حكايات محمد عبده 2

 

خرجت من مبنى النيابة في العباسية، والشمس كانت بدأت تبقى حامية في شوارع القاهرة وزحمتها. ركبت عربيتي وطلعت على طول على مقر الشركة الرئيسي في مصر الجديدة. أول ما خطيت ب رجلي جوة الصالة، الموظفين كلهم وقفوا في سكات رهيب. الإشاعات في السوق بتجري أسرع من النار في الهشيم، وكلهم كانوا شامين خبر إن فيه مصيبة وحصلت لحسام في المطار بالليل.

دخلت مكتب المدير العام، المكتب الفخم اللي حسام كان بيقعد فيه ويفرد ضهره ورا مكتبه الخشب العريض المدهون أسطر. قعدت على الكرسي بتاعه بكل هيبة، وبصيت على السكرتيرة اللي واقفة تترعش: — “اجمعيلي كل مديري الأقسام في قاعة الاجتماعات الكبيرة كمان عشر دقائق بالظبط”.

في الاجتماع، كانت الوجوه كلها قلقانة والكل عينه في الأرض. المدير المالي، مدير المبيعات، مدير المخازن.. كلهم كانوا متعودين إن حسام هو اللي سايق الليلة وهو الكل في الكل. وقفت في رأس الترابيزة الطويلة، في نفس المكان اللي كان حسام بيحب يقعد فيه ويتمنظر قدام المستثمرين: — “صباح الخير يا جماعة. من النهاردة، الأستاذ حسام السعيد ملوش أي صلة أو صفة بشركة (الفايد للمستلزمات الطبية). الشركة رجعت لأصحابها الحقيقيين اللي بنوها عرق فوق عرق. الشغل هيمشي زي ما هو ومن غير أي تأخير، ومفيش أي حركة حسابية أو شيك أو تحويل بنكي هيتم من غير إمضائي الشخصي بالدمغة. اللي عايز يكمل معايا ويشتغل بضمير وبأصول أولاد البلد، مكانه فوق راسي ومكافأته السنوية هتزيد من الشهر ده. واللي كان بيلعب لحساب حسام أو نيرمين من تحت الترابيزة ويسرق من ورانا.. يقدم استقالته حالا بالذوق، قبل ما أطلب له شرطة الأموال العامة تخليه يكتبها في القسم”.

الأوضة سادها سكون تام، وبعدين المدير المالي، الأستاذ عادل، الراجل العجوز المحترم اللي كان شغال مع بابا من عشرين سنة وكتفه في كتفه، ابتسم ووقف على رجله وصقف بحرارة: — “حمد الله على السلامة يا ست مريم. الشركة نورت بأصحابها وولاد الأصول. إحنا كنا حاسين ومخلوقين من اللي بيحصل ومن اللعب اللي من تحت العقود، بس مكنش في إيدينا حيلة وصوتنا واطي. النهاردة بس روح الحاج عبد الحميد الفايد هترتاح وتتهنى في تربتها”.

الاجتماع خلص، والكل رجع لمكانه وشغله بحماس وطاقة مكنتش بشوفها أيام حسام، اللي كان بيعامل الصغير والكبير بتعالي وقرف كأنه وارثهم. رجعت مكتبي الجديد، قعدت وبدأت أراجع العقود الحقيقية وفواتير الشحن والاستيراد. الشغل كان كتير ويهد جبال، والمسؤولية بقت تقيلة، بس لأول مرة من سنين طويلة كنت حاسة بطاقة غريبة وفوق الوصف.. حاسة إني حرة، ونفَسي طالع وداخل بروقان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *