حكايات محمد عبده 2

دخلنا أوضة وكيل النيابة بعد ما العسكري نده على اسمي بصوت جهوري. الأوضة كانت واسعة، مكاتب خشب قديمة من بتاعة زمان، وملفات صفرا متكومة فوق بعضها في كل حتة.
حسام كان قاعد على كرسي خشب، هدومه اللي كانت شيك ومكوية بالمسطرة بالليل بقت متبهدلة ومكسرة، والبرفان الغالي بتاعه اختلط بريحة عرق الخوف والبهدلة. نيرمين كانت قاعدة جنبه، مكياجها سايح على وشها من كتر العياط، ونظارة الشمس الكبيرة اللي كانت لابسها بالليل في المطار محطوطة على المكتب مكسورة نصين كأنها بتعبر عن حالتها.
أول ما حسام شافني داخلة ببدلتي وهيبتي، قام وقف ملهوف وعايز يجري عليا وهو بيصرخ: — “مريم! مريم عشان خاطر ربنا.. متخربيش بيتنا! أنا غلِطت، الشيطان شاطر ولعب بدماغي، بس مش لدرجة الحبس والسجن! إحنا بينا عشرة طويلة، بينا اتناشر سنة جواز!” العسكري قفشه من كتفه بقوة ورجعه مكانه: — “اقعد مكانك يا متهم! متتحركش من غير إذن!”
بصيت له بمنتهى البرود وقعدت على الكرسي اللي قدام مكتب وكيل النيابة من غير ما يتهز فيا شعرة: — “العشرة دي يا حسام أنت اللي بعتها ورخصتها في ظرف فلوس وسوستة شنطة بتلمها في السر الساعة اتنين بالليل. أنت اللي نسيت العشرة لما حطيتلي منوم في الشاي ولما سميتني (فاشلة) وكنت عايز ترميني في الشارع”.
وكيل النيابة خبط بالقلم على المكتب عشان الكل يسكت ويبطل شوشرة: — “يا جماعة، إحنا هنا في تحقيق رسمي وكل كلمة بتتسجل في المحضر. مدام مريم، المتهم حسام السعيد بينكر تهمة التزوير تماماً، وبيقول إن التنازل عن أسهم شركة (الفايد للمستلزمات الطبية) تم برضاكي ورضا والدك قبل وفاته، وإن الفلوس اللي تحولت لحساب شركة (النور) اللي ملك ابن عم المتهمة الثانية كانت مقابل استشارات استيراد وصفقات حقيقية. إيه ردك على الكلام ده؟”
فتحت الشنطة الجلد بتاعتي بكل ثقة، وطلعت منها فلاشة صغيرة حطيتها قدام وكيل النيابة على المكتب: — “يا فندم، الفلاشة دي عليها الدليل القاطع. عليها تسجيلات صوت وصورة لـ حسام ونيرمين وهما قاعدين يخططوا في شقة الرحاب إزاي يزوروا إمضاء بابا بعد ما دخل العناية المركزة وقبل وفاته بأسبوع بالظبط. وعليها كمان تقرير رسمي وموثق من شركة الشحن الألمانية اللي بنتعامل معاها من سنين، بيثبت إن شركة (النور) دي مجرد حبر على ورق ومأدتش أي خدمات للشركة، وإن الفواتير كلها مضروبة ومطبوعة في مطبعة تحت السلم في العتبة. وبخصوص التنازل عن أسهمي أنا شخصياً.. أنا عمرى ما مضيت على تنازل، والإمضاء اللي على العقد ده مأخوذ كربون ومزور من إمضاء قديم ليا على شيك ملغى من حساباتي القديمة، وتقنيات الطب الشرعي هتكشف ده في ثانية”.





