حكايات بسمه

عينها ثبتت عليه هو.
وحاولت تحرك شفايفها.
حسام قرب منها.
— عايزة تقولي حاجة؟
خرج صوت ضعيف جدًا.
كلمتان فقط:
— “أنت… سمعت؟”
حسام اتجمد.
— سمعت إيه؟
داليا حاولت تتكلم، لكن التعب غلبها.
وقبل ما تغمض عينيها من جديد، همست:
— “اللي حصل… ما كانش حادث.”
رفع حسام رأسه ناحية سلمى.
وفي اللحظة نفسها، دخل رجل يرتدي بدلة سوداء إلى العناية المركزة.
اقترب من السرير، ثم نظر مباشرة إلى حسام وقال بحدة:
— حضرتك لازم تخرج دلوقتي.
حسام وقف مكانه.
— ليه؟
الرجل لم يجب.
فقط اقترب من أذن داليا وهمس:
— واضح إنك غلطت لما فضلت عايشة.
حسام سمع الجملة.
وعرف وقتها إن دخوله الغرفة الغلط…
كان أول خطوة في سر أكبر من مجرد حادث.
حكايات بسمة
تسمرت الأقدام في الممر الخافض، واستحال هواء العناية المركزة إلى جليد ناصع. الجملة المسمومة التي نطق بها الرجل ذو البدلة السوداء عند أذن داليا جعلت الدماء تغلي في عروق حسام عبد الرحمن.
لم يتراجع. بل خطى خطوة حاسمة للأمام، ووقف كالسد بين الرجل وسرير داليا.
قال حسام بصوت ثقيل وواثق:
— أنت مين؟ وبأي صفة بتتكلم معاها بالطريقة دي؟
الرجل التفت له بنظرة تعالي وشحوب مكتوم:
— أنا مدحت المنشاوي… عم داليا والوصي القانوني على إدارة المجموعة الطبية لحد ما تخرج من هنا. وإنت مجرد عامل صيانة، مالكش أي تواجد في المكان ده. اخرج بره فورًا قبل ما أنادي الأمن.
في تلك اللحظة، قطعت الممرضة سلمى الصمت وتقدمت بثبات:
— أستاذ مدحت، داليا هانم لسه راجعة لها استجابة عصبية وبدأت تتنفس بصورة مختلفة، والدكاترة طلبوا عدم إجهادها أو دخول أي شخص يسبب لها توتر.
مدحت حاول يصنع الابتسامة ويزيح حسام بيده:
— أنا عمتها… وأولى واحد برعايتها. سيبوني معاها دقيقة.
لكن عين حسام اللمحت حركة خاطفة؛ مدحت كان بيحاول يمرر إيده ناحية أنبوب التقطير ووريد داليا، ومعه جهاز صغير عالي التردد كان يحمله في جيب معطفه الداخلي للتشويش على مجرى أجهزة إنعاش القلب.
حسام—بحسه الميكانيكي والدقيق الذي يدرك أعطال الأجهزة واختلال النبض—قبض على معصم مدحت بقوة خرافية.
— إيدك عن المحبس وعن جهاز التقطير!
مدحت صرخ بارتباك وغضب:
— إنت اتجننت؟! بتمد إيدك عليا؟!
حسام لم يتركه، بل رفع يده الأخرى وأشار لسلمى:
— بلغي أمن المستشفى والشرطة فورًا! الراجل ده كان بيحاول يلعب في إعدادات الضخ ومستوى العلاج عشان يوقف استجابتها العصبيّة!
ساد الذعر في القسم. سلمى ضغطت زر الطوارئ، وخلال ثوانٍ دخل ثلاثة من حراس المستشفى ومعهم الطبيب النائب.
مدحت حاول يتملص وهو يتصبب عرقًا، لكن كاميرات المراقبة الموضوعة فوق الأوضة، والملفات التي كان حسام قد بدأ يلاحظها في تحركاته السابقة، كشفت كل شيء.
التحريات التي جرت في الأيام التالية أوضحت الحقيقة البشعة:
الحادث الذي تعرضت له داليا على الطريق الصحراوي لم يكن قضاءً وقدرًا. عمها مدحت، بالتعاون مع مدير الحسابات، كان قد عبث بنظام توجيه السيارة لإبعادها عن إدارة المجموعات الطبية، واستغلال غيبوبتها لتمرير صفقات وإعادة بيع أسهم الشركة لحسابه الشخصي. ولما علم من تقارير التمريض أن ضربات قلب داليا بدأت تتجاوب وتنتظم وتسترد وعيها بسبب وجود حسام وصوته، جاء بنفسه لإنهاء الأمر بالكامل.
أُلقي القبض على مدحت المنشاوي بتهمة الشروع في القتل والتزوير الجنائي، ووُضعت داليا تحت حراسة أمنية وطبية مشددة.
بعد أسبوعين…
استردت داليا وعيها بالكامل، وتماثلت للشفاء بفضل البروتوكول الطبي والدعم النفسي.
في صباح يوم مشرق، كانت تجلس على الكرسي المتحرك بجوار شباك الأوضة، وفي إيدها الرسمة البسيطة التي رسمتها ملك: “عشان تعرفي إنك مش لوحدك”.
انفتح الباب، ودخل حسام ومعه باقة ياسمين جديدة، ومسكت ملك وآدم إيديه.
ابتسمت داليا، ولأول مرة ظهرت البريق الحقيقي في عينيها. وقالت بصوت ناعم وقوي:
— حسام… أنا سمعت كل كلمة. سمعت أغنيتك، وحكايتك عن ملك وآدم، وعن خوفك ليلة ما فتحت الباب ولقيته فاضي.
حسام ابتسم بكسوف بسيط ورفع رأسه المرفوعة فوق:
— أنا كنت بس بحاول أرد جزء من الجميل للأوضة دي… وأطمنك إن فيه حد جنبك.
ردت داليا وهي تنظر لملك وآدم بامتنان ومحبة صادقة:
— إنت مش بس طمنتني يا حسام… إنت رجعت لي روحي، وأنقذت حياتي وشركتي من الخيانة.
أصدرت داليا قرارًا رسميًا بتعيين حسام عبد الرحمن رئيساً لقطاع السلامة والهندسة الطبية بكافة مستشفيات مجموعة المنشاوي بمرتب ومكانة فاخرة، وتكفلت برعاية وتأمين المستقبل التعليمي لملك وآدم بالكامل.
ومع مرور الأيام… تحولت تلك اللحظات الإنسانية التي بدأت بـ “دخول أوضة غلط” إلى قصة حب شريفة وصادقة، أصلحت جراح الماضي، وتوجت بالزواج المبارك والبيت الدافئ الذي لم يعد فاضياً أبداً.
ورأس الجميع ظلت مرفوعة للسماء… اتعلم العالم أن الشهامة والنية الصافية واليد الشريفة هما الثروة الحقيقية التي ينصر الله صاحبها ويجعل عاقبته خيراً للأبد.
تمت بحمد الله.





