العاجز

الرجل اللي أنقذته من الموت واكتشفت إنه كان هارب من حياته كلها
وقفت قدام رودري وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
سلمى لو سألوك عني، قولي لهم إني مت من شهرين.
فضلت باصة له ثواني طويلة، كأني مستنية يضحك ويقول إنه بيهزر.
لكنه ما ضحكش.
كان واقف عند الشباك، وشه شاحب، وإيده ماسكة طرف الستارة بقوة، وعينيه مثبتة على المروحية اللي بدأت تنزل في الأرض الزراعية ورا البيت.
قلت بصوت واطي
إنت عايزني أكذب عليهم؟
هز راسه.
أيوه.
وليه؟
لف ناحيتي، وسكت شوية قبل ما يقول
لأنهم لو عرفوا إني عايش هيرجعوني.
يرجعوك فين؟
بص للأرض.
البيت اللي هربت منه.
استغربت أكتر.
إنت كنت عايش فين أصلًا؟
ما ردش.
صوت المروحية كان بيعلى، والهواء اللي بتعمله بدأ يحرك الشجر والتراب حوالين البيت.
أنا ما كنتش فاهمة حاجة.
كل اللي أعرفه إن الراجل اللي دخل بيتي من كام يوم وهو شبه فاقد الوعي، دلوقتي فيه ناس جايين بطائرة مخصوص عشانه.
وده معناه إن رودري ما كانش شخص عادي أبدًا.
سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت.
وبعدها خبطتين على الباب.
بصلي رودري.
افتكري اللي قلتلك عليه.
بس أنا مش هكدب كده من غير ما أفهم.
قرب مني وقال
مش بطلب منك تصدقيني.
وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة.
بطلب منك بس تديني فرصة أشرح.
خبطوا تاني.
فتحت الباب.
لقيت قدامي ست في أواخر الأربعينات، لابسة بدلة أنيقة جدًا، ومعاها راجلين وست تانية.
الست بصتلي من فوق لتحت، وبعدها قالت بهدوء
إنتِ سلمى عبد

الرحمن؟
هزيت راسي.
أيوه.
إحنا بندور على شخص اسمه رودري.
اتظاهرت إني مش فاهمة.
رودري مين؟
الست بصت ورايا.
وبعدين قالت
الرجل اللي موجود عندك.
قلبي دق بسرعة.
لكن قبل ما أتكلم، خرج رودري من الصالة.
أول ما الست شافته، وقفت مكانها.
ووشها اتغير.
ما قالتش أي كلمة.
رودري هو كمان فضل ساكت.
وبعد ثواني قالت
كنت عارفة إنك هتظهر في يوم.
رودري رد بصوت هادي
وأنا كنت عارف إنكم هتوصلوا لي.
بصيت بينهم.
ممكن حد يفهمني؟
الست أخدت نفس عميق وقالت
اسمه مش رودري.
رودري قفل عينيه لحظة.
أما أنا فحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
قالت الست
اسمه رامي نجيب.
بصيت لرودري.
رامي؟
هز راسه.
أيوه.
طب رودري ده إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
اسم استخدمته وأنا بهرب.
الست كملت
رامي كان واحد من أشهر المهندسين المصريين اللي اشتغلوا في مشروعات المياه والطاقة في المنطقة.
ضحكت من شدة الصدمة.
مهندس؟
رودري هز راسه.
مهندس.
بصيت له من فوق لتحت.
الراجل اللي كان بينام على كنبة قديمة، وياكل من طبقي، وبيشيل شوال العلف وهو رجله لسه بتوجعه مهندس مشهور؟
قلت
طيب وإنت هربت ليه؟
الست بصت له.
وبعدين قالت
لأنه اتعرض لضغط كبير عشان يوافق على مشروع هو شايف إنه هيضر قرى كاملة.
سكتُّ.
مشروع إيه؟
رامي رد بنفسه
مشروع لتحويل مجرى مية في المنطقة الجبلية.
وإيه المشكلة؟
المشكلة إن الناس اللي عايشة هناك كانت هتخسر مصدر المية الأساسي.
الست كملت
رامي رفض يوقّع على التقرير النهائي.
بصيت له.
فعملت إيه؟
قال
استقلت.
وبعدين؟
وبعدين اختفيت.
كل ده عشان مشروع؟
هز راسه.
بالنسبة لي ما كانش مجرد مشروع.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا اتربيت في قرية صغيرة. وعارف يعني إيه المية تختفي من المكان اللي عايش فيه الإنسان. عارف يعني إيه أم تمشي مسافة طويلة عشان تجيب جردل مية، وعارف يعني إيه أرض تفضل سنة كاملة من غير زرع.
