مليونير

بتعيط. الضيوف اللي كانوا بيتريقوا على مريم قبل شوية، دلوقتي بيبصّوا لها باحترام وتقدير. البنت اللي كانو شايفينها مجرد خدامة غلبانة، هي في الحقيقة كنز فني ما يُقدّر بثمن.
مريم بصّت لطارق بعينين مليئتين بالشفقة أنا ما قصدتش أجرحك يا طارق بيه.. بس اللي شفتة في عينيك كان وجع كبير، حبيت أظهره في اللوحة عشان كل حد يشوفه.
طارق هز راسه بندم أنتِ ما جرحتينيش.. أنتِ شفيتيني. سنين وأنا حاسس إن وحشة سلوى عايشة معايا في المكان ده، بس ما كنتش أقدر أتكلم معاها ولا أعبّر عن حبي ليها. لوحتك دي هي اللي خلّتني أواجه نفسي وأواجه الحقيقة.. إنني خسرت أغلى ما أملك بسبب غروري وجنوني.
الجزء الثالث
الليلة دي غيّرت مجرى حياة كل اللي كان موجود في البنتهاوس. الدكتورة فريدة أصرت إن مريم تروح معاها لبيتها، واعتبرتها بمثابة الابنة اللي ما جابتهاش. طارق حاول يعتذر لمريم بأي طريقة ممكنة، عرض عليها فلوس كتير، شقة، وكل اللي تتمناه.. بس مريم رفضت كل حاجة.
أنا مش عايزة حاجة منك يا طارق بيه غير حاجة واحدة. قالت له بهدوء.
إنتِ تؤمري.. أي حاجة عندي بتاعكِ.
أختي مريضة ومحتاجة علاج.. وأنا محتاجة مكان أقدر أرسم فيه بحرية. ده كل اللي عايزاه.
طارق دموعه نزلت تاني كل اللي بتطلبه هيتحقق فوراً. أختك هتتعالج في أحسن مستشفى، وهتدفع كل تكاليف علاجها كاملة. وأنتِ.. عندكِ استوديو كامل في أي مكان تختاريه، كل الأدوات اللي محتاجاها هتكون متوفرة ليكِ في أي وقت.
مريم شكرته، واتفقت معاه إنها هتستمر في الرسم، بس مش مقابل أجر، بل مقابل إن هو يبدأ يساعد الناس اللي كان بيستخف بيهم قبل كده. وافق طارق بكل قلبه، وبدأت رحلة تغيره من الداخل للخارج.
بعد أسبوع، الدكتورة فريدة نظمت معرضاً فنياً صغيراً في استوديوها الخاص، وخصصت ركناً كاملاً لرسوم مريم. لم تدعُ سوى عدد قليل من النقاد والمهتمين بالفن، عشان تشوف رد فعلهم الأول على أعمال الفنانة المختفية.
أول ما دخلوا المعرض، اتصدموا من جمال اللوحات وعمقها. كل لوحة كانت بتعكس وجع وآمال الناس البسطاء أم بتعمل في الخياطة وعينها على صورة ابنها اللي في الجامعة، طفل بيلعب في الشارع وبيده كرة قديمة، عجوز قاعد على مقعد في الحديقة بيتأمل الشمس الغاربة.. كل تفصيل كان بيحكي قصة، كل خط كان بينقل إحساس صادق ومشاعر حقيقية.
دي موهبة استثنائية! قال أحد النقاد الكبار مش مجرد رسامة.. دي راوية بتقصّ قصص البشر بالالوان والخطوط.
فنها نابع من القلب مباشرة، بلا تصنّع ولا تكلّف. أضاف ناقد تاني إحنا محتاجين أصوات زي دي في مصر، أصوات بتعبر عن الناس الحقيقيين.
الكلام ده وصل لآذان الناس، وبدأت أخبار مريم تنتشر بسرعة البرق. الصحف والمجلات الفنية خصصت صفحات كاملة عنها، وقنوات التلفزيون طلبت منها لقاءات، والناس بدأت تتساءل مين هي الفنانة الغامضة اللي ظهرت فجأة وبقوة؟
في خلال شهور قليلة، أصبحت مريم من أشهر الفنانات في مصر. لوحاتها بتباع بأسعار خيالية، والمعارض بتاعتها بتتملأ بالجمهور من كل الأعمار والمستويات. بس أهم حاجة كانت إنها ما نسيتش من أين جات. كانت كل عائدات معارضها تروح لدعم المرضى الفقراء والطلاب اللي عندهم موهبة وما يقدروش يكملوا دراستهم بسبب الظروف المادية.
أختها شفيت تماماً، وبدأت تدرس في كلية الفنون الجميلة، وكانت دايماً تقول لأصحابها أختي مثلي الأعلى.. هي أثبتت إن الحلم ما يموت طالما فيه إصرار.
الجزء الرابع
طارق من ناحيته، كان بيمر بمرحلة تغيير جذري في حياته. باع جزءاً من أمواله وخصصها لمؤسسة خيرية تحمل اسم زوجته سلوى، وتهتم بدعم الفنانين الشباب وتوفير فرص لهم ليعرضوا أعمالهم. كان يزور معارض مريم دايماً، ويقف في زاوية بعيدة يتأمل لوحاتها، ويشوف فيها سلوى تانية.. وكأن الله بعث له مريم تعوّضه عن جزء من ذنبه، وتذكّره بجمال الروح اللي كان فقده في زحمة الفلوس والشغل.
في أحد الأيام، وبعد ما انتهى معرض كبير لمريم في وسط القاهرة، جالست طارق على مقعد في حديقة قريبة. كان الليل هادئ، والنجوم بتلمع في السماء.
عارف يا طارق بيه.. قالت مريم بصوت ناعم سلوى كانت بتقول كلام زي اللي أنا بقوله دلوقتي.. إن الفن مش مجرد رسومات على ورق، هو حياة وروح بتتنقل من شخص للتاني.
طارق ابتسم لأول مرة بابتسامة صافية خالية من الكبرياء صدقيني يا مريم.. وجودك في حياتي كان نعمة كبيرة. أنتِ رجّعت لي الروح اللي كنت فاقدها من سنين. رجّعتني ل سلوى بطريقة ما كنتش أتوقعها أبداً.
سلوى عايشة معاك دايماً.. ردت مريم في كل حاجة حلوة بتعملها، في كل خير بتقدمه للناس.. هي فخورة بيك دلوقتي.
مرت السنين، ومريم أصبحت علامة فارقة في تاريخ الفن المصري. أسست أكاديمية خاصة لتعليم الفنون للأطفال المحرومين، وخرجت أجيالاً من الفنانين اللي أثروا على الحركة الفنية في مصر والعالم العربي.
وكانت دايماً تقول لطلابها الفلوس تيجي وتروح، والشهرة بتختفي.. بس اللي بيفضل هو الأثر الطيب اللي بسيبه في قلوب الناس. ما تستهينوش بحد، ولا تحكموش على حد من مظهره أو من مكانته.. فالله مخبي في كل إنسان كنز، وممكن يكون الكنز ده أجمل وأغلى من كل ثروات الدنيا.
الجزء الخامس
بعد مرور عشر سنوات على تلك الليلة المشهودة في البنتهاوس، اجتمع كل الأطراف في
حفل ضخم أقيم لتكريم مريم كأفضل فنانة عربية. الدكتورة فريدة كانت في مقدمة الحضور، ومعاها طارق اللي أصبح رجلاً مختلفاً تماماً متواضعاً، طيباً، عيناه بتشعّان بالسلام الداخلي اللي كان يفتقده طويلاً.
في كلمتها أمام الحضور، قالت مريم بصوت واثق ومؤثر عشر سنين فاتوا من الليلة اللي غيّرت حياتي.. الليلة اللي كنت فيها خدامة بتمسك قلم فحمة، ورسمت لوحة قلبها وجع إنسان ما كنتش أعرفه. في تلك الليلة، تعلمت درساً لن أنساه ما حييت إن الإنسان قيمته مش في ما يملك من مال أو جاه، قيمته في روحه وموهبته وقدرته على إحداث فرق في حياة غيره.
التفتت لطارق بابتسامة دافئة وأنا مدينة لشخصين كان لهم الفضل في وصولي لهنا.. الدكتورة فريدة اللي آمنت بيا وقت ما كنتش أؤمن بنفسي.. وطارق بيه اللي رغم كل ما فعله، إلا أنه كان سبباً في خروجي للنور، وعلمني إن التوبة ممكنة، وإن الإنسان يتغير مهما كان عمره ومهما كان غروره.
طارق دموعه سالت بصمت، ورفع يده يحيّيها بكل احترام وتقدير.
وفي نهاية الحفل، أعلنت مريم عن هدية كبيرة لوحة جديدة رسمتها خصيصاً لهذه المناسبة، اسمها الكرسي الممتلئ. رسمت فيها طارق جالساً على الكرسي، وبجانبه سلوى كأنها حقيقية، يمسك إيدها وهي تبتسم له، والخلفية مليئة بالورود والألوان المشرقة.
الكرسي ده ما فاضيش أبداً.. قالت مريم وهي تقدم اللوحة لطارق سلوى كانت معاك في كل خطوة، وكل خير عملته من بعدها كان بفضل حبها اللي ما مات.
طارق أخذ اللوحة بيدين مرتجفتين، وبصّ فيها طويلاً كأنه يرى سلوى لأول مرة شكراً يا مريم.. شكراً لأنك رجعت لي الأمل، ولأنك أثبتت لي إن الحب أقوى من الموت، وإن الفن جسر بين القلوب ما بينقطع أبداً.
الجزء السادس
اليوم، لوحات مريم معروضة في أشهر المتاحف والجاليريات حول العالم، وقصتها أصبحت مصدر إلهام للملايين. لكنها ما زالت تعيش ببساطة وتواضع، تسكن في منزل بسيط يحتوي على استوديوها الكبير، وفي كل زاوية منه رسومات وأدوات ومشاريع لطلابها الصغار.
وأما الكرسي الفاضي الذي كان في البنتهاوس، فقد أصبح رمزاً للحب والندم والتصالح مع الذات. لم يعد فارغاً كما كان، بل امتلأ بذكريات جميلة وأعمال خير وآمال جديدة.
في كل مرة تمرّ مريم على البنتهاوس، تتوقف قليلاً وتتأمل النافذة الكبيرة التي شهدت بداية قصتها، وتقول في نفسها الحياة مليئة بالمفاجآت.. بس أجملها اللي بتجي بعد صبر طويل، وبعد ما يكون القلب اتعلم الدرس.
وهكذا، انتهت قصة المليونير المغرور والخدامة التي أصبحت فنانة.. قصة بدأت بالاستهزاء والقسوة، وانتهت بالاحترام والتقدير والخير اللي عمّ الجميع.
فالحب والفن واللطف.. أشياء لا تُقدّر بثمن، ولا يمكن أن تموت مهما حاولت الأيام طمسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *