حكايات بسمه

راجل مصدوم في الناس، راجل عاش حياته فاكر إن كل حاجة بتتشرى بالفلوس. وأنا كمان لما وافقت، كنت مجبرة لأن أمي كانت بين الحياة والموت ومحتاجة عملية في القلب بسرعة.
فؤاد ابتسم، ومحاميه قال أرأيت يا سيادة القاضي؟ اعتراف صريح بالصفقة والصورية!
نورهان رفعت صوتها بثقة وقوة هزت الأوضة اسمعني للأخر يا أستاذ!
رجعت تبص للقاضي وكملت بدموع في عينيها بس بنبرة صادقة ده كان الكلام في الأول قبل ما نعرف بعض وقبل ما نعيش تحت سقف واحد. بس الجواز مش كلام على ورقة ولا شريط متسجل في السر. الجواز حياة… عمر الدمنهوري اللي كان فاكر إنه بيعمل صفقة، هو نفسه الراجل اللي كان بيصحى في نص الليل لما يتعب ابني وهو في بطني، هو الراجل اللي وقف على رجليه ثمان ساعات قدام غطاء العمليات وبيدعي ربنا أخرج بالسلامة… عمر الدمنهوري هو الراجل اللي بكى بدموع عيونه لما شال ابنه زين وقطع الورقة اللي كان فيها شروط الاتفاق قدام عيني ومن غير ما أطلب منه!
طلعت نورهان من شنطتها مجموعة صور ومستندات وقدمتها للقاضي دي أوراق عملية أمي اللي عمر دفع ثمنها من ماله الخاص كزوج وعائل، ودي صور خطوبتنا العائلية وصور حياتنا في البيت على مدار ثمانية أشهر… ودي شهادة ميلاد ابني زين عمر الدمنهوري. أنا أصلًا مش شغالة عنده دلوقتي، أنا مراته المسؤولة عن بيته وعن ابنه… ولو كان فيه صفقة، فالصفقة دي اتلغت من أول يوم حسيت فيه بحنيته عليّ وعلى ابني. أنا بحب جوزي، وهو بيحبني وبيحب ابنه… وأي كلام عن صورية الجواز هو مجرد حقد من ناس عايزه تهد البيت ده عشان تاخد قرشين!
القاعة كلها اتملت بالهمهمات، والقاضي مسك الأوراق والصور وبدأ يقلب فيها بدقة وهو شايف الصدق في عيون نورهان ولهجتها.
وقف طارق وقال سيادة القاضي… أطالب بطلب أخير. أطالب المحكمة بمنح المستشار الطب الشرعي والأطباء المباشرين للحالة حق تقديم تقرير عن حالة الطفل وحضور الأب والأم، وتأكيد أن الحياة الزوجية قائمة بالفعل وليست صورية كما يدعي الخصم.
القاضي خبط بالشاكوش رفعت الجلسة للمداولة وإصدار القرار في نهاية اليوم.
خلال ساعات المداولة الصعبة، عمر ونورهان كانوا قاعدين في غرفة الانتظار في المحكمة.
عمر مسك إيد نورهان وباسها بكل امتنان أنا مش عارف أقولك إيه يا نورهان… الكلام اللي قلتيه قدام القاضي…
نورهان ابتسمت بحب ورقة أنا مقلتش غير الحقيقة يا عمر. إنت فعلاً اتغيرت، وأنا مش مستعدة أضحي ببيتي ولا بجوزي ولا بابني عشان واحد زي فؤاد.
في اللحظة دي، دخل المحامي طارق وهو بيضحك ومبسوط ابشروا! القاضي طلع القرار!
خرجوا جميعًا للصالة الكبرى للاستماع للحكم.
القاضي جلس على المنصة، وعم الهدوء التام في القاعة.
بدأ القاضي يقرأ الحيثيات بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع شهادة الزوجة السيدة نورهان عبد الرحيم، والاستماع للتسجيل الصوتي المرفق… تبين للمحكمة أن عقد الزواج المستوفى لأركانه الشرعية والقانونية الصادر بين الطرفين هو عقد صحيح ونافذ. وإن ما ورد في التسجيل الصوتي لا يعدو كونه حديثًا سابقًا لإبرام العقد وتغيرت مقاصده بالمعاشرة الزوجية الفعليه وإنجاب الطفل زين. وحيث إن الشروط الواردة في وصية المتوفى قد تحققت بوجود وريث شرعي مباشر ومولود من زواج صحيح… حكمت المحكمة بطلب رفض دعوى البطلان المقامة من المدعي فؤاد الدمنهوري، وتثبيت ملكية ووراثة الطفل زين عمر الدمنهوري وتثبيت إدارة الأستاذ عمر الدمنهوري للمجموعة، وإلزام المدعي بالمصاريف والأتعاب!
ضجت القاعة بالصياح والتهاني!
فؤاد وشُه بقى أزرق من الغضب، وبص لعمر ونورهان بنظرة كره وهز رأسه ومشي وهو بيتجرجر ورا محامينه المهزومين.
عمر بصل نورهان، ومن غير ما يتردد ولا يهتم بالصحافة والكاميرات، ضمها لحضنه بقوة ودموع الفرحة في عينيه الحمد لله… الحمد لله يا نورهان. إنتِ أنقذتيني وأنقذتي عيلتنا.
نورهان ضحكت وهي في حضنه إحنا بننقذ بعض يا عمر… دي البداية بس.
بعد مرور سنتين…
في حديقة القصر الكبير بالقاهرة، الشمس كانت دافية، والورد مالئ المكان.
كان فيه صوت ضحكات طفل صغير بيجري في الجنينة. زين بقى عنده سنتين، بيجري ورجليه الصغيرة بتخبط في النجيل، ووراه بيلعب معاه عمر، اللي قلع جاكيت البدلة ورمى النظارة الشمسية على الترابيزة ونازل على ركبه بيجري ورا ابنه بيضحك من قلبه.
نورهان كانت واقفة في البلكونة الكبيرة، لابسة فستان أبيض هادي، ماسكة كوباية شاي وباصة عليهم بابتسامة مليانة رضا وسعادة. أمها كانت قاعدة جنبها على الكرسي، بصحة ممتازة بعد ما تعافت تمامًا من العملية.
أم نورهان ابتسمت وقالت شفتي يا نورهان؟ سبحان مغير الأحوال… مين كان يصدق إن الراجل الصارم الماليش في الكلام ده، يبقى بالطفولة والحنية دي مع ابنك؟
نورهان بصت لأمها وقالت الحب بيغير الحجر يا أمي. عمر ما كانش شرير، كان بس محتاج حد يفهمه ويحسسه بالأمان من غير مقابل.
نزل عمر من على النجيل، وشال زين على كتافه، وجري بيه لحد ما طلع البلكونة.
قرب من نورهان، وحط زين في حضنها، وبص في عينيها بحب كبير وقال بتتفرجي علينا من بعيد ليه يا سيادة السيدة الدمنهوري؟
نورهان ضحكت ورجعت شعرها لورا بتفرج على أحلى حاجة طلعت بيها من الدنيا.
عمر مسك إيدها، وبص للشمس اللي بتغرب ورجع بص لنورهان وقال إنتِ مش بس جبتيلي وريث للشركة يا نورهان… إنتِ رجعتيلي روحي، وعلمتيني إن أعظم صفقة في الحياة هي الصفقة اللي بتكسب فيها قلب يحبك بجد.
زين حط إيديه الصغيرة على خدود أبوه وأمه وضحك ضحكته البريئة، وعمر قرب من نورهان وباس رأسها، وعاشوا حياة هادية ومليانة بالحب والصدق، بعد ما اندفنت الصفقة القديمة للأبد، وحلت محلها عيلة حقيقية مبنية على الأمان والتضحية.
تمت بحمد الله





