فرح سلفي بقلم مني السيد 1

حكايات مني السيد
فرح سِلْفي الصغير كان بكرة، ويوم الحنة كان البيت مقلوب حرفيًا.
أخو جوزي كان دابح عجل جاموسي، وجايب طباخ مخصوص، وكميات أكل تكفي جيش، ووجبات متجهزة، وساقع وحلويات، والبيت كله زغاريد وهيصة وناس رايحة وناس جاية.
ومن قبل الفجر وإحنا كلنا نازلين نخدم جنب الطباخ.
من ساعة ما نزلت وأنا ما قعدتش دقيقة.
أقطع، وأغسل، وأرتب، وأشيل، وأدخل وأطلع، وكل شوية حد يناديني
هاتِ دي يا بنتي.
حطي دي هنا.
ساعدي الطباخ.
وكنت بعمل كل ده وأنا بقول لنفسي
معلش… دي فرحة أخو جوزي، والفرحة تستاهل.
لحد ما خلصنا تقريبًا، والأكل بدأ يتقدم للمعازيم.
ساعتها افتكرت بناتي اللي فوق.
البنات كانوا من الصبح محرجين ينزلوا وسط الزحمة، وأنا عارفة إنهم جعانين.
روحت جبت صينية، وحطيت فيها عشر وجبات، وكام زجاجة ساقع، وقلت أطلعهم فوق ونقعد ناكل سوا.
لسه هطلع السلم، لقيت أخت جوزي بتقول
استني… من فضلك، ما تطلعيش حاجة فوق.
وقفت وبصيتلها باستغراب
ليه؟
قالت
ينزلوا ياكلوا تحت.
قولتلها
البنات محرجة تنزل، وأنا هاكل معاهم فوق.
ردت بمنتهى الحسم
لا.
قولتلها
يعني إيه لا؟
بصت للصينية وقالت
وغيرك يبصلك… مينفعش.
وقفت ثواني مش عارفة أرد.
يعني أنا من الفجر بخدم في فرحة أخوها، ولما حبيت آخد أكل لعيالي بقت المشكلة إني أطلع فوق؟
بصيتلها وقلت
تمام.
ومديتلها الصينية
شيلي كده.
خدتها مني.
ابتسمت ابتسامة باردة وقلت
شكرًا.
وطلعت فوق بإيدي فاضية.
أول ما دخلت، البنات جريوا عليا
ماما، الأكل فين؟
قولتلهم
هعملكم حاجة هنا.
دخلت المطبخ، ولقيت مفيش حاجة تقريبًا.
عملتلهم مكرونة، وقعدت آكل معاهم بالعافية.
واللي وجعني أكتر من الجوع إن محدش سأل علينا.
ولا حد خبط على الباب.
ولا حد قال لنا حتى أكلتوا؟
فضلنا كده لحد المغرب.
وفجأة جوزي اتصل
إنتِ فين؟ مش شايفك تحت.
حكيتله اللي حصل.
أول ما خلصت، صوته اتغير
إيه؟ هي منعتك تطلعي الأكل؟
وبعدها بدقايق لقيته طالع لنا شايل أكل كتير.
حطه قدامي وقال
كلي.
قولتله
خلاص… ماليش نفس.
قال وهو متضايق
إنتِ ما غلطتيش في حاجة. كلي وبلاش تزعلي نفسك.
بس أنا كنت خلاص، الغل واكل قلبي.
طول الليل وأنا بلف في السرير، مش عارفة أنام. كل ما أفتكر جملتها وغيرك يبصلك… مينفعش، أحس إن في حاجة غلط.
حتى الصبح، ماكانش ليا نفس أحط كحل في عيني.
لكن عشان خاطر جوزي، استعوضت ربنا وقلت
هروح الفرح وخلاص.
لبست أحسن ما عندي، وظبطت بناتي، ونزلت القاعة وأنا رافعة راسي.
بس يا ريتني ما روحت…
مع أول دقيقة لدخول العريس والعروسة على الكوشة، النور طفى، والموسيقى بقت بترج القاعة.
وفجأة…
صرخة هستيرية شقت المكان كله!
ناس بدأت تجري وتصرخ، وكراسي اتقلبت، وأطفال عيطت، والكل بيدور على باب يهرب منه.
وفجأة النور ضرب في نص الصالة.
وقفت متسمرة مكاني…
الدم نشف في عروقي من هول المنظر.
الكارثة دخلت علينا الفرح.
المعازيم سابوا الكوشة وجروا في الشوارع، والعروسة كانت بتصرخ، وسِلْفي الصغير أول ما شاف اللي حصل…
وقع من طوله ومغمى عليه.
وأنا واقفة ماسكة إيد بناتي، مش قادرة أتحرك ولا حتى أصرخ.
لأن في اللحظة دي، افتكرت يوم الحنة…
وافتكرت أخت جوزي وهي بتمنعني أطلع الأكل فوق.
وساعتها فهمت إن اللي حصل يوم الحنة…
ماكانش مجرد موقف سخيف.
كان وراه سر… وسر خطير جدًا، ظهر قدام عيني في ليلة الفرح.
الفصل الثاني
النور اللي ضرب فجأة في نص الصالة ماكانش نور عادي، كان كشاف أبيض ساطع مسلط على باب القاعة الرئيسي، والصوت اللي شق المكان ما طلعش من واحدة من المعازيم، ده كان صريخ ست شايلة على إيدها عيل صغير ملفوف في بطانية بيضا متبهدلة، وجنبها راجلين شكلهم غريب، هدومهم بسيطة ودخلتهم على القاعة فيها غضب كفيل يهد الحيطان.
الست كانت بتزعق بأعلى صوتها، صوت يشرخ القلب، وإيدها التانية كانت رافعة قسيمة جواز رسمي خضرا في وش الكل فين العريس؟ ودوّه فين؟ فاكرين الفرح هيكمل على دم قلبي وبيتي اللي اتهد؟ ده جوزي وأبو ابني على سنة الله ورسوله!
المعازيم في الأول افتكروا خناقة عادية أو ناس جاية تبلطج، بس أول ما الست دي قربت من الكوشة ورمت البطانية من على وش العيل ورفعته لفوق، القاعة كلها اتقبضت. العيل كان ابن شهور، وشه شبه سلفي الصغير نسخة طبق الأصل، كأنه مقطوع من وشه بالمللي!
سلفي كان مرمي على الأرض جنب الكوشة، وشه أصفر زي الليمونة بعد ما أغمى عليه، والعروسة كانت ماسكة ديل فستانها الأبيض وبتصرخ صريخ هيستيري، وأهلها اتلموا حواليها مذهولين، وأبو العروسة مسك في خناق جوزي وحمايا وهو بيزعق بنتي جالها إيه؟ مين دي اللي داخلة بعيل وقسيمة جواز في ليلة دخلة بنتي؟ انطقوا!
أنا كنت واقفة متسمرة، كل عصب في جسمي مشدود، وإيدي بتعصر على إيدين بناتي لدرجة إن البنت الصغيرة دمعت وقالت لي بصوت واطي ماما، إيدك بتوجعني… في إيه يا ماما؟ مين دي؟
نزلت على ركبي بالعافية وضميتهم لصدري، ورفعت عيني أدور على أخت جوزي، صفاء.
عيني جت في عينها بالصدفة. صفاء كانت واقفة ورا عمود من عواميد القاعة، ورا الكوشة بشوية. وشها ماكانش فيه صدمة، ولا خوف من الفضيحة زي الباقيين. وشها كان فيه رعب من نوع تاني خالص… رعب واحدة اتكشفت! عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين الست دي وبين العيل، وشفايفها بتترعش من غير ما تنطق ولا كلمة.
وساعتها، فلاش باك سريع ضرب في دماغي زي السكينة.
يوم الحنة… الصبح بدري. .. لما كنت شايلة الصينية وفيها العشر وجبات وطالعة بيهم السلم لبناتي، ووقفتني صفاء بمنتهى
لمحة نيوز





