قطعت علاقتي ب ابي

حصري لصفحة روايات رولا
أنا قطعت علاقتي بأبويا وأمي لسنتين بعد ما وقفوا في صف أختي في كل خناقة، وما حضروش حفل تخرجي، وقالوا على جوزي إنه “نزول بالمستوى”. وقعدوا يقولوا للكل إني “مش متزنة نفسياً”. وبعدين جاتلي جواب من محامي بابا. كان محتاج إمضتي على وثيقة واحدة. أول ما قريت مكتوب فيها إيه، ضحكت بصوت عالٍ لدرجة إن المحامي سألني لو كنت كويسة.
​الجواب وصل يوم التلات الصبح، بعد سنتين من اليوم اللي بطلت فيه أرد على مكالمات أبويا وأمي، وأول سطر من محامي بابا خلى جوزي ينزل فنجان القهوة بتاعه: “إمضتك مطلوبة للحفاظ على حصة ملكية والدك في شركة ‘النيل القابضة’.”
​أنا ضحكت من قبل ما أفتح المرفقات حتى.
​مش عشان الموضوع يضحك. عشان على مدار سنتين، أبويا وأمي كانوا بيحكوا للكل إني مش متزنة، ونفسنتي وحشة، وبأوفر، وبغير من أختي، فريدة. هما حولوا سكاتي لدليل إدانة ضدي.
​القطيعة بدأت بالراحة. فريدة كانت تشتمني، وبعدين تعيط أول ما أدافع عن نفسي. أمي كانت تتنهد وتقول: “ليه لازم دايماً تصعّبي الأمور وتعملي مشاكل؟” وبابا كان يقولي خليكي أنتِ الكبيرة وتجاوزي. كل خناقة كانت بتخلص بنفس الطريقة: فريدة تاخد الطبطبة، وأنا ألبس التهمة.
​بعدين جه يوم تخرجي من كلية الحقوق.
​وعدوني إنهم هيحضروا. أنا حجزت أربع كراسي.
​عمرهم ما جم.
​على العشا بالليل، فريدة نزلت صور من الجونة. أبويا وأمي كانوا رايحين معاها عشان هي كانت “بتمر بأسبوع صعب”.
​لما واجهتهم، أمي قالت: “أنتِ عندك تلاتين سنة، أكيد مش محتاجة تسقيف على كل إنجاز صغير بتعمليه.”
​وبابا زاد عليها وقال: “وبصراحة، جوازك من إسلام كان دليل إنك بدأتي ترضي بأي حاجة وترخصي نفسك. هو نزول بالمستوى عن نوعية الرجالة اللي مربينكي تختاريهم.”
​إسلام، مهندس مدني كان بيشتغل شغلانتين وأنا بذاكر للامتحانات، ابتسم بس وقال: “كويس إنها اختارت لنفسها.”

​والكلمة دي خلت بابا يكرهه أكتر وأكتر.
​بعدها بتلت شهور، فريدة قالت للقرايب إني زعقت فيها وصوتت في عزومة عيلة. أنا اصلاً ماكنتش حضرت! أمي أكدت كلامها. وبابا كلم اتنين من ولاد عمي وقالهم إنهم “قلقانين على ثباتي العقلي وتوازني النفسي”.
​ده كان اليوم اللي قطعت فيه معاهم تماماً.
​من غير بيان رسمي، ولا زعيق. عملت بلوك للأرقام، رجعت الهدايا، ومشيت.
​هما افتكروا السكوت استسلام، لأن الناس اللي زيهم دايماً بيتلخبطوا بين الحدود الهادية وبين الضعف.
​اللي ماكنوش يعرفوه إن خلال سنتي الأخيرة في كلية الحقوق، جدي الله يرحمه كان طلب مني أراجع وثائق نقل الملكية والتوريث بتاعة شركة العيلة. هو كان بيثق فيا لأني الوحيدة اللي كنت بقرأ العقود بجد قبل ما أمضيها.
​هو اتوفى قبل تخرج بسِت شهور.
​ومدفون جوه عقد اتفاقية الشراكة لشركة “النيل” بند واحد الظاهر إن بابا عمره ما فهمه.
​ودلوقتي المحامي بتاعه عايز إمضتي.
​فتحت الوثيقة.
​على ما وصلت للصفحة التالتة، كنت بضحك لدرجة إن دموعي نزلت.
​المحامي في مكالمة الفيديو كشر وقال: “يا أستاذة ندى… أنتِ كويسة؟”
​مسحت وشي.
​وقلتله: “يااه، أنا في أفضل حال. لو سمحت حدد معاد الاجتماع.”
الاجتماع كان في قاعة اجتماعات إزاز بتطل على وسط البلد، من نوع القاعات اللي بابا بيعشقها عشان بتخليه يحس بكيانه وأهميته.
​وصل ومعه أمي، وفريدة، واتنين محامين شركات.
​فريدة كانت لابسة أبيض.
​أكيد طبعاً، هي دايماً كده.
​بابا مقامش من كرسيّه لما دخلت. “خلينا ننجز بسرعة.”
​أمي بصت لإسلام اللي واقف جنبي. “إحنا طلبنا العيلة بس.”
​”جوزي هو عيلتي.”
​فريدة ابتسمت باستهزاء. “لسه عايشة في دور الوفاء والدراما ده؟”
​قعدت وحطيت فايل رفيع على الترابيزة.
​بابا زق الورقة ناحيتي. “امضي صفحة ستة. جدك سابلك حق موافقة شكلي كده مالوش أي قيمة. إحنا بنعمل إعادة هيكلة لشركة ‘النيل’ عشان فريدة تمسك الإدارة والعمليات.”
​أهو، البق ده.
​الكدبة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *