه البنت ذات الـ ستة عشر سنة اللي نسيتوا تطلعوا تورتة عيد ميلادها؟ ولا البنت اللي زقيتها في النافورة عشان تضحك المعازيم؟ الصفر اللي أنت كنت شايفه طول عمرك، هو نفسه اللي بإيده يمحي اسمك من السوق بكره الصبح.»
«يا مريم عشان خاطر ربنا..!»
«أنا ما بعاقبكش يا بابا.. أنا بس بسيب القوانين اللي أنت علمهتاني تطبق عليك. الملفات بكرة الصبح هتوصل للنيابة العامة بالكامل، وشركة ناثان هتسحب عرض الشراكة اللي كان هينقذك من الإفلاس. المية الساقعة اللي غرقتني، هتدوقها أنت في كل ليلة جاية من عمرك.»
قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك.. وبعديه بلوك لأمي ولفريدة ولكل حد من العيلة شارك في الضحكة دي.
ناثان مسك إيدي وباسها ببطء: «على فين يا سيادة الوزيرة المساعدة؟»
بصيت له وابتسمت من قلبي لأول مرة من سنين: «على بيتنا يا ناثان.. على الحياة اللي اخترتها بجد.»
ثاني يوم الصبح، النشرة الاقتصادية والجرائد الرسمية كان فيها خبرين نزلوا زي الزلزال:
الخبر الأول: إحالة مكتب “القاضي للاستشارات القانونية” للتحقيق في قضايا تستر ومخالفات مالية جسيمة وتجميد رصيد صاحب المكتب.
والخبر الثاني: صورة لمريم القاضي بجانب ناثان ريد في مؤتمر استثماري ضخم، مكتوب تحتها: “مريم القاضي.. العقل المدبر لملفات الشفافية والعدالة تتسلم مهامها الجديدة.”
من اليوم ده، محدش سمع اسم فاروق القاضي تاني في الأوساط العالية، وفريدة اتفسخت خطوبتها بعد الفرح بأسبوعين لما العيلة أعلنت إفلاسها..
أما أنا.. فكنت واقفة في تراس بيتنا المطل على النيل، واخدة قهوتي في إيدي، وناثان واقف ورايا حاضنّي.. اتعلمت إن أقسى انتقام مش إنك تشتم ولا تضرب.. الانتقام الحقيقي إنك تنجح لحد ما بقائك فوق يخليهم هما تحت الأقدام، وتبص لهم من بعيد وتقول لنفسك: «أنا قلت لك افتكر اللحظة دي كويس».





