روايه روماني مكرم 2

بدأ إبراهيم يتردد على المساجد، واستعاد هدوءه، وصار يتحدث مع أبي بوقار وأدب جم. لم يعد ذلك الرجل المتسرع الذي يستثره أي كلام. صار يدرك أن الأسرة لا تُبنى على عاطفة جياشة وحسب، بل على حماية وقوة وعدل وثبات في وجه الرياح.

وفوق هذا كله، أظهر إبراهيم موقفا حازما حين حاولت أمه القدوم إلى بيت أبي للتوسل والملاينة بعد أن ضاق بها الحال؛ إذ وقف إبراهيم على باب الشارع لمنعها من الصعود، وقال لها بصوت سمعته الحارة كلها:

— يا أمي، أنتِ أمي وليكِ حق الرعاية والمصروف هبعتهولك لحد عندك، لكن خطوة واحدة في طريق شيماء أو بيتي تاني مش هتحصل! أنتِ حفرتي قبر سعادتي بيدك، وأنا مش هسمح لكِ تهدمي باقي عمري!

كان هذا الموقف بالذات هو القشة التي أعادت ترميم الجسر المكسور في قلبي. رأيت فيه الرجل الذي حلمت به؛ الرجل الذي يستطيع أن يضع حدًا لأهله إذا ظلموا، ولا يترك زوجته فريسة لأهوائهم.

ومع انقضاء الشهر الخامس من المهلة، جاء إبراهيم إلى بيت أبي ومعه كبار المنطقة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن آتيًا بالدموع والتوسل، بل بالاحترام والكرامة.

جلس أمام أبي وقال له:

— يا عمي… الخمس شهور اللي فاتوا كانوا أصعب فترة في حياتي، لكنهم علموني الدرس اللي ما حيتنسيش طول ما أنا بتنفس. أنا عرفت قيمة شيماء، وعرفت إن الراجل الحقيقي هو اللي يكون درع لمراته مش أول سهم ينغرس في ظهرها. الشقة بقت شقتها، وحقها محفوظ، وأنا جاي أطلب منك ترجعها لي، وأعدك قدام ربنا والجميع، إن لو شعرها واحدة منها اتضرت بسببي تاني، أكون مش راجل ولا أستاهل أعيش.

نظر أبي إليّ، وابتسم ابتسامة دافئة تحمل كل الحب والدعم، وقال:

— الرأي رأيك يا شيماء… أنتِ اللي دقتي المر، وأنتِ اللي تقرري لو جرحك التأم ولا لسه.

نظرت إلى إبراهيم. رأيت في عينيه رجلاً جديدًا، صقله الألم والندم، ورأيت حباً صادقاً نُزع منه طيش التسرع وخفة الشك.

ابتسمت ببطء، وقلت بصوت هادئ ومطمئن:

— العافية بتيجي بالتدريج يا بابا… وإبراهيم أثبت إنه اتعلم الدرس. أنا موافقة أرجع بيتي.

في تلك الليلة، عدت إلى شقتي.

لم تكن العودة مجرد دخول لبيت، بل كانت دخولاً لعهد جديد. فتحت الباب بنفسي بالمفتاح الذي أصبح ملكي، ودخلت الشقة التي أصبحت باسمي. كان كل شيء فيها نظيفًا ومرتبًا، وإبراهيم يسير خلفي بخطوات خاشعة كأنه يدخل معبدًا مقدسًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *