قلم مني السيد أخويا عزم خطيبته ومامتها عندنا على الغداء، فماما اتصلت عليا وقالتلي تعالي يا بنتي ساعديني نعملهم غدا كويس يشرفنا قدامهم. سيبت اللي في إيدي وروحت فوراً عشان أقف جنب أمي وأفرح أخويا في يوم زي ده. دخلت المطبخ ووقفت على رجلي ساعات طويلة، عملتلهم صينية مكرونة بالبشاميل مظبوطة، وصينية جلاش مورقة، وفراخ مشوية بتتبيلة ريحتها كانت قالعة في الشقة كلها. جم الضيوف وقعدنا وأكلوا، والأكل عجبهم قوي وفضلوا يشكروا فيه، وكنت مبسوطة إن تعبي مراحش على الفاضي وإننا بيضنا وش أخويا قدام عروسته وأمها. بعد الغداء، وبحكم الأصول والضيافة، قولت لهم هعمل لكم شاي ولا تحبوا عصير؟. فرد أخويا عليا وقال لي اعملي شاي يا حبيبتي، الشاي بيكون حلو ومطلوب بعد الغداء التقيل ده. وقبل ما أتحرك خطوة واحدة ناحية المطبخ، لقيت خطيبة أخويا بتدخل باندفاع وبتقول بصوت عالي محدش هيعمل الشاي غيري، أنا اللي هقوم أعمله!. أنا علشان عارفة إن المطبخ مش نضيف، والحلل مكركبة، وحوض المطبخ مليان أطباق ودهون من دربكة الطبخ والعزومةوده طبيعي بعد أي غدا كبيراتحرجت ومحبتش أدخلها على المنظر ده، وهي لسه غريبة وضيفة داخلة بيتنا بالشوكة والسكينة. قولت لها بالذوق وبالراحة يا بنتي ابقي اعمليه لما تتجوزي وتكوني في بيتك، إنما النهارده دوقي الشاي من إيديا إنتي ضيفتنا. فجأة وشها اتقلب تماماً، وبصتلي بجفا وقالت لي بنبرة ناشفة وباردة أصلاً أنا مش بحب الشاي!. بلعت طريقتها ومحبتش أكبر الحكاية عشان العزومة متتقلبش نكد، ودخلت المطبخ عملت الشاي لمامتها ولأخويا وطلعته ليهم. وهي بقى، في لمح البصر ومن غير أي مقدمات، راحت بصت لأخويا وقالت له بدلال مفاجئ ما تيجي تفرجني على شقتي؟. أخويا بعفويته وحسن نيته قال لها يلا بينا. وقاموا الاتنين من مكانهم عشان يطلعوا الدور اللي فوق، والعجيب إن مامتها ما قامتش من مكانها ولا علقت بحرف، فضلت قاعدة تشرب الشاي ببرود غريب وكأن اللي بيحصل ده طبيعي جداً وميخصهاش! فأنا علشان عندي بنات وبفهم في الأصول والعيب والحرام، حر ميرضاش بالغلط ده، قولت لأخويا بصوت واضح اصبر يا أخويا، أنا طالعة معاكم. أنا قولت كده يا جماعة، والبنت ضربت بوز قدامها شبرين، ووشها احمرّ وعينيها بقت بتطلع شرار من الغيظ. طنشت نظراتها، لبست طرحتي وجريت وراهم على السلم ولحقتهم. وطول ما إحنا في الشقة بنتفرج على الأوض، هي ماشية قدامي وعمالة تلقح عليا بالكلام بطريقة مستفزة ووقحة ناس ما عندهاش ، ناس رخمين ومبيحسوش، ناس تبيتين وقاعدين على النفس، وتسمعني كلام يوجع ويحرق تحت عين أخويا، وهو واقف مش عارف يعمل إيه ولا يلم الموقف إزاي. الكلام زعلني قوي فار، قولت له بكرامة ونفاذ صبر يلا يا أخويا علشان ننزل. نزلنا على شقة أمي، وأنا مش طايقة نفسي من كمية البجاحة، ونزلت لبست عبايتي واستأذنت من أمي ومشيت بصراحة . واللي أكتر ويفقع المرارة إن أمها كانت سلبية لآخر لحظة، ولا علقت، ولا اتكلمت على أي تصرف بيصدر من بنتها ولا حتى قالت عيب. أنا طبعاً متأكدة إني صح، ولكن حبيت أكتب المشكلة دي لأي حد عنده بنات عشان يخلوا بالهم، هما كده بيقلوا من أهاليهم قبل ما يقلوا من نفسهم، والتربية بتبان في المواقف اللي زي دي. نزلت السلم ودموعي محبوسة في عيني من القهر، وبمجرد ما حطيت رجلي في مدخل العمارة عشان أخرج للشارع، سمعت فوق صوت خبط ورزع عنيف جداً هز العمارة، تلاه صوت صريخ عالي هستيري من خطيبة أخويا وهي بتستغيث، وصوت أمها بتجري على السلم وبتصوت وتقول الحقونا البت هتموت!. رجعت أجري على فوق وأنا قلبي هيقف من ، ولما فتحت باب الشقة من المنظر اللي شوفته قدامي… طلعت السلم خطوتين بخطوتين، عبايتي كنت بدوس على أطرافها من اللهوجة، وقلبي كان بيدق في وداني بصوت عالي كأنه طبلة. في الثواني دي، كل السيناريوهات السودا خطفت في بالي؛ قولت البت وقعت من على السور، ولا اتخانقوا وأخويا مد إيده عليها، ولا أنبوبة الغاز جرالها حاجة، أصل الصريخ اللي كان طالع مكنش صريخ عادي، ده كان عياط هستيري مع تخبيط يخلع القلوب، وصوت أمها اللي طالعة بتلهث ورايا على السلم وهي بتلطم على خدودها وتقول بنتي راحت، البت هتموت في بيتكم يا نهار مش فايت!. وصلت الدور التالت، باب شقة أخويا كان مفتوح على مصراعيه، الهوا بره كان بيطير الستارة البلاستيك المؤقتة اللي هو معلقها على الباب لحد ما يركب الباب الخشب الكبير، والريحة اللي طلعت في مناخيري مكنتش ريحة حريقة ولا حاجة محروقة، كانت ريحة أتربة وتراب منفض، مع ريحة عطر رخيص فاقع مخلوط بعرق وخوف. دخلت الصالة وأنا بنهج، وعيني راحت أول حاجة على الأرض؛ كان فيه ترابيزة الشاي الصغيرة الإزازاللي أخويا لسه شاريها الأسبوع اللي فات ودافع فيها قلبه من قسط جهازهمكسورة حتت، قزازها متفرفط في كل ركن، وتراب الشقة القديم كأنه اتقلب بفعل فاعل، والبت خطيبة أخويا قاعدة في ركن الصالة، ساندة ضهرها على الحيطة، ماسكة دراعها اليمين وعمالة تصوت وتعيط بطريقة مسرحية مبالغ فيها، ومقطعة شرايين الحنجرة من الصريخ، متبهدلة تراب. وأخويا… أخويا كان واقف بعيد عنها خطوتين، وشه خاطف لون ملوش اسم، أبيض زي الجص، إيديه الاتنين بترتعش جنبه، وباصص للأرض بذهول وخرس تام، كأنه واحد لسه طالع من حادثة قطار ومش مستوعب هو لسه عايش ولا مات. أمها زقتني من على الباب بكل غل ودخلت تترمي في حضن بنتها يا حبيبتي يا ضنايا! إيه اللي عمل فيكي كده؟ مين اللي مد إيده عليكي في البيت ده؟ انطقوا، إنتوا جايبيننا هنا عشان تهينونا وتكسروا عضم بنتي؟. البت أول ما شافت أمها زادت في الصريخ، وبقت تشاور على أخويا وهي بتشهق شوفتي يا ماما؟ شوفتي ابن الناس المتربيين عمل فيا إيه أول ما أخته نزلت؟ بقى عشان بقوله عيب أختك تقف تراقبنا وتتصرف كأننا حرامية، يمسكني يزقني في الترابيزة وعايز يضربني بالقلم؟ ده مش راجل، ده واحد ماشي ورا كلام أخته العميان!. أنا وقفت متسمرة في مكاني، ودماغي بتلف. أخويا أنا يمد إيده على واحدة ست؟ أخويا اللي عمره ما على صوته على عيلة صغيرة في الشارع، اللي لما قطة بتعدي قدام عربيته بيهدي عشان متتخضش، يعمل كده؟ بصيت لأخويا وصرخت فيه بصوت مخنوق أحمد! انطق، إيه اللي حصل هنا؟ الكلام ده بجد؟ إنت مديت إيدك عليها؟. أحمد رفع عينه ببطء، كانت عينيه مدمعة وعروق رقبته نافرة من القهر، بص لأمه اللي كانت وصلت هي كمان وواقفة على الباب ساندة على الحيطة وبتحط إيدها على قلبها، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح متقطع أنا… والله العظيم يا ندى ما لمستها، والله ما جيت جنبها ولا مديت صباعي ناحيتها! دي هي اللي…. وقبل ما يكمل، البت بأعلى ما فيها وقطعت كلامه كداب! متصدقوهوش، ده بيتبلى عليا عشان خايف من أخته وأمه! أنا اللي اتبهدلت ، شوفوا دراعي بيجيب إزاي من القزاز اللي هو كسرني عليه!. قربت منها خطوتين وبصيت على دراعها؛ كان فيه خدش سطحي جداً ورفيع، نقطة واحدة لا تذكر، لكن هي كانت بتتعامل كأن ذراعها انقطع نصين. وفجأة، لمحت عيني حاجة تانية؛ شنطة إيدها كانت مفتوحة على الكنبة اللي جنبها، وفيه كيس بلاستيك أسود كان محطوط تحت الشلتة بتاعة الكنبة باين نصه، وأخويا باصص للكيس ده بنظرة مش نظرة خناقة عادية. هنا حسيت إن الموضوع فيه لغز كبير، وإن الصريخ ده كله والفيلم الهندي اللي معمول مش عشان زقة ولا خناقة بين اتنين مخطوبين، ده ستار لحاجة تانية حصلت في الدقيقتين اللي أنا نزلت فيهم. مسكت نفسي بالعافية، وقولت بحزم وهدوء حارق طيب، طالما الموضوع وصل لمد الإيد والصريخ ولم الناس في العمارة، إحنا مش هنسكت، وبدل ما نفضل نصوت زي الغجر، إحنا ننزل تحت في شقة أمي، والراجل والست الكبار يقعدوا ويتكلموا بالأصول، وتفهمونا إيه اللي كسر الترابيزة وإيه اللي قوم القيامة دي فجأة أول ما قفلت الباب ورايا. أمها وقفت ونفضت عبايتها بغضب، وعينيها بتطق شرار، وقالت بنبرة تهديد صريحة نزول إيه وقعدة إيه يا عينيا؟ بنتي مش هتقعد في البيت ده دقيقة تانية، إحنا هننزل على المستشفى نعمل تقرير طبي بالإصابات دي، ومن المستشفى على القسم نعمل محضر تعدي وضرب وتبديد! إحنا بنات ناس ومش هنسيب حقنا يضيع عشان خاطركم، والشبكة وقايمة الدهب اللي كتبتوها هناخدها تالت ومتلت، وهعرفكم مين اللي مبيفهمش في الأصول!. أحمد لما سمع سيرة القسم والمحضر، اتكلم بجمود وغضب دفين لأول مرة أسمعه في صوته أعلى ما في خيلكم اركبوه، ولو عاوزة تنزلي على القسم حالا يلا بينا، عشان هناك بقى هفتح بوقي وأقول إنتي وبنتك كنتوا بتعملوا إيه في الشقة دي من ورانا، وليه فتحتوا الدولاب المقفول بالمفتاح في أوضة النوم وسرقتوا العقد بتاع الأرض اللي أبويا سايبهولنا!. الصالة فجأة سكتت، الهوا نفسه كأنه وقف، وصريخ البت انقطع في ثانية واحدة كأن حد داس على زرار، وبصت لأمها حقيقي، وشفايفها بدأت ترتعش بجد المرة دي مش تمثيل. أمها بلعت ريقها بصوت مسموع، وعينيها زاغت في أنحاء الشقة، ونبرة الاستقواء اللي كانت بتتكلم بيها نزلت للأرض في لحظة. أنا وقفت مكاني مش قادرة استوعب؛ عقد الأرض؟ أنهي عقد؟ ده العقد اللي بابا الله يرحمه كان سايبه أمانة مع أمي، والورقة الوحيدة اللي تثبت حقنا في حتة الأرض اللي في البلد، وكان أحمد حاطه في درج الخزنة المقفولة في شقته فوق عشان الشقة هنا أمان ومفيهاش داخل وطالع كتير. بصيت لأخويا وقولتله بذهول عقد إيه يا أحمد؟ إنت بتقول إيه؟. أحمد شاور بإيده على الكيس الأسود اللي كان باين من تحت شلتة الكنبة، وقال وهو بيبص للبنت باحتقار عمري ما شوفته منه قبل كده أول ما ندى نزلت، لقيتها بتقولي معلش يا أحمد ادخل هاتلي منديل من الحمام عشان عينيا بتوجعني. دخلت الحمام ومفيش نص دقيقة، سمعت صوت كركبة في أوضة النوم وصوت درج بيتكسر، طلعت بجري لقيتها واقفة قدام الدولاب، ومعاها مفتاح نسخة كانت سرقاه من مفاتيحي لما كانت بتعلق الميدالية الأسبوع اللي فات، وبتسحب الملف بتاع أوراق البيت والأرض وبتحطه في شنطتها! لما جريت عليها أخد الورق منها، اتعاركت معايا ومسكت فيا وضوافرها علمت في رقبتي، وراحت شادة الترابيزة الإزاز وقلباها على الأرض عشان تعمل الدوشة دي كلها وتستغيث بأمها وتعمل عليا النمرة دي عشان معرفش افتشها ولا أخد ورقي!. في اللحظة دي، أمي كانت دخلت الصالة، وسمعت كلام ابنها كله. أمي ست غلبانة ومريضة ضغط وسكر، وطول عمرها مسالمة وبتقول يا بخت من بات مغلوب ولا بات غالب، لكن لما الموضوع يوصل لغدر عيني عينك وسرقة وتلفيق تهم لابنها، شوفت وش تاني لأمي معرفتوش. أمي قربت من البت اللي لسه قاعدة على الأرض، وبصوت واطي بس من كتر الهدوء قالت لها قومي هاتي الشنطة دي هنا يا بنتي. البنت مسكت في الشنطة وحضنتها لا، مش من حقكم تفتشوني، دي متعلقاتي الشخصية، وإنتوا بتتهموني باطلاً، أحمد هو اللي اتهجم عليا عشان رفضت أقف معاه لوحدنا في الشقة!. أمها حاولت تتدخل وتزق أحمد إنت مجنون؟ إنت بتتبلى على بنتي الشريفة العفيفة عشان تبرر همجيتك؟ يلا يا بنتي نمشي من هنا، الناس دول غدارين ومش أمان. وجت تاخد بنتها وتتحرك ناحية الباب، لكن أنا كنت أسرع منهم؛ وقفت في حلق الباب وسديته بضهرى، وربعت إيدي وقولت رجلك متخطيهاش عتبة الباب دي إلا لما الشنطة دي تتفتح هنا قدامنا، أو نطلب البوليس يجي يفتشها بنفسه ويعاين الدرج المكسور والمفتاح المتزور اللي في إيد بنتك، وساعتها بقى نبقى نشوف مين اللي هيعمل محضر لمين، ومين اللي هيبات في الحجز الليلة بتهمة السرقة مع سبق الإصرار والترصد!. البت عيونها اتملت دموع حقيقية، وبصت لأمها وهي بتستنجد بيها يا ماما شوفي حل، متخليهمش يمسكوني، أنا معملتش حاجة غلط، إنتي اللي قولتيل…. وهنا البنت قطعت كلامها فجأة وكتمت بوقها بإيدها، كأنها كانت هتكشف مصيبة أكبر، لكن أمها برقتلها بعينيها بطريقة خلت البنت تتخرس تماماً. الجملة ديإنتي اللي قولتيل…نزلت عليا كأنها مية بتغلي. يعني الموضوع مش بس بنت طايشة ولا طمعانة، ده مخطط مدبر، والأم اللي كانت قاعدة تحت في الصالون بتشرب الشاي ببرود وسلبية ومردتش حتى تطلع ورا بنتها، مكنتش ساكتة عشان مكسوفة ولا سلبية، دي كانت ساكتة عشان عارفة بنتها طالعة تعمل إيه ومستنياها تخلص وتجيلها بالغنيمة! البرود اللي تحت كان قناع خبيث عشان تشغلنا وتبعد الشبهات، واللقطة بتاعة محدش هيعمل الشاي غيري كانت مجرد تضييع وقت وتهيئة للجو عشان تطلب تطلع الشقة فوق! أحمد تقدم خطوة ناحية البنت ومد إيده بكل برود وقوة هاتي الشنطة بالذوق، بدل ما أمد إيدي وآخدها بالعافية وساعتها مش هيهمني لا إنتي ولا أمك ولا أصول، عشان الأصول دي بتتعمل مع ولاد الأصول بس!. البنت، وهي بتترعش ومنهارة تماماً، رمت الشنطة على الأرض قدامه. وطيت أنا وجبت الشنطة، فتحت السوستة الكبيرة وطلعت المحتويات قدام أمي وقدامهم كلهم. وسط المكياج والموبايل والمناديل، كان فيه فولدر بلاستيك أزرق، جواه أصل عقد الأرض بتاعة البلد، وتوكيل قديم كان بابا عامله لأحمد لإدارة الشقق، وكمان كانت واخدة علبة قطيفة صغيرة فيها سلسلتين دهب بتوع أمي كان أحمد شايلهم عنده أمانة عشان أمي تحت أبوابها خفيفة! أم البنت لما شافت الدهب والأوراق طالعين قدام عينينا، وشها بقى زي الكحل، لكن البجاحة اللي فيها كانت أغرب من الخيال، لقيتها بتعدل طرحتها وبتقول ببرود يقهر وإيه يعني؟ مش دي حاجته وحاجة بيته اللي هيتجوزوا فيه؟ هو مش هيتجوز بنتي؟ يبقى ماله هو مالها، وحقه هو حقها، وهي كانت خايفة على الورق لا يضيع ولا أخته تاكله عليه في الورث، بنتي كانت بتأمن مستقبلها ومستقبل جوزها! ده أنتوا اللي قلبكم أسود وبتعملوا من الحبة قبة عشان شوية ورق وشوية قشور!. أحمد ضحك، ضحكة مكسورة مليانة مرار وسخرية، مسك العقد والدهب وحطهم في جيبه، وبص للبنت اللي كانت لسه قاعدة على الأرض وعينيها مكسورة، وقالها بهدوء حاسم انتي طالق لو كنا كاتبين كتاب، وبما إننا لسه على البر، فدبلتك أهي، وكل مليم دفعته في جهاز ولا شبكة هاخده بالقانون، ومن اللحظة دي ملكيش خطيب ولا ليكي رجل في البيت ده. أنا قلبي ارتاح للحظة إن أحمد فاق لنفسه وعِرف حقيقتهم قبل ما يقع الفاس في الراس وتدخل بيتنا وتبقى واحدة مننا، وقولت خلاص الموضوع خلص وهينزلوا يجروا ذيول الخيبة ويغوروا في داهية. لكن اللي مكنتش حاسبة حسابه هو الغل اللي ملى قلب أم البنت. الست دي بصت لأحمد بنظرة كلها كراهية وحقد، وراحت مقربة من بنتها وشداها من على الأرض بقوة وقالت قومي يا بت، قومي متعيطيش على الجربيع دول، بكرة يجيلك سيد سيده وسيد عيلته كلها!. وبعدين التفتت لأمي وليا، وابتسمت ابتسامة صفرا تخلع القلب وقالت فاكرين نفسكم كسبتوا وطلعتوا ناصحين؟ طيب وحياة بنتي ودموعها دي، ما هنسيبكم تتهنوا لا بالأرض ولا بالشقة، وهتشوفوا السواد اللي هيدخل بيتكم من وسع، والبلاغ اللي هعمله في النيابة مش هيكون على ضرب، ده هيكون على حاجة تانية خالص هتخلي راسكم في الطين قدام الحتة كلها!. خرجوا الاتنين من الشقة ونزلوا على السلم بخطوات سريعة، وصوت كعب أمها كان بيرن في العمارة زي نذير شؤم. قفلنا الباب وراهم، وأحمد قعد على أقرب كرسي وهو حاطط راسه بين إيديه، وأمي قعدت تبكي بحرقة وتتحسبن، وأنا كنت بلم فتافيت القزاز المكسور من على الأرض وأنا إيديا بتترعش، مش من الخوف، لكن من الإحساس إن الشر ده مش هيعدي بالساهل، وإن التهديد الأخير اللي قالته الست دي مكنش مجرد فورة غضب. قعدنا تحت في شقة أمي لحد بعد العصر، أحمد كان ساكت تماماً ومش راضي ياكل ولا يشرب، وأنا بحاول أهدي أمي وأديها دوا الضغط عشان ميرفعش عليها. حاولت أقنع نفسي إن كل شيء انتهى، وإن ربنا نجا أخويا على آخر لحظة، لكن السكينة دي مكملتش ساعتين زمن. الساعة كانت داخلة على سبعة بالليل، والدنيا بدأت تظلم، ورنين جرس الباب رن بطريقة غريبة؛ رنات متواصلة، سريعة، ووراها خبط عنيف ومكتوم على الخشب. قومت اتفزعت من مكاني، وأحمد جري على الباب وفتحه، ولقينا قدامنا اتنين من كبارات المنطقة، ومعاهم عمي الكبير اللي ساكن في أول الشارع، ووشوشهم مقلوبة وغضبانة بطريقة تقطع الخلف. عمي دخل وزق أحمد في صدره وهو بيزعق بصوت عالي سمّع العمارة كلها إنت إيه اللي هببته ده؟ إنت جايب للبيت وللعيلة الفضايح في آخر أيامنا؟ أبو البنت قالب الدنيا في الشارع وجايب ناسه ومعاهم تسجيلات وصور ل وصل أمانة وشيكات بيقولوا إنك ماضي عليها وواكل حقهم وسارق دهب البنت، وعاملين محضر سرقة ونصب في القسم وبيلفوا بالورق على بيوت الحتة كلها عشان يفضحونا!. وقفت متجمدة من عروقي، وبصيت لأخويا اللي ورجع لورا خطوتين وهو بيقول شيكات ووصلات إيه يا عمي؟ والله العظيم عمري ما مضيت ليهم على ورقة بمليم، ده هما اللي طالعين من هنا سارقين ورقنا ودهب أمي!. عمي طلع تليفونه من جيبه بعصبية، وشغل صورة ورقة متصورة وورقة بلاغ رسمي ورماها في وش أحمد، وأنا قربت بسرعة وبصيت في الشاشة، وشوفت منظر شل تفكيري وخلاني أحس إن الأرض بتميد بيا… كانت صورة لوصل أمانة بمبلغ خيالي، وتحته إمضاء كربونية وبصمة متزورة باحتراف شبه إمضاء أحمد بالمللي، ومكتوب إنه استلم دهب بمبلغ نص مليون جنيه على سبيل الأمانة وبددها، وده كان الفخ الخبيث اللي كانوا مجهزينه عشان يلووا بيه دراعنا لو كشفنا سرقتهم للأرض!