طعم في يدا اليفه الثالث
في الخارج، جلست جيهان في مواجهة حسناء على الأريكة، تهز ساقها بلا مبالاة، وعلى شفتيها ابتسامة ناعمة تخفي خلفها شيئًا لم تطمئن إليه حسناء.
فقالت :
_ ماقولتيش يا خالتي، إيه خير على الصبح كده؟ إنتِ حلمتي بينا ولا إيه؟
ابتسمت حسناء مجاملة:
_ أبدًا يا بنتي، حماتك كلمتني وعايزة نشرب الشاي مع بعض.
رفعت جيهان حاجبها:
_ قولتيلي حماتي؟ آه آه… عرفت.
ثم اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها:
_ والله يا خالتي أنا مش عارفة أقولك إيه، بس ماتزعليش مني… كل شيء قسمة ونصيب.
عقدت حسناء حاجبيها، وقد بدأ القلق يتسلل إليها.
_ تقصدي إيه يا بنتي؟
اقتربت جيهان وجلست إلى جوارها، ثم قالت بنبرة تبدو حنونة، لكنها كانت تحمل بين طياتها سمًّا بطيئًا:
_ بصي، ربنا عالم أنا بعزك إزاي، إنتِ والباشمهندس عبد الرحمن… بس سمعت إن حماتي بتقول لخالد: “إنت هتوافق كده من غير ما نملي شروطنا عليهم؟ لازم نطلب ونطلب. بنتنا أجمل بنت في الحتة، وهو حِياله ميكانيكي، وكمان مالوش لا شقة ولا غيره، ده عايل بيته كمان.”
اتسعت عينا حسناء قليلًا، لكنها ظلت صامتة.
فأكملت جيهان الى أن قالت حسناء
_ ليه يا بنتي؟ هو عبد الرحمن وحش؟ ده أي بنت في الدنيا تتمناه.
ثم ضحكت بخفة:
_ آه والله يا خالتي، أنا مستخسراه يتجوز من الحتة دي أصلًا. ما تشوفي له بنت من بنات الأكابر، يستاهل واحدة منهم… ده كفاية عيونه العسلي، هدوبهم كلهم!
لم تعرف حسناء لماذا شعرت بالنفور منها.
لم تكن تعرفها من قبل، ولم يحدث بينهما ما يبرر ذلك الشعور، لكن كلماتها بدت لها كااسم في العسل
وقبل أن ترد، وصلت فاتن، وألقت السلام.
_ يا دي النور! نورتي يا أم عبد الرحمن.
نهضت حسناء مرحبة بها بابتسامة صادقة:
_ البيت منور بأهله. عاملة إيه يا أم خالد؟
_ الحمد لله يا حبيبتي.
ثم التفتت فاتن إلى جيهان:
_ ضيفتي خالتك أم عبد الرحمن يا جيهان.
_ لا يا حبيبتي، مش عايزة حاجة. اقعدي بس، من زمان ماقعدناش مع بعض.
جلست فاتن إلى جوارها:
_ مشاغل والله يا فاتن. إنتِ عارفة عمر ثانوية عامة، وعبد الرحمن بيطلع من الصبح ما بيرجعش غير بالليل.
ابتسمت فاتن:
_ ربنا يبارك لك فيهم يا رب.
ثم التفتت إلى جيهان:
_ قومي اعملينا شاي يا بنتي.
ابتسمت جيهان ونهضت:
_ عيوني يا ماما.
دلفت إلى الداخل، بينما ظلت فاتن تراقبها حتى اختفت عن أنظارها.
ثم التفتت إلى حسناء وقالت بنبرة صادقة:
_ اعذريني إني بعت لك، ما بقدرش أمشي… يخرب بيت السكر وسنينه، وكمان الضغط، يكفيكي شره.
ربتت حسناء على يدها:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، إحنا أخوات. ومتأكدة إنك لو تقدري مش هتتأخري.
ابتسمت فاتن:
_ ربنا يكرم أصلك.
ثم ساد صمت قصير، قبل أن تقول فاتن بجدية:
_ بصي يا ست أم عبد الرحمن… اللي أوله شرط آخره نور.
أومأت حسناء:
_ أيوة، أكيد.
تنفست فاتن بعمق، ثم قالت:
_ دلوقتي عبد الرحمن قعد مع خديجة امبارح، وقال لها إنه عايز يتجوزها في الشقة هنا. وأنا معنديش مانع… عبد الرحمن قبل أي حاجة ابني، وربنا يعلم بعزه زيه زي خالد ابني.
ابتسمت حسناء بحب:
_ ربنا يبارك لك فيه يا فاتن.
_ اللهم آمين.
ثم تابعت، وقد أصبحت نبرتها أكثر جدية:
_ دلوقتي عمر ما شاء الله شاب، وإنتِ عارفة قد إيه هو محترم، وعارفة تربيتهم كويس… بس الأصول أصول يا حسناء.
أومأت حسناء:
_ أيوة طبعًا.
_ ماتزعليش مني، أنا مش موافقة إن خديجة تتجوز معاكم في نفس الشقة.. لو مش عايز يوضب الدور اللي تحت، ياخدلها شقة ايجار قريبة من هنا، حتى لو في نفس الشارع، معنديش مانع. إنما في نفس الشقة… ماتزعليش مني. والله مش تشكيك في حد، بس الناس ما بترحمش، وأنا عايزة بنتي تدخل بيتها مرفوعة الراس، محدش يقدر يقول كلمة عليها.
ابتسمت حسناء، وقد شعرت بالراحة تجاه صراحتها:
_ لا طبعًا، حقكم. وعبد الرحمن لما قالي كده، أنا رفضت أصلًا..بس الدور الأرضي مش هينفع خالص،انا اصلا اتفقت مع عبد العاطي يأجره،وهو قال هيحوله محلات،مينفعش يافاتن، ارضي وعبده مش هيرضى، هو شاري شقة في مكان اسمه إيه ياختي؟ والله ما عارفة جيل الأيام دي بيقولوا عليه إيه!
ضحكت فاتن:
_ هاي كلاس.
ضحكت حسناء:
_ أيوة هو ده! وإن شاء الله أوعدك إن بنتك تدخل لوحدها. إحنا عندنا أغلى من خديجة.
أمسكت فاتن يدها:
_ ربنا يكرم أصلك… وده اللي منتظراه منكم.
ثم ابتسمت بحنان:
_ وأنا إن كان عليّا أوصلها لك لحد باب البيت، ماهو عبد الرحمن ابننا وغالي علينا برضه.
اتسعت ابتسامة حسناء، وامتلأت عيناها بلمعة فرح لم تستطع إخفاءها:
_ يعني أفهم من كلامك يا فاتن إنكم موافقين؟
ضحكت فاتن:
_ طبعًا! هو أنا هلاقي راجل لخديجة في ربع ابننا؟ ربنا يتمم فرحتنا على خير.
رفعت حسناء كفيها إلى السماء، وخرج الدعاء من قلبها قبل شفتيها:
_ يا رب… يا رب يا فاتن. هيفرح أوي، إنتِ ماتعرفيش هو بيحبها قد إيه.
ابتسمت فاتن، وقالت
_ ربنا يسعدهم يا رب… ويكتب لهم الخير،
عند خديجة


