بيت العيله بقلم روماني مكرم 1

لكن الحقيقة التي كنا نتهرب منها جميعاً هي أننا سلبنا من شيماء كل شيء، حتى خيل لنا أنها لم تعد تملك شيئاً تخسره. وعندما لا يملك الإنسان ما يخسره، يصبح أقوى منا جميعاً.

مرت أيام قليلة، والبيت أصبحت جوه مسموماً. الضرة الجديدة، نادية، التي كنا نرفعها فوق الرؤوس، بدأت تظهر طباعها الحقيقية. لم تكن شيماء الطيعة الهادئة. نادية كانت تطالب بالخدمة، ترفض تنظيف السلم، وتصرخ في وجه حماتي إذا انتقدت طريقة تربيتها للطفل أو طبيعة أكلها.

في أحد الأيام، بعد أسبوعين من خروج شيماء، كانت حماتي تجلس في الصالة، وأنا أعد القهوة في المطبخ. دخلت نادية وهي تحمل طفلها الذي كان يبكي بحرقة.

قالت حماتي بزجر: “ما تسكتي الولد ده يا نادية! الشقة بقت تجيب الصداع طول النهار والليل! ما تديلو اللبنة ولا اعملي له كراوية!”

ردت نادية بجفاف وهي تضع الطفل في حضن حماتي بقسوة: “أنا تعبانة طول الليل مانمتش! خذيه أنتِ سكتيه ولا اعملي له أنتِ الكراوية، أنا مش شغالة عند حد هنا! أنا المخدومة في البيت ده عشان جيبت لكم الولد اللي بيض وشكم!”

ذهلت حماتي من الوقاحة، واتسعت عيناها بغضب: “انتِ بتكلميني أنا كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت؟”

ردت نادية وهي تستدير ذاهبة إلى شقتها: “لا مانسيتش، بس أنا مش شيماء اللي كانت بتسكت لكم وتبلع لكم الزلط وترموا أكلها في الزبالة وتضحكوا عليها! أنا ليا ظهر ويا ويل اللي يجي عليا!”

وقعت الكلمات على رأس حماتي كالمطرقة. خرجت أنا من المطبخ وأنا أحمل القهوة، وعيناي معلقتان ببيت الحمات التي بدأت تترنح. لأول مرة، رأيت في عيني حماتي نظرة ندم خفية، أوربما خوف من المستقبل الذي أصبحت فيه نادية هي الآمرة الناهية.

في الأسبوع الثالث، وصلتنا الورقة الرسمية. لم تكن دعوى خلع كما هددت شيماء، بل كانت إنذاراً بطلب الطلاق للضرر، مرفقاً بقائمة من الادعاءات والمستندات، ومصحوبة بطلب لاسترداد كامل مؤخر صداقها وقائمة منقولاتها الزوجية بحسب القانون.

اجتمع أحمد مع إخوته وأمه في الصالة. كان وجهه أصفر كالليمون وهو يقرأ الورقة القانونية.

قال أحمد بصوت مرتعش: “شيماء رافعة قضية ضرر، ومجهزة شهود من الجيران.. الجيران يا أمي! الجيران اللي كانوا بيشوفوها بتعيط على السلم، والجيران اللي سمعوا صوتك وأنتِ بتقولي لها رمينا أكلك في الزبالة!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *