طعم في يدا اليفه الثالث
عند خديجة
كانت تنتظر موعد دخولها، ارتفع رنين هاتفها، اخرجت الهاتف واجابت
_ايوة ياعبد الرحمن
_لما تخلصي هتلاقيني قدام المؤسسة
_تمام… قالتها واغلقت الهاتف تنظر الى شاشته بتنهيدة
_انت اللي مصبرني على اللي بيحصل معايا
نظرت امامها بشرود، حتى صدح اسمها بالمكان
دلفت للداخل، لبعض الدقائق، ثم خرجت وهي تحمل ابتسامة الغد، رفعت الهاتف وتوقفت بمكانا هادئ
_ماما… قبلوني، شافوا السي في، ومنتظرين الشهادة، بس هشتغل بعقد مؤقت لحد نتيجتي، انا فرحانة اوي
_حبيبتي يابنتي الف مبروك، وعلشان فرحتك تكمل، ام حبيب القلب كانت هنا، ويعتبر اتفقنا على كل حاجة
_بجد ياماما
_بجد يانور عين ماما، ربنا يسعدكم يابنتي يارب
_ماما انا بحبك اوي
_اكتر من حبيب القلب ياديجة
_اكتر من الدنيا كلها ياماما
_يابت… صمتت تبتسم ثم قالت
_حبك حاجة وعبد الرحمـــــــــن حاجة تانية ياماما
_والله ياست خديجة، اتجرأنا اهو، وبقينا نقول كلام في الحب
_طب خلاص بقى، لازم اقفل
_خلي بالك من نفسك
_ماما…
_ايوة حبيبتي… صمتت للحظات ثم همست
_النهاردة انا مبسوطة، ممكن اطلب طلب
_قولي حبيبتي
_عبد الرحمــــــــن جه تحت، مشفتوش بس هو كلمني
صمتت فاتن امام سعادة ابنتها، الى أنا همست برجاء
_ماما
_اسمعيني حبيبتي، انا مش بشك فيكي ولا فيه، بس مينفعش
_خمس دقايق بس ياماما
_من غير مايقرب ولا يمسك حتى ايدك ياخديجة
_شكرا ياماما… قالتها. اغلقت الهاتف،
اتجهت إلى الخارج، وقلبها يخفق بسعادةٍ عارمة، كأنها طفلة صغيرة حصلت لتوّها على جائزة كانت تحلم بها.
وما إن تجاوزت الباب الرئيسي حتى وقعت عيناها عليه.
كان واقفًا إلى جوار دراجته البخارية، يتكئ بذراعه عليها، وعيناه معلقتان بالباب وكأنه ينتظر ظهورها منذ دهر. وما إن لمحها حتى استقام قليلًا، وظلت عيناه تتفحصانها في صمت، من رأسها إلى قدميها
فستانٌ بلون الأوف وايت، تتناثر عليه فراشات صغيرة من اللون ذاته، وحجابٌ أزرق زاد ملامحها رقةً وهدوءًا.
بدت له كحورية هبطت من عالم آخر…
ولِمَ لا؟
وهي حورية قلبه التي سرقت منه نبضه، ثم تركته عاجزًا عن استعادته.
وصلت إليه بابتسامة مشرقة، وقالت بدلالٍ لم تستطع إخفاءه:
_قول مبروك بقى يا سيدي.
ظل صامتًا للحظات، وعيناه معلقتان بها، حتى مد يده فجأة نحو الخوذة، والتقطها ثم مدها إليها.
_البسي دي.
نظرت إلى الخوذة باستغراب، ثم رفعت عينيها إليه.
_ألبس دي ليه؟ مش فاهمة.
اقترب منها خطوة، ثم وضع الخوذة فوق رأسها بنفسه، وانحنى قليلًا حتى همس بجوار أذنها:
_البسي علشان هوصلك.
رفعت رأسها إليه سريعًا، وقد انعقد حاجباها بدهشة.
_أركب فين يا عبد الرحمن؟
لم يجبها.
صعد إلى الدراجة، ثم التفت إليها بنظرة جانبية، وأشار بعينيه إلى المقعد خلفه.
_مش هنتظر كتير… ولا المكنة مش عجباكي؟ والعربيات المرسيدس هي الحلوة؟
توقفت أنفاسها.
قبضةٌ باردة اعتصرت قلبها فور أن فهمت ما يرمي إليه.
_إنت تقصد إيه؟
رفع حاجبه، وصوته يحمل غيرةً حاول عبثًا أن يخفيها:
_اركبي يا خديجة.
_بس…
قاطعها بحدة:
_ما هو هتركبي يعني هتركبي، حتى لو بالغصب.
اتسعت عيناها بذهول، وكأنها لم تتوقع أن تسمع منه تلك الكلمات.
_عبد الرحمــــــــن! إنت بتقول إيه؟ إزاي بس أركب معاك وإحنا…
التفت إليها بعينين يشتعلان غيرةً وعتابًا.
_وإحنا إيه؟
صمتت.. اقترب منها أكثر:
_وكان هو إيه علشان تركبي مع غريب عربيته، وفي نفس الوقت أنا أطلب منك أوصلك وترفضي؟
هزت رأسها بسرعة، وتقدمت نحوه خطوة، تتوسله بعينيها قبل كلماتها:
_الموضوع مش كده… إنت متعرفش إيه اللي حصل.
ابتسم ابتسامة موجوعة
_اللي أعرفه إن حبيبتي رفضت إني أوصلها، وركبت مع راجل غريب… واحد معروف بسمعته السيئة.
_أنا اتغصبت، واتخيرت يا عبد الرحمن.
جاء رده سريعًا، كأنه كان ينتظرها:
_حلو…ثم نظر إليها بثبات.
_وأنا كمان بغصب عليكي وبخيرك.
تجمدت أمامه.
_واختاري.
شهقت، والغضب امتزج بالألم في عينيها.
_بس إنت مش كده!
هبط عن الدراجة في لحظة، واتجه إليها بخطوات سريعة، ثم أمسك بذراعيها
_عندك أقدر أقلب شيطان، سمعتي؟
ارتجفت عيناها نحوه.
_ومن وقت ما قلتلك إني بحبك… يبقى كل حاجة انتهت.
اقترب منها، وصوته خرج عميقًا، ممتلئًا بغيرة رجلٍ فقد قدرته على التظاهر بالهدوء:
_بقيتي ملكي.
ظلت تحدق به، والذهول يشل كلماتها.
_عبد الرحمــــــــن… الناس بتبص علينا.
التفت حوله لحظة، ثم عاد إليها دون اكتراث:
_ميهمنيش الناس والزفت.
أشار إلى الدراجة.
_هتركبي ولا أمشي؟
أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تجمع شتات قلبها.
صعد عبد الرحمن إلى الدراجة، وأدار محركها، لكنّه توقف قبل أن ينطلق.
بينما هي كانت واقفة مكانها، مترددة بين الخوف والضيق والغيرة التي لم تعترف بها حتى لنفسها، شعرت بقلبها يدفعها نحوه.
اقتربت بجسد مرتجف، ثم صعدت خلفه.
في اللحظة التي استشعر فيها وجودها خلفه، ارتجف قلبه بسعادة حاول جاهدًا إخفاءها.
التفت بنصف رأسه إليها.
_امسكي فيا… هتوقعي.
همست بصوتٍ مرتعش:
_عبد الرحمن…
استدار إليها بنصف جسده، فتعلقت عيناه بعينيها، اللتين تجمعت فيهما الدموع.
تغيرت ملامحه للحظة.
هدأت غيرته، لكن وجعه ظل حاضرًا.
_يلا يا خديجتي…
ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
_ممكن اللي بعمله ده يكون عقاب ليكي، بس صدقيني… أنا بتعاقب أضعافه.
ابتلعت غصتها.
_وعقابك ده علشان إيه؟
ثبت عينيه عليها.
_علشان متديش فرصة لأي حد، أيًّا كان، إنه يقرب من مملكتي.
انحنى قليلًا، يتأمل عينيها اللتين هربتا إلى الأرض.
ثم قال بصوتٍ امتزج فيه العشق بالغيرة:
_إنتِ مملكتي الخاصة يا خديجة… واللي يقرب منها، مش هاضمن رد فعلي.
رفعت عينيها إليه، فوجدته قريبًا إلى الحد الذي أربك نبضها.
فقالت بصوتٍ خافت يحمل عتابًا موجعًا:
_هتمشي؟ ولا هتفضل تبرر الغلط؟
ثم أضافت، وكأنها تذكره بما يؤلمها أكثر:
_افتكر إنّي خُنت ثقة أمي.
استدار عنها حتى لا يرى الحزن في عينيها، وحتى لا يضعف أمام نبرة صوتها.
ثم مد يده إلى الخلف، وأمسك بكفيها، وسحبهما برفق وأحاطا بخصره.
_امسكي جامد.
تجمدت للحظة.. وانتفض جسدها بالكامل من فعلته
_عبد الرحمــــــــن لو سمحت مينفعش كدا؟





