خطيبت اخويا
قولتيل…نزلت عليا كأنها مية بتغلي. يعني الموضوع مش بس بنت طايشة ولا طمعانة، ده مخطط مدبر، والأم اللي كانت قاعدة تحت في الصالون بتشرب الشاي ببرود وسلبية ومردتش حتى تطلع ورا بنتها، مكنتش ساكتة عشان مكسوفة ولا سلبية، دي كانت ساكتة عشان عارفة بنتها طالعة تعمل إيه ومستنياها تخلص وتجيلها بالغنيمة! البرود اللي تحت كان قناع خبيث عشان تشغلنا وتبعد الشبهات، واللقطة بتاعة محدش هيعمل الشاي غيري كانت مجرد تضييع وقت وتهيئة للجو عشان تطلب تطلع الشقة فوق!
أحمد تقدم خطوة ناحية البنت ومد إيده بكل برود وقوة هاتي الشنطة بالذوق، بدل ما أمد إيدي وآخدها بالعافية وساعتها مش هيهمني لا إنتي ولا أمك ولا أصول، عشان الأصول دي بتتعمل مع ولاد الأصول بس!.
البنت، وهي بتترعش ومنهارة تماماً، رمت الشنطة على الأرض قدامه. وطيت أنا وجبت الشنطة، فتحت السوستة الكبيرة وطلعت المحتويات قدام أمي وقدامهم كلهم. وسط المكياج والموبايل والمناديل، كان فيه فولدر بلاستيك أزرق، جواه أصل عقد الأرض بتاعة البلد، وتوكيل قديم كان بابا عامله لأحمد لإدارة الشقق، وكمان كانت واخدة علبة قطيفة صغيرة فيها سلسلتين دهب بتوع أمي كان أحمد شايلهم عنده أمانة عشان أمي تحت أبوابها خفيفة!
أم البنت لما شافت الدهب والأوراق طالعين قدام عينينا، وشها بقى زي الكحل، لكن البجاحة اللي فيها كانت أغرب من الخيال، لقيتها بتعدل طرحتها وبتقول ببرود يقهر وإيه يعني؟ مش دي حاجته وحاجة بيته اللي هيتجوزوا فيه؟ هو مش هيتجوز بنتي؟ يبقى ماله هو مالها، وحقه هو حقها، وهي كانت خايفة على الورق لا يضيع ولا أخته تاكله عليه في الورث، بنتي كانت بتأمن مستقبلها ومستقبل جوزها! ده أنتوا اللي قلبكم أسود وبتعملوا من الحبة قبة عشان شوية ورق وشوية قشور!.
أحمد ضحك، ضحكة مكسورة مليانة مرار وسخرية، مسك العقد والدهب وحطهم في جيبه، وبص للبنت اللي كانت لسه قاعدة على الأرض وعينيها مكسورة، وقالها بهدوء حاسم انتي طالق لو كنا كاتبين كتاب، وبما إننا لسه على البر، فدبلتك أهي، وكل مليم دفعته في جهاز ولا شبكة هاخده بالقانون، ومن اللحظة دي ملكيش خطيب ولا ليكي رجل في البيت ده.
أنا قلبي ارتاح للحظة إن أحمد فاق لنفسه وعِرف حقيقتهم قبل ما يقع الفاس في الراس وتدخل بيتنا وتبقى واحدة مننا، وقولت خلاص الموضوع خلص وهينزلوا يجروا ذيول الخيبة ويغوروا في داهية. لكن اللي مكنتش حاسبة حسابه هو الغل اللي ملى قلب أم البنت. الست دي بصت لأحمد بنظرة كلها كراهية وحقد، وراحت مقربة من بنتها وشداها من على الأرض بقوة وقالت قومي يا بت، قومي متعيطيش على الجربيع دول، بكرة يجيلك سيد سيده وسيد عيلته كلها!. وبعدين التفتت لأمي وليا، وابتسمت ابتسامة صفرا تخلع القلب وقالت فاكرين نفسكم كسبتوا وطلعتوا ناصحين؟ طيب وحياة بنتي ودموعها دي، ما هنسيبكم تتهنوا لا بالأرض ولا بالشقة، وهتشوفوا السواد اللي هيدخل بيتكم من وسع، والبلاغ اللي هعمله في النيابة مش هيكون على ضرب، ده هيكون على حاجة تانية خالص هتخلي راسكم في الطين قدام الحتة كلها!.
خرجوا الاتنين من الشقة ونزلوا على السلم بخطوات سريعة، وصوت كعب أمها كان بيرن في العمارة زي نذير شؤم. قفلنا الباب وراهم، وأحمد قعد على أقرب كرسي وهو حاطط راسه بين إيديه، وأمي قعدت تبكي بحرقة وتتحسبن،
وأنا كنت بلم فتافيت القزاز المكسور من على الأرض وأنا إيديا بتترعش، مش من الخوف، لكن من الإحساس إن الشر ده مش هيعدي بالساهل، وإن التهديد الأخير اللي قالته الست دي مكنش مجرد فورة غضب.
قعدنا تحت في شقة أمي لحد بعد العصر، أحمد كان ساكت تماماً ومش راضي ياكل ولا يشرب، وأنا بحاول أهدي أمي وأديها دوا الضغط عشان ميرفعش عليها. حاولت أقنع نفسي إن كل شيء انتهى، وإن ربنا نجا أخويا على آخر لحظة، لكن السكينة دي مكملتش ساعتين زمن.
الساعة كانت داخلة على سبعة بالليل، والدنيا بدأت تظلم، ورنين جرس الباب رن بطريقة غريبة؛ رنات متواصلة، سريعة، ووراها خبط عنيف ومكتوم على الخشب. قومت اتفزعت من مكاني، وأحمد جري على الباب وفتحه، ولقينا قدامنا اتنين من كبارات المنطقة، ومعاهم عمي الكبير اللي ساكن في أول الشارع، ووشوشهم مقلوبة وغضبانة بطريقة تقطع الخلف. عمي دخل وزق أحمد في صدره وهو بيزعق بصوت عالي سمّع العمارة كلها إنت إيه اللي هببته ده؟ إنت جايب للبيت وللعيلة الفضايح في آخر أيامنا؟ أبو البنت قالب الدنيا في الشارع وجايب ناسه ومعاهم تسجيلات وصور ل وصل أمانة وشيكات بيقولوا إنك ماضي عليها وواكل حقهم وسارق دهب البنت، وعاملين محضر سرقة ونصب في القسم وبيلفوا بالورق على بيوت الحتة كلها عشان يفضحونا!.
وقفت متجمدة من عروقي، وبصيت لأخويا اللي ورجع لورا خطوتين وهو بيقول شيكات ووصلات إيه يا عمي؟ والله العظيم عمري ما مضيت ليهم على ورقة بمليم، ده هما اللي طالعين من هنا سارقين ورقنا ودهب أمي!. عمي طلع تليفونه من جيبه بعصبية، وشغل صورة ورقة متصورة وورقة بلاغ رسمي ورماها في وش أحمد، وأنا قربت بسرعة وبصيت في الشاشة، وشوفت منظر شل تفكيري وخلاني أحس إن الأرض بتميد بيا… كانت صورة لوصل أمانة بمبلغ خيالي، وتحته إمضاء كربونية وبصمة متزورة باحتراف شبه إمضاء أحمد بالمللي، ومكتوب إنه استلم دهب بمبلغ نص مليون جنيه على سبيل الأمانة وبددها، وده كان الفخ الخبيث اللي كانوا مجهزينه عشان يلووا بيه دراعنا لو كشفنا سرقتهم للأرض!


