خطيبت اخويا
تراب. وأخويا… أخويا كان واقف بعيد عنها خطوتين، وشه خاطف لون ملوش اسم، أبيض زي الجص، إيديه الاتنين بترتعش جنبه، وباصص للأرض بذهول وخرس تام، كأنه واحد لسه طالع من حادثة قطار ومش مستوعب هو لسه عايش ولا مات.
أمها زقتني من على الباب بكل غل ودخلت تترمي في حضن بنتها يا حبيبتي يا ضنايا! إيه اللي عمل فيكي كده؟ مين اللي مد إيده عليكي في البيت ده؟ انطقوا، إنتوا جايبيننا هنا عشان تهينونا وتكسروا عضم بنتي؟. البت أول ما شافت أمها زادت في الصريخ، وبقت تشاور على أخويا وهي بتشهق شوفتي يا ماما؟ شوفتي ابن الناس المتربيين عمل فيا إيه أول ما أخته نزلت؟ بقى عشان بقوله عيب أختك تقف تراقبنا وتتصرف كأننا حرامية، يمسكني يزقني في الترابيزة وعايز يضربني بالقلم؟ ده مش راجل، ده واحد ماشي ورا كلام أخته العميان!.
أنا وقفت متسمرة في مكاني، ودماغي بتلف. أخويا أنا يمد إيده على واحدة ست؟ أخويا اللي عمره ما على صوته على عيلة صغيرة في الشارع، اللي لما قطة بتعدي قدام عربيته بيهدي عشان متتخضش، يعمل كده؟ بصيت لأخويا وصرخت فيه بصوت مخنوق أحمد! انطق، إيه اللي حصل هنا؟ الكلام ده بجد؟ إنت مديت إيدك عليها؟.
أحمد رفع عينه ببطء، كانت عينيه مدمعة وعروق
رقبته نافرة من القهر، بص لأمه اللي كانت وصلت هي كمان وواقفة على الباب ساندة على الحيطة وبتحط إيدها على قلبها، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح متقطع أنا… والله العظيم يا ندى ما لمستها، والله ما جيت جنبها ولا مديت صباعي ناحيتها! دي هي اللي…. وقبل ما يكمل، البت بأعلى ما فيها وقطعت كلامه كداب! متصدقوهوش، ده بيتبلى عليا عشان خايف من أخته وأمه! أنا اللي اتبهدلت ، شوفوا دراعي بيجيب إزاي من القزاز اللي هو كسرني عليه!.
قربت منها خطوتين وبصيت على دراعها؛ كان فيه خدش سطحي جداً ورفيع، نقطة واحدة لا تذكر، لكن هي كانت بتتعامل كأن ذراعها انقطع نصين. وفجأة، لمحت عيني حاجة تانية؛ شنطة إيدها كانت مفتوحة على الكنبة اللي جنبها، وفيه كيس بلاستيك أسود كان محطوط تحت الشلتة بتاعة الكنبة باين نصه، وأخويا باصص للكيس ده بنظرة مش نظرة خناقة عادية. هنا حسيت إن الموضوع فيه لغز كبير، وإن الصريخ ده كله والفيلم الهندي اللي معمول مش عشان زقة ولا خناقة بين اتنين مخطوبين، ده ستار لحاجة تانية حصلت في الدقيقتين اللي أنا نزلت فيهم.
مسكت نفسي بالعافية، وقولت بحزم وهدوء حارق طيب، طالما الموضوع وصل لمد الإيد والصريخ ولم الناس في العمارة، إحنا مش هنسكت، وبدل ما نفضل نصوت زي الغجر، إحنا ننزل تحت في شقة أمي، والراجل والست الكبار يقعدوا ويتكلموا بالأصول، وتفهمونا إيه اللي كسر الترابيزة وإيه اللي قوم القيامة دي فجأة أول ما قفلت الباب ورايا.
أمها وقفت ونفضت عبايتها بغضب، وعينيها بتطق شرار، وقالت بنبرة تهديد صريحة نزول إيه وقعدة إيه يا عينيا؟ بنتي مش هتقعد في البيت ده دقيقة تانية، إحنا هننزل على المستشفى نعمل تقرير طبي بالإصابات دي، ومن المستشفى على القسم نعمل محضر تعدي وضرب وتبديد! إحنا بنات ناس ومش هنسيب حقنا يضيع عشان خاطركم، والشبكة وقايمة الدهب اللي كتبتوها هناخدها تالت ومتلت، وهعرفكم مين اللي مبيفهمش في الأصول!.
