حكايات بسمه

على كتفها بحنية أصلًا ما كانتش موجودة في شخصيته القديمة، وقعد على طرف السرير وهو لسه ماسك الطفل بيده الثانية، وقال وهو بيبص في عينيها بثبات مفيش حد في الدنيا يقدر ياخد منك ابنك، ولا يقدر ياخد مننا حياتنا. اسمعيني يا نورهان… الاتفاق القديم ده مات، مات من زمان بس أنا كنت غبي ومقلتلكيش.
رفع إيده ولمس خدها بكل رقة التسجيل ده كان حقيقة… بس حقيقة الراجل الميت اللي كنت عليه من ثمانية أشهر. الراجل اللي كان فاكر إن الفلوس والشركات هما كل حاجة. بس أنا اتغيرت. من اليوم اللي شفتك فيه بتراعي أمك، من اليوم اللي حسيت فيه بحركة ابني في بطنك، ومن اللحظة اللي شيلته فيها بين إيدي… أنا بقيت بني آدم تاني.
المحامي طارق قاطعهم بحيرة عمر بيه، الكلام المشاعر ده مش هيأكل مع القاضي. الجلسة المبدئية للطعن قدام المستشار رئيس المحكمة بعد أربعة أيام. فؤاد حاطط كل ثقله في القضية، وجايب أكبر محامين أحوال شخصية وتجارية. عشان نكسب القضية دي ونحمي الشركة ونثبت إن الجواز حقيقي، لازم نثبت إن الجواز ده مش مجرد عقد صوري لغرض الإنجاب… لازم نثبت إنكم زوجين حقيقيين، وإن فيه حياة زوجية مستقرة وعاطفة حقيقية.
نورهان بصت لعمر بعيون مكسورة وقالت ونثبت ده إزاي ونحن أصلًا كتبنا العقد بإننا نتفصل بعد سنة؟ العقد المكتوب بيني وبينك اللي فيه ال 20 مليون جنيه والمواعيد موجود في الخزنة يا عمر! لو فؤاد وصل للورقة دي، يبقى كده كل حاجة انتهت!
عمر بص للمحامي طارق بملامح حادة وزي الصلب العقد ده مش موجود.
نورهان اتفاجئت يعني إيه مش موجود؟
عمر طلع من جيب جاكيته داخلي ولاعة، وقرب من سلة المهملات اللي في الأوضة، وطلع من الجيب التاني الورقة الأصلية للاتفاق اللي كانوا موقعين عليها من ثمانية أشهر… الورقة اللي كانت بتحدد مصير نورهان ومقابل مشاعرها.
بص لنورهان وقال بصوت واثق الورقة دي أنا طلبتها من الخزنة من شهرين… من يوم ما لقيتك بتجهزي شنطتك وقررت أقطع كل حاجة تربطنا بصفقة.
ولّع النار في الورقة ورماها في السلة لحد ما بقت رماد قدام عيونهم.
وقال للمحامي مفيش عقود شروط. فيه عقد جواز شرعي رسمي ومثبت في الدولة. وفيه طفل ولدته زوجتي الشرعية على سنت الله ورسوله. تحضر نفسك يا طارق، الجلسة دي مش مجرد معركة شركات… دي معركة شرف عيلتي وحياتي مع مراتي وابني.
بعد يومين، نورهان خرجت من المستشفى ورجعت القصر، بس المرة دي ما دخلتش كمدبرة بيت ولا حتى كواحدة داخلة لاتفاق غريب… دخلت بصفتها أم زين عمر الدمنهوري، وسيدة القصر.
أول ما دخلت، لقيت الشغالين كلهم واقفين في الصالة الكبيرة، مش عشان ينفذوا أوامر، لكن عشان يستقبلوها بالورود والابتسامات. عمر كان مالي القصر حراسة مشددة، لأن فؤاد بدأ يلعب على المكشوف ويبعت تهديدات غير مباشرة.
في الليل، كان القصر هادي. زين البيبي كان نايم في سريره الصغير جنب سرير نورهان.
دخل عمر الأوضة وهو شايل في إيده صينية فيها أكل دافي وشوربة. قعد جنبها على السرير.
نورهان بصت له باستغراب وقالت عمر… إنت بتعمل إيه؟ الشغالين تحت، كنت خلي حد يطلع الأكل.
عمر ابتسم ابتسامة هادية، وجاب المعلقة وقربها منها الشغالين مالهمش دعوة بمراتي. أنا اللي عايز أعمل ده.
نورهان أكلت منه وهي باصة في عينيه إنت بجد بتتغير يا عمر؟ ولا ده عشان الجلسة اللي بعد بكرة؟
عمر ساب المعلقة، ومسك إيدها الاتنين بقوة ودفا نورهان… يوم ما شيلت زين، حسيت إن ربنا بيدي فرصة ثانية لواحد كان عايش ميّت. أنا طول عمري فاكر إن الناس كلها بتتعامل بالورق والصفقات. داليا مراتي الأولى سابتني أول ما عرفت إن فيه مشكلة في الخلف، وأبويا كان فاكرني مش راجل مسؤول فربط الورث بشرط مادي قاسي… كل حياتي كانت عبارة عن شروط وأرقام. لحد ما دخلتي إنتِ بيتي. شفت فيكي النظافة، الطيبة، والحنية اللي عمري ما شفتها. إنتِ الجوازة الوحيدة اللي غيرتني. أنا مش بقدم العرض ده عشان الشركة… أنا لو خسرت الشركة بكره، مش يهمني… المهم ما أكسركيش ولا أخسر زين ولا أخصرك.
نورهان حست بصدق كلامه، والدموع جمعت في عينيها بس التسجيل يا عمر… التسجيل ده هيخلي القاضي يشك فينا.
سيبك من التسجيل… أنا عندي خطة للجلسة، بس محتاجك تكوني قوية ومعايا.
جاء يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة الابتدائية بالقاهرة.
القاعة كانت زحمة جدًا. الصحفيين والإعلاميين كانوا مالين المكان لأن القضية بتخص واحدة من أكبر العائلات والشركات العقارية في البلد.
فؤاد الدمنهوري كان قاعد في الجانب التاني، وشه ماليانه الغرور والشماتة. كان محاوط نفسه بأكبر المحامين، ومطمن إن كارت التسجيل الصوتي حاسم وهيقضي على عمر ويخليه ياخد كل ملكية مجموعة الدمنهوري.
دخل القاضي، ووقف الجميع احترامًا.
بدأت الجلسة، ووقف محامي فؤاد، وبدأ يتكلم بصوت جهوري سيادة القاضي… موكلي الأستاذ فؤاد الدمنهوري يطالب بتطبيق نص وصية المرحوم الدمنهوري الأب، والتي تنص على انتقال إدارة وأصول المجموعة إلى الوريث الشرعي إذا لم يكن للابن عمر وريث شرعي ناتج عن عقد زواج حقيقي ومستقر خلال عامين. ونحن نقدم لسيادتكم الدليل القاطع على أن الجواز الصوري الذي تم بين المتهم عمر الدمنهوري والسيدة نورهان عبد الرحيم، لم يكن إلا حيلة وتدليس للالتفاف على الوصية!
قدم المحامي ال USB اللي عليه التسجيل الصوتي للمحكمة.
القاضي أمر بتشغيل الشريط.
في القاعة، ارنّ صوت عمر القاسي القديم أنا هتجوزها بس عشان تخلف لي طفل ونخلص من الشرط ده… وتاخد فلوسها وتمشي.
القاعة كلها ضجت بالهمسات. الصحفيين بدأوا يكتبوا بسرعة. وفؤاد ابتسم ابتسامة خبيثة وهو بيبص لعمر ونورهان.
القاضي خبط بالشاكوش هدوء في القاعة!
بص القاضي لطارق محامي عمر وقال ما رد دفاع المدعى عليه على هذا التسجيل الصوتي المنسوب لموكلك؟
وقف طارق، وقال بثبات سيادة القاضي… الدفاع لا ينكر صحة الصوت. نعم، هذا الصوت هو صوت موكلي الأستاذ عمر الدمنهوري.
فؤاد ابتسم بأريحية، لكن طارق كمل كلامه بثقة ولكن هذا التسجيل تم التقاطه بطريقة غير قانونية ودون إذن نيابة، وهو يعبر عن لحظة غضب وضغط نفسي كان يعيشها موكلي قبل الزواج. والأهم من ذلك يا سيادة القاضي… أن العبرة في العقود بالنيات والمقاصد وما آلت إليه الحياة الزوجية الفعلية، وليس بما يُقال في لحظات الشك. ونحن نطلب من المحكمة الموقرة الاستماع إلى شهادة الزوجة نفسها، السيدة نورهان عبد الرحيم.
القاضي بص لنورهان وقال اتفضلي يا سيدة نورهان… اقفي قدام المحكمة.
نورهان وقفت، كانت لابسة فستان أسود بسيط ورافع رأسها بثبات. مشيت لحد منصة الشهادة، وحطت إيدها على المصحف وحلفت اليمين.
القاضي سألها بنبرة جادة هل عقد الزواج بينك وبين الأستاذ عمر الدمنهوري كان مجرد صفقة بمقابل مالي للحصول على طفل كما جاء في التسجيل الصوتي؟
القاعة كلها سكتت. عمر كان باصص لنورهان ودقات قلبه متسارعة، عارف إن الكلمة اللي هتقولها ممكن تغير كل حاجة.
نورهان أخدت نفس عميق، وبصت للقاضي بثبات وقالت سيادة القاضي… التسجيل ده حقيقي. في الأول، لما عمر بيه عرض عليّ الجواز، كان

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *