حكايات زهرة 2

دخلت شقتي وأغلقت الباب بالمفتاح، ووقفت خلف الباب أسمع صوت الصراخ الذي اشتعل في الطابق الأرضي. كان صوت أحمد يعلو فوق كل الأصوات، ثابتاً، رزيناً، لا يهتز له جفن. فُتحت شقة محمد في الطابق الأول ودخل رجال الحارة مع والد العريس الغاضب، وأجبروا محمد على النزول سحباً على الدرج وهو ينتحب ويستعطف، بينما هربت عبلة إلى الداخل وأغلقت على نفسها وعلى ابنتها نرمين التي كانت تصرخ وراء الباب المغلق كالمجنونة بعدما تحولت إلى جثة حية لا يسترها فستان الفرح الممزق.
في صالة شقة محمد، دارت محاكمة شعبية لم تشهد الحارة مثلها قط. جلس أحمد على رأس الأريكة، وبجواره كبار الحارة، بينما وقف والد العريس يصرخ ملوحاً بإيصالات الأمانة وشيكات حجز القاعة وفواتير الشبكة الذهبية: “ميتين وخمسين ألف جنيه غير الشبكة، مش هسيب مليم واحد! وبنتك الـ،ـفـ،ـاجـ،،ر،ـه دي مش بس ردت الشبكة، دي تتجرجر في المحاكم هي وأمها اللي لبستنا العمة وضحكت علينا!” محمد كان يبكي كالنساء، يمسك بجلابيب الرجال ويتوسل إليهم أن يمهلوه شهراً أو شهرين لأنه لا يملك سيولة نقدية تغطي ربع هذا المبلغ.
البيت لأ! البيت ده تعب عمرنا وحق ولادي مش هياخده الغريب!” لكن الحاج عبد الرازق نهرها بصرخة زلزلت أركان الغرفة: “اخرسي يا ولية يا ناقصة رباية! بنتك اللي جابت العـ،،ار للحي كله جاية تتكلمي في حيطان؟! اتقفلي جوة وبلاش حسك يطلع بدل ما نرميكي في الشارع بهدومك دي!” التفت أحمد نحو أخيه وأخرج من جيبه دفتراً صغيراً وقلماً، ورماه في حجره وقال بحزم لا يقبل التراجع: “هتمضي دلوقتي حالاً على تنازل رسمي عن شقتك وعن نصيبك في دكاكين الدور الأرضي، نبيعهم الليلة ونسدد للراجل دينه وشبكته ومصاريفه، والورق ده هيتسجل الصبح في الشهر العقاري، يا إما يتصلوا بـ،ـالـ،ـبـ،ـو،،لـ،ـيـ،ـس وتخرج بنتك مكلبشة بـ،ـفـ،ـضـ،،يـ،ـحـ،ـتـ،ـهـ،ـا والتقرير الطبي في يد الضابط وساعتها لا هيبقى ليك شقة ولا ستر ولا حتى اسم تمشي بيه في الشارع!
” محمد وقع في الفخ الذي نصبه لنفسه طوال حياته، نظر إلى والد العريس الذي رفع العصا مهدداً بنسف البيت، ونظر إلى وجوه الجيران التي لا تحمل ذرة رحمة واحدة له، فما كان منه إلا أن أمسك بالقلم بأصابع مرتعشة ووقع على التنازل الكامل عن نصيبه، بايعاً بيته ومملكته التي بناها بالخديعة والغل. استرد والد العريس حقوقه وخرج مع رجاله بعدما بصقوا جميعاً على عتبة الباب، وانفضت الجموع وبقيت الحارة تغلي بالهمس. صعد أحمد درجات السلم متعباً كأنه حارب جيشاً بمفرده، ودخل شقتنا وأغلق الباب خلفه بإحكام، ثم جلس على الأريكة وأسند رأسه بين يديه.