أحمد لما سمع سيرة القسم والمحضر، اتكلم بجمود وغضب دفين لأول مرة أسمعه في صوته أعلى ما في خيلكم اركبوه، ولو عاوزة تنزلي على القسم حالا يلا بينا، عشان هناك بقى هفتح بوقي وأقول إنتي وبنتك كنتوا بتعملوا إيه في الشقة دي من ورانا، وليه فتحتوا الدولاب المقفول بالمفتاح في أوضة النوم وسرقتوا العقد بتاع الأرض اللي أبويا سايبهولنا!.
الصالة فجأة سكتت، الهوا نفسه كأنه وقف، وصريخ البت انقطع في ثانية واحدة كأن حد داس على زرار، وبصت لأمها حقيقي، وشفايفها بدأت ترتعش بجد المرة دي مش تمثيل. أمها بلعت ريقها بصوت مسموع، وعينيها زاغت في أنحاء الشقة، ونبرة الاستقواء اللي كانت بتتكلم بيها نزلت للأرض في لحظة.
أنا وقفت مكاني مش قادرة استوعب؛ عقد الأرض؟ أنهي عقد؟ ده العقد اللي بابا الله يرحمه كان سايبه أمانة مع أمي، والورقة الوحيدة اللي تثبت حقنا في حتة الأرض اللي في البلد، وكان أحمد حاطه في درج الخزنة المقفولة في شقته فوق عشان الشقة هنا أمان ومفيهاش داخل وطالع كتير. بصيت لأخويا وقولتله بذهول عقد إيه يا أحمد؟ إنت بتقول إيه؟.
أحمد شاور بإيده على الكيس الأسود اللي كان باين من تحت شلتة الكنبة، وقال وهو بيبص للبنت باحتقار عمري ما شوفته منه قبل كده أول ما ندى نزلت، لقيتها بتقولي معلش يا أحمد ادخل هاتلي منديل من الحمام عشان عينيا بتوجعني. دخلت الحمام ومفيش نص دقيقة، سمعت صوت كركبة في أوضة النوم وصوت درج بيتكسر، طلعت بجري لقيتها واقفة قدام الدولاب، ومعاها مفتاح نسخة كانت سرقاه من مفاتيحي لما كانت بتعلق الميدالية الأسبوع اللي فات، وبتسحب الملف بتاع أوراق البيت والأرض وبتحطه في شنطتها! لما جريت عليها أخد الورق منها، اتعاركت معايا ومسكت فيا وضوافرها علمت في رقبتي،
وراحت شادة الترابيزة الإزاز وقلباها على الأرض عشان تعمل الدوشة دي كلها وتستغيث بأمها وتعمل عليا النمرة دي عشان معرفش افتشها ولا أخد ورقي!.
في اللحظة دي، أمي كانت دخلت الصالة، وسمعت كلام ابنها كله. أمي ست غلبانة ومريضة ضغط وسكر، وطول عمرها مسالمة وبتقول يا بخت من بات مغلوب ولا بات غالب، لكن لما الموضوع يوصل لغدر عيني عينك وسرقة وتلفيق تهم لابنها، شوفت وش تاني لأمي معرفتوش. أمي قربت من البت اللي لسه قاعدة على الأرض، وبصوت واطي بس من كتر الهدوء قالت لها قومي هاتي الشنطة دي هنا يا بنتي.
البنت مسكت في الشنطة وحضنتها لا، مش من حقكم تفتشوني، دي متعلقاتي الشخصية، وإنتوا بتتهموني باطلاً، أحمد هو اللي اتهجم عليا عشان رفضت أقف معاه لوحدنا في الشقة!.
أمها حاولت تتدخل وتزق أحمد إنت مجنون؟ إنت بتتبلى على بنتي الشريفة العفيفة عشان تبرر همجيتك؟ يلا يا بنتي نمشي من هنا، الناس دول غدارين ومش أمان. وجت تاخد بنتها وتتحرك ناحية الباب، لكن أنا كنت أسرع منهم؛ وقفت في حلق الباب وسديته بضهرى، وربعت إيدي وقولت رجلك متخطيهاش عتبة الباب دي إلا لما الشنطة دي تتفتح هنا قدامنا، أو نطلب البوليس يجي يفتشها بنفسه ويعاين الدرج المكسور والمفتاح المتزور اللي في إيد بنتك، وساعتها بقى نبقى نشوف مين اللي هيعمل محضر لمين، ومين اللي هيبات في الحجز الليلة بتهمة السرقة مع سبق الإصرار والترصد!.
البت عيونها اتملت دموع حقيقية، وبصت لأمها وهي بتستنجد بيها يا ماما شوفي حل، متخليهمش يمسكوني، أنا معملتش حاجة غلط، إنتي اللي قولتيل…. وهنا البنت قطعت كلامها فجأة وكتمت بوقها بإيدها، كأنها كانت هتكشف مصيبة أكبر، لكن أمها برقتلها بعينيها بطريقة خلت البنت تتخرس تماماً.
الجملة ديإنتي اللي



