طول الطريق وأنا بسأل نفسي: مين اللي بعت الرسالة؟ وليه الشقة القديمة بتاعة أبويا تحديدًا؟ المكان ده كان مقفول من سنين، ومحدش تقريبًا يعرف إن لسه معايا مفتاحه غير عمتي نوال والمحامي كريم. وصلت قدام العمارة، ونزلت من العربية وأنا مترددة. طلعت السلم، وفتحت الباب. أول ما دخلت، حسيت برائحة المكان زي ما هي… ريحة أبويا. البيت كان مليان ذكريات، وكل حاجة تقريبًا في مكانها. مشيت ببطء لحد أوضة المكتب. كنت عارفة إن أبويا كان بيقضي معظم وقته هنا. فتحت الأدراج واحد ورا التاني. مفيش حاجة. فتحت الدولاب. ولا حاجة. لحد ما افتكرت درج صغير في المكتب كان أبويا دايمًا بيقفله بالمفتاح. جربت المفتاح القديم اللي كان معايا. فتح. جوا الدرج كان فيه ظرف بني قديم. مسكته، ولقيت اسمي مكتوب عليه بخط أبويا: “لسلمى… لما تحسي إنك بقيتي لوحدك.” إيدي بدأت ترتعش. فتحت الظرف. كان جواه جواب، ومعاه صور وورق. بدأت أقرأ: “يا بنتي، يمكن أنا وأمك نموت وإنتِ لسه صغيرة، ويمكن في يوم تحسي إنك مالكيش ضهر. علشان كده أنا رتبت لك كل حاجة بحيث محدش يقدر ياخد حقك بسهولة.” دموعي نزلت. كملت القراءة. “أنا عارف إن الناس بتتغير لما تعرف إن معاكي فلوس. عشان كده جزء من أملاكك محطوط بطريقة تحميه، ومفيش حد يقدر يتصرف فيه نيابة عنك من غير موافقتك الشخصية.” تنفست براحة. لكن الورقة اللي بعدها كانت الصدمة. كان فيها اسم حسام. وقعت الورقة من إيدي. أبويا كان كاتب: “قبل ما أوافق على جواز بنتي من حسام، سألت عنه كويس. وفي ناس حذرتني منه، لكني ما لقيتش دليل يخليني أرفضه. لذلك طلبت من المحامي كريم يحتفظ بمعلومة مهمة، وما تظهرش إلا لو حسام حاول يتصرف في مال سلمى.” رفعت عيني. — يعني بابا كان شاكك فيه من البداية؟ بدأت أقلب في الأوراق. ولقيت صورة لعقد قديم. وتحتها ملاحظة بخط كريم: “في حالة محاولة حسام الحصول على أموال سلمى، يتم فتح الملف رقم 17.” قلبي وقف. ملف رقم 17؟ اتصلت بكريم فورًا. رد بعد أول رنة: — سلمى؟ قلت: — أستاذ كريم، أنا في شقة بابا. سكت. — لقيت ورق باسمي. قال بسرعة: — ما تفتحيش أي حاجة تانية. — ليه؟ — لأن اللي قدامك ده غالبًا الملف اللي أبوكي كان مخبيه. قلت: — إنت كنت عارف؟ — كنت عارف إن فيه وصية وتعليمات خاصة، لكن أبوكي طلب مني ما أقولكيش إلا لو حصل موقف زي ده. قلت: — وحسام؟ سكت. قلت: — حسام كان يعرف إن بابا شاكك فيه؟ — لا. قبل ما أقفل، سمعت صوت مفتاح في باب الشقة. اتجمدت. قلت: — أستاذ كريم… — إيه؟ — أنا مش لوحدي. وفجأة الباب اتفتح. حسام دخل. بص لي، وبعدين بص للأوراق اللي في إيدي. وشه اتغير. قال بصوت هادي بشكل مخيف: — إنتِ بتعملي إيه هنا؟ قلت: — أنا اللي المفروض أسألك… إنت عرفت إني هنا إزاي؟ ما ردش. قرب مني. — اديني الورق ده. رجعت خطوة. — ليه؟ قال: — لأنك مش فاهمة هو إيه. ضحكت رغم خوفي. — طب فهمني. فضل ساكت. قلت: — إنت كنت بتخطط لإيه يا حسام؟ فجأة عينيه اتغيرت. وقال: — كنت بحاول أحميكي. — تحميني من إيه؟ قال: — من نفسك. وبعدين بص للورقة اللي في إيدي وقال: — لو قريتي آخر ورقة… هتكرهي أبوكي. فتحت الورقة الأخيرة. وقريتها. وفي اللحظة دي… عرفت إن أبويا كان مخبي عني سر يخص حسام نفسه. فضلت ماسكة الورقة، وعيني بتجري على السطور. “يا سلمى، لو وصلتي للورقة دي، يبقى حسام حاول يتصرف في فلوسك أو طلب منك مبلغ كبير. ساعتها لازم تعرفي الحقيقة كاملة…” بصيت لحسام. كان واقف قدامي ساكت، ووشه لأول مرة مفيهوش أي ثقة. كملت القراءة: “قبل جوازك من حسام، أنا عرفت إنه كان عليه ديون. وساعدته وقتها يسدد جزء كبير منها، بشرط إنه ما يقربش من أموالك أبدًا. ولو حاول في يوم يضغط عليك علشان فلوسك، يبقى الاتفاق انتهى، ولازم تعرفي إن السبب مش المشروع.” إيدي بدأت ترتعش. قريت آخر سطر: “والأهم يا بنتي… حسام لا يعرف أنني وضعت شرطًا في عقد الزواج يحمي نصيبك من الميراث.” رفعت عيني لحسام. — بابا كان عارف إنك مديون قبل ما أتجوزك؟ حسام سكت. صرخت: — رد! قال بصوت منخفض: — أيوه. — وأبوكِ ساعدك؟ — أيوه. — وإنت كنت عارف إنه حط شرط يحمي فلوسي؟ هز رأسه. — عرفت بعد جوازنا بسنين. ضحكت بمرارة. — عشان كده كنت بتسألني عن الورث؟ — سلمى… — وعشان كده رجعت تهتم بيا؟ قرب مني وقال: — الموضوع مش كده. صرخت: — أمال إيه؟! سكت طويلًا. وبعدين قال: — أنا فعلًا كنت محتاج الفلوس. دموعي نزلت. — وأنا كنت محتاجة جوزي… مش محتاجة مشتري. بص للأرض. — أنا غلطت. قلت: — لأ، إنت ما غلطتش مرة. إنت خليتني أصدق إن اهتمامك رجع علشاني، بينما كنت بتقرب مني علشان فلوسي. حاول يمسك إيدي، سحبتها. — ما تلمسنيش. قال: — أنا ما كنتش ناوي أضيع حقك. — بس كنت ناوي تاخد فلوسي. — كنت هرجعهم. — ولو المشروع فشل؟ ما ردش. في اللحظة دي فهمت كل حاجة. دخلت عمتي نوال فجأة ومعاها المحامي كريم. بصت لحسام وقالت: — كفاية يا حسام. حسام اتوتر. كريم حط ملف على الترابيزة وقال: — أنا هشرح لك يا سلمى. والدك كان عامل حساب كل الاحتمالات. أموالك منفصلة قانونيًا عن حسام، وأي محاولة للتصرف فيها من غير موافقتك مش هتتم. بصيت لحسام. — يعني أنا كنت محمية طول الوقت؟ كريم ابتسم: — أبوكي وأمك كانوا عاملين حساب إنك في يوم تحسي إنك لوحدك. هنا انهرت في العياط. لأول مرة من سنين فهمت إن خوفي كان أكبر من الحقيقة. أنا ماكنتش لوحدي. أبويا كان سايب لي أمان. أمي كانت سايبة لي حب. وورثي ماكانش مجرد فلوس… كان فرصة إني ما أضطرش أعيش مع حد خوفًا من إني ما ألاقيش غيره. حسام وقف قدامي وقال: — سلمى، أنا مش عايز أخسرك. بصيت له بهدوء: — أنت خسرتني من اللحظة اللي خليتني أشك إن حبك ليا له تمن. سكت. وبعدها قال: — يعني هتطلبي الطلاق؟ مسحت دموعي وقلت: — المرة دي مش هقرر علشان خايفة أبقى لوحدي. بصيت له بثبات: — هقرر علشان أنا عايزة أعيش مرتاحة. ومشيت. بعدها بأسابيع، بدأت إجراءات الانفصال. مي كمان اكتشفت حجم الديون اللي كان مخبيها عنها، وقررت تحمي نفسها وأولادها. أما أنا… رجعت لشقتي، وبدأت أرتب حياتي من جديد. احتفظت بفلوسي، وبدأت مشروع صغير باسمي. وكل مرة كنت أحس بالخوف، كنت أفتكر جملة أبويا: “يا بنتي، لو في يوم حسيتِ إنك مالكيش ضهر… افتكري إن نفسك هي أول ضهر ليكي.” وفهمت أخيرًا إن أكبر خسارة ما كانتش إني أخسر جوزي… أكبر خسارة كانت إني أخسر نفسي علشان أحافظ عليه