روايه كامله للكاتبه نريمين عادل همام

الڤويس نزل عليا زي المية الساقعة الساعة 2:17 بعد نص الليل، في الوقت اللي كنت فاكرة فيه إن نيرة، مرات أخو جوزي، لسة غايبة عن الوعي في العناية المركزة. الڤويس كان تسع ثواني بس. سمعته ثلاث مرات ورا بعض قبل ما أستوعب إن النفس الضعيف ده نفس نيرة.
— يا مريم… أوعي تقولي لطنط ثريا إني فقت. أرجوكي. هي اللي زقتني.
إيدي أتلجت في مكانها. ثريا دي تبقى حماتي. الست اللي كل العيلة بيلقبوها بـ “الملاك”.
لحد الليلة دي، أنا كمان كنت شايفاها كده.
أول ما عرفت عيلة كريم جوزي، ثريا دخلت قلبي من أول دقيقة. ست مريحة وتدخل القلب، عايشة في المعادي في بيت قديم دورين مليان زرع وورد، وصور العيلة مغطية الحيطان، والمطبخ دايماً ريحته قهوة بالحبهان ومخبوزات صابحة. هي مش الأم البايولوجية لكريم ولا لأخوه هشام؛ أمهم اتوفت وهم صغيرين، وأبوهم “عم طاهر” اتجوز ثريا بعد وفاتها بسنتين.
كريم كان دايماً بيتكلم عنها بكل امتنان:
— عمرها ما حسستنا إننا ولاد جوزها. لما حد بيسألني مين أمك، بفتكر ثريا على طول.
وهشام كان بيقول نفس الكلام. ولما عم طاهر تعب بالقلب وبعدها حركة رجليه تقلت، ثريا تحولت قدام الناس كلها للست الأيلة اللي مفيش منها. هي اللي بتظبط المواعيد، تطبخ الأكل الهادي، تقلب المخاد، ورافضة تماماً إن حد يشيل عنها خطوة.
الجران في المعادي كانوا بيحلفوا برأسها، والقرايب بينبهروا بيها. في كل عزومة لازم حد يقول: “مش أي حد يربي ولاد مش ولاده، ويشيل جوزه العيان كل السنين دي بطولها”.
أنا نفسي كنت بشوفها مثالي الأعلى.
الوحيدة اللي مكانتش مقتنعة بالصورة دي هي نيرة، مرات هشام.
نيرة كانت هادية، طبعها سكتي ومبتحبش المشاكل. عمرها ما اتخانقت مع ثريا قدام حد، بس أنا بدأت ألاحظ حركات غريبة: لما ثريا تتكلم في التليفون بصوت واطي، نيرة تسرح وتركز معاها؛ لما ثريا تشيل أوراق وتدخل بيها أوضتها، عين نيرة تفضل متبعاها؛ ولما حد يجيب سيرة تعب عم طاهر، نيرة تكتم نفسها وتضم شفايفها.
في يوم، ونحن بنغسل الأطباق بعد غدا العيلة، اتجرأت وسألتها:
— هو أنتِ متضايقة من طنط ثريا في حاجة يا نيرة؟
نيرة سكتت شوية وهي بتنشف الكوباية.
— لا، مش فكرة متضايقة.
— أمّال في إيه؟
حطت الكوباية في الدرفة وبصت لي في عيني لأول مرة بجد:
— هقولك كلمة واحدة يا مريم.. أوعي تلخبطي بين السمعة الحلوة والوش الحقيقي.
الكلام ضايقني وساب جوايا علامة استفهام، بس قلت يمكن في حساسية بينهن وأنا مش طرف فيها، فقفلت السيرة.
بعدها بشهور، عم طاهر اتوفى.
هو كان تعبان صح، بس الموت جه فجأة. قبلها بيومين كان بيتكلم مع كريم في التليفون وزي الفل. ثريا قالت إنه نام بالليل، ولما دخلت تصحيه الصبح لقته سرسق وساب الدنيـا.
كلنا بكينا.
وثريا بكت أكتر واحدة فينا.
في العزا في المجمع الإسلامي، هشام حضنها وقالها قدام الناس كلها:
— أنتِ عملتي مع أبايا اللي مفيش ضنا يعمله.
فاكرة وقتها إن نيرة بصلت للأرض ووطت رأسها.