بصيت له.
ولأول مرة فهمت ليه كان بيتعامل مع القرية كأنه واحد منها.
مش لأنه ما يعرفش يعيش في المدن.
لكن لأنه كان يعرف قيمة الحاجة الصغيرة اللي الناس هناك شايفينها عادية.
قالت الست
إحنا مش جايين ناخده غصب عنه.
بصيت لها باستغراب.
أمال جايين ليه؟
عشان نقوله إن المشروع اتوقف.
رامي رفع عينيه بسرعة.
اتوقف؟
أيوه.
سكت.
الجهة المسؤولة راجعت الدراسات من جديد، وبعد اعتراضات كتير، اتقرر إعادة تصميم المشروع بالكامل.
رامي ما اتكلمش.
الست قربت منه خطوة.
إحنا كنا بندور عليك عشان نطلب منك ترجع وتشارك في التصميم الجديد.
رامي ضحك ضحكة قصيرة.
بعد ما اختفيت شهرين؟
إنت ما اختفيتش بالنسبة لنا بس.
أمال؟
اختفيت بالنسبة لعيلتك.
الجملة دي خلت وشه يتغير.
بص للأرض.
سألته
عيلتك؟
ما ردش.
الست قالت
رامي عنده أم كبيرة في السن وأخت صغيرة، وكانوا فاكرين إنه مات.
بصيت لرودري.
إنت ما قلتليش إن عندك أهل.
قال بهدوء
ما كنتش عايز أفتكر.
ليه؟
لأن كل مرة كنت بفتكرهم كنت بحس إني ظلمتهم لما اختفيت.
قعدت على الكرسي.
الموضوع كله كان أكبر بكتير من اللي تخيلته.
وبعد ما الناس مشيت، فضلت أنا ورامي قاعدين في الصالة.
البيت كان هادي.
المروحية اختفت.
والقرية رجعت لطبيعتها.
لكن أنا ما رجعتش لطبيعتي.
قلت له
إنت كنت ناوي تفضل هنا قد إيه؟
ابتسم.
لحد ما أقدر أرجع.
وترجع فين؟
مش عارف.
طيب دلوقتي عرفت.
سكت.
وبعدين قال
أيوه.
وهترجع؟
فضل باصص للشباك.
لازم.
ما زعلتش.
الغريب إني كنت متوقعة إني هزعل.
لكن اللي حسيت بيه كان حاجة تانية.
كنت سعيدة عشانه.
لأن الشخص اللي دخل بيتي وهو هارب، أخيرًا بقى عنده مكان يقدر يرجع له.
لكن قبل ما يمشي، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
رامي حط الكراسة قدامي.
وقال
أنا مدين لك بحقيقة كاملة.
فتح أول صفحة.
وكتب
أنا ما كنتش عايش في الكهوف كل الفترة دي.
بصيت له.
يعني إيه؟
كنت بتتنقل بين أماكن كتير. بشتغل أي شغلانة بسيطة، وأغير اسمي كل فترة.
ليه؟
عشان ما حدش يعرف أنا فين.
وإنت كنت ناوي تفضل هارب للأبد؟
هز راسه.
كنت فاكر إني لو اختفيت كفاية، كل حاجة هتهدى.
وهديت؟
ابتسم.
لأ.
طب إيه اللي خلاك توقف؟
بصلي.
إنتِ.
استغربت.
أنا؟
أيوه.
عملت إيه؟
فكرتيني إني مش لازم أفضل لوحدي.
سكت.
لما كنت كل شوية تصحي تشوفي حرارتي، ولما كنتِ تزعقيلي عشان رجلي، ولما كنتِ تحطيلي الأكل وتفضلي قاعدة بعيد عشان ما تحسسينيش إني عبء
ابتسم.
حسيت إني لسه بني آدم.
ما عرفتوش أرد.
اليوم اللي بعده، مشي رامي.
قبل ما يخرج من باب البيت، وقف وبص للمكان.
قال
هفتكر البيت ده طول عمري.
ضحكت.
عشان الكنبة القديمة؟
ضحك لأول مرة بصوت واضح.
عشان صاحبة الكنبة.
وبعدين خرج.
من يومها، رجعت حياتي هادية.
رجعت للخياطة.
رجعت للحسابات.
رجعت أشرب الشاي مع طنط فاطمة كل يوم العصر.
لكن كان
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *