العاجز

فيه حاجة ناقصة.
صوت خطوات في طرقة البيت.
صوت الكراسة وهي بتتقلب.
صوت رامي وهو بيحاول ينطق الكلمات بعد أيام من الصمت.
عدى أسبوع.
وبعدين أسبوعين.
وفي يوم وأنا قاعدة قدام ماكينة الخياطة، سمعت خبط على الباب.
قمت أفتح.
لقيت ست كبيرة واقفة قدامي.
كانت لابسة جلابية بسيطة، وفي إيدها كيس صغير.
بصتلي وقالت
إنتِ سلمى؟
هزيت راسي.
أيوه.
ابتسمت.
أنا أم رامي.
اتجمدت.
رامي؟
هزت راسها.
أيوه.
دخلتها البيت.
قعدت قدامي.
وبعدين مسكت إيدي.
أنا جاية أشكرك.
قلت بسرعة
أنا ما عملتش حاجة.
قالت
إنتِ عملتي أكتر مما تتخيلي.
وسكتت شوية.
ابني رجعلي.
نزلت عيني.
قالت
هو كان فاكر إنه لازم يحل كل حاجة لوحده.
ابتسمت بحزن.
وده أكبر عيب فيه.
ضحكت.
فعلاً.
ضحكت هي كمان.
وبعدين طلعت من شنطتها ظرف.
مدتهولي.
ده إيه؟
افتحيه.
فتحته.
لقيت صورة قديمة لرامي وهو أصغر، واقف جنب والدته وأخته.
وبصراحة
ما عرفتش أضحك ولا أعيط.
كان مختلف تمامًا.
في الصورة كان لابس قميص أبيض، وشعره مرتب، وواقف واثق من نفسه.
قلت
ده كان شكله كده؟
ضحكت أمه.
كان فاكر نفسه وسيم.
قلت
كان فاكر بس؟
ضحكنا إحنا الاتنين.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتي بعيلته.
أخته كانت بنت لطيفة جدًا اسمها نور.
كانت بتشتغل مدرسة في مدرسة ابتدائي.
وأمه كانت ست بسيطة بتحب الكلام والضحك.
وبعد فترة، عرفت إن رامي رجع شغله.
لكن بدل ما يرجع للمشروع القديم، بدأ يشتغل على مشروع جديد.
مشروع لتوصيل المياه للقرى الصغيرة باستخدام حلول بسيطة وتكلفة قليلة.
ولأول مرة، فهمت ليه كان متعلق بالمكان اللي أنا عايشة فيه.
لأنه كان شايف في القرى دي حاجة أكبر من مجرد بيوت وأراضي.
كان شايف ناس.
بعد حوالي شهر، كنت راجعة من السوق، لقيت عربية واقفة قدام البيت.
رامي نزل منها.
بصلي وقال
وحشتيني.
وقفت مكاني.
ما كنتش متوقعة الكلمة.
قلت
إنت جيت ليه؟
قال
عشان أشوفك.
بس؟
ولأني عندي خبر.
إيه؟
أنا هبدأ المشروع الجديد من هنا.
ابتسمت.
من الفيوم؟
أيوه.
يعني هتفضل؟
هز راسه.
المرة دي مش ههرب.
سكتُّ.
وبعدين قلت
كويس.
دخل البيت.
وقعدنا على نفس الترابيزة اللي كان بيقعد عليها وهو مصاب.
بص للمكان.
وقال
فاكرة أول مرة قعدنا هنا؟
فاكر إنت؟
فاكر كل حاجة.
حتى الشاي الوحش؟
بصلي باستنكار.
الشاي كان وحش فعلًا.
ضحكت.
طب ما كنت قولت!
كنت محتاج أعيش الأول.
ضحكت أكتر.
وبعدها سكتنا.
كان فيه هدوء غريب.
النوع اللي ما يبقاش محرج.
قال
سلمى.
نعم؟
أنا عايز أسألك سؤال.
اسأل.
لو أنا ما كنتش اختفيت وقتها ولو حياتي ما كانتش اتقلبت ولو كنت قابلتك في ظروف عادية
سكت.
وبعدين قال
كنتِ ممكن تقبلي تعرفيني؟
قلبي دق.
ما جاوبتش بسرعة.
بصيتله.
يمكن.
ابتسم.
يمكن دي أحسن كلمة سمعتها من يوم ما رجعت.
ومن هنا بدأت حاجة جديدة بينا.
مش حب سريع.
ومش كلام أفلام.
ولا وعود كبيرة.
كانت مجرد معرفة بطيئة.
هو يساعدني في شغلي.
وأنا أساعده في ترتيب أوراق المشروع.
هو يجيبلي قهوة من البلد.
وأنا أصر عليه ياكل قبل ما ينشغل.
وبعد شهور، بدأ الناس في القرية يتكلموا.
طنط فاطمة قالتلي يوم
يا بنتي، هو الراجل ده بييجي عندك كل يوم ليه؟
قلت
عشان الشغل.
بصتلي بنظرة طويلة.
أيوه طبعًا الشغل.
ضحكت.
وفي يوم، رامي جه ومعاه أمه وأخته.
قعدوا معايا ومع طنط فاطمة.
والدته قالت
إحنا جايين نطلب حاجة.
بصيتلها.
إيه؟
قالت
إنتِ.
اتوترت.
رامي كان ساكت.
أخته نور كانت بتضحك.
قلت
أنا؟
قالت
ابني عايز يتجوزك.
بصيت لرامي.
قال بهدوء
بس لو إنتِ موافقة.
سكتُّ فترة.
وبعدين قلت
أنا عندي شرط.
رامي ابتسم.
قولي.
مفيش اختفاء.
ضحك.
وعد.
ومفيش أسماء غريبة.
ضحك أكتر.
اسمي رامي.
ومفيش نوم على الكنبة.
أمه ضحكت.
دي أهم حاجة.
وبعدها وافقت.
اتجوزنا بعد كام شهر.
وكان فرح بسيط في نفس القرية.
ما كانش فيه مظاهر كبيرة.
ولا ناس كتير.
بس كان فيه كل الأشخاص اللي كانوا جزء من الحكاية.
طنط فاطمة.
الحاج إسماعيل.
نور.
أم رامي.
وأنا.
ورامي.
بعد الجواز، رامي كمل مشروعه.
وبعد سنتين، المشروع نجح.
مش بس في قريتنا.
اتطبق في قرى تانية.
وفي يوم من الأيام، رجع البيت وهو ماسك ورقة.
قال
اقري.
مسكتها.
كان مكتوب فيها إن المشروع أخد جائزة تقدير على مستوى الجمهورية.
بصيت له.
مبروك.
قال
إنتِ السبب.
أنا؟
لو ما كنتيش فتحتي الباب في الليلة دي، كان ممكن أفضل مستخبي لحد النهارده.
ابتسمت.
يمكن كنت هتفضل رودري.
قال
لأ.
ليه؟
بصلي.
عشان رودري مات فعلًا.
استغربت.
إمتى؟
ابتسم.
يوم ما دخلت بيتك.
سكتنا.
وبعدها مسكت إيده.
وقلت
رامي؟
نعم؟
فاكر أول يوم لما سألتك إنت مش خايف إني أطلب منك تمشي؟
هز راسه.
فاكر.
أنا وقتها كنت خايفة منك.
رفع حاجبه.
إنتِ قولتي لأ.
ضحكت.
كنت بكدب.
ضحك.
وبعدين قال
وأنا كنت خايف منك أكتر.
مني؟
أيوه.
ليه؟
لأنك أول واحدة شافتني وأنا ضعيف، ومع ذلك ما بصتيش لي كأني شخص ناقص.
فضلت ساكتة.
وبعدين قلت
إنت ما كنتش ناقص.
كنت تايه.
وإحنا كلنا بنتوه.
مسك إيدي.
بس مش كلنا بنلاقي باب مفتوح.
بعد خمس سنين، كان البيت اتغير تمامًا.
الكنبة القديمة راحت.
المطبخ اتجدد.
لكن الكراسة فضلت موجودة.
حطيناها في درج صغير.
كل أول صفحة فيها كانت تحمل الكلمات اللي كتبها
شكرًا أنا رودري.
وفي آخر صفحة، رامي كتب جملة جديدة
اسمي رامي نجيب وأنا أخيرًا رجعت بيتي.
وكنت كل ما أقرأها أبتسم.
أما الحكاية اللي بدأت برجل غريب مرمي جنب سور بيت في ليلة شتا
فما انتهتش بجريمة.
ولا انتقام.
ولا خيانة.
انتهت بحاجة أبسط بكتير.
بإنسان كان فاكر إن الهروب هو الحل الوحيد، واكتشف إن أحيانًا الإنسان مش محتاج يهرب من حياته
هو بس محتاج حد يفتح له باب، ويقوله
ادخل إنت مش لوحدك.
أما أنا، سلمى عبد الرحمن، فكنت فاكرة إني أنقذت رجلًا غريبًا في ليلة مطر.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أنا ما أنقذتش رامي لوحدي.
رامي هو كمان أنقذني.
أنقذني من الوحدة اللي كنت عايشة فيها من بعد موت حسام، ومن فكرة إن الحياة لازم تفضل ناقصة لمجرد إن شخصًا رحل.
علّمني إن القلب ممكن يبدأ من جديد، من غير ما ينسى اللي فات.
وإن البيت مش أربع حيطان.
البيت هو المكان اللي تقدر تكون فيه على حقيقتك، من غير خوف، ومن غير ما تضطر تشرح نفسك طول الوقت.
وفي ليلة شتوية، بعد سنين من اللي حصل، كنا قاعدين قدام البيت.
رامي كان ماسك كوب الشاي.
بص للسماء وقال
فاكرة الليلة الأولى؟
قلت
مستحيل أنساها.
قال
لو الزمن رجع بيا، كنت هعمل نفس الحاجة.
ضحكت.
هتنام على الكنبة؟
لأ.
هتهرب من البيت؟
لأ.
أمال هتعمل إيه؟
بصلي وقال
هخبط على الباب من الأول.
قلت
وأنا كنت هفتح.
ابتسم.
وبينما إحنا قاعدين، بدأت نقطة مطر تنزل على إيدينا.
بصيت له.
قال
ندخل؟
قلت
لأ.
ليه؟
ابتسمت.
خلينا نفتكر الليلة اللي
بدأت فيها الحكاية.
فضلنا قاعدين.
والمطر زاد.
لكن المرة دي
ما كانش فيه خوف.
ولا هروب.
ولا أسرار.
بس بيت دافي، وراجل رجع لحياته، وست اكتشفت إن قلبها لسه قادر يحب، وقرية صغيرة شهدت إن أحيانًا أغرب بداية ممكن تكون سبب لأجمل نهاية.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه أغرب حاجة حصلتلك في حياتك؟
ببتسم وأقول
في ليلة شتا، لقيت راجل غريب قدام باب بيتي وبعد سنين اكتشفت إني ما كنتش بفتح له باب بيتي.
كنت بفتح له باب حياة جديدة.
وتنتهي الحكاية هنا لكن أثرها فضل عايش فينا كلنا.



