حب مؤجل عائشة حسين

راقب ملامحها المنزعجة بصمتٍ وصبر، تأملها بهوى وهمسها المعترض يتسرب لأذنه كسنفونية
«مكتبتلوش خروج ليه يا دكتورة؟»
وقعت في الفخ، ارتبكت من سؤال رئيسها فقالت وهي تثبت عويناتها جيدًا «لسه يا دكتور»
قرأ الأوراق سريعًا وأجابها بجفاء «الدنيا تمام أظن كفاية كده»
أجابت بسرعة وإحباط عانق نبرتها «لا لسه في شوية فحوصات مظهرتش»
رفع نظراته الداكنة ينظر إليه قارئًا صفحات نفسها بوضوح، صغيرته تكذب يعرفها حين تفعل، ترمش ثلاث مرات متتابعات بعد كل كذبة، تتقبض كفاها جوارها، هي تبقيه لحاجة في نفسها، تتعمد التأخير؛ ليبقى وهو مستسلم يريد هذا الوقت المقتطع من الحياة بكذبة بيضاء منها، يريد شحن قوته من جديد بقربها، يراقب حياتها الجديدة عبر نوافذ عيون الممرضات الودودات، يستمع لهن بشغف، يعرف صغيرته في عملها منهن أكثر، ويلتهم تفصيلها بوله… يرسم صورة داخله لحياتها الجديدة التي لا يعرفها.
عادت متنهدة بخلاص وقفت أمامه بعملية فخبأ ابتسامته وانتظر عطائها يسأل «هطلع متى؟»
كوّرت شفتيها بضيق منزعجة من سؤاله قبل أن تجيبه بحدة «لسه»
«أنا زين الحمدلله» قالها وانتظر بشغف قاصدًا فهتفت بحدة «أنا الي أقول مش أنت»
ابتسم قائلا بهدوء مشاكسًا لها «بتعاملي كل العيانين كده؟»
زفرت بقوة متسمرة في حدتها التي تخفي خلفها خوفًا كبير من رحيله في أي وقت «أيوة»
هز رأسه قائلًا «ماشي»
عادت للأوراق منسجمة من جديد ثم قالت «محتاجين مراتك تيجي تمضي وتدفع»
سخر بمداعبة «واه دينك خلصتيه كله فكم يوم؟»
زجرته بنظراتها الحادة قاصدة إثارة حفيظته «أيوة» تستدرجه لتعرف ما تريده.
هتف بنظرة ثاقبة «ينفع أكلّم حد تاني ياجي؟»

رفعت حاجبها مستفسرة بفضول «وليه متجيش هي؟»
ضحك قائلًا «وأجيبها كيف دي؟»
سألته باهتمام «ليه سافرت؟»
أجابها بضحكة ساخرة «لاه فعلم الغيب»
نفض الدثار ونهض وهي تتابعه، اقترب ببطء منها بينما هي مشدوهة تتابعة مسحورة بهيئته التي افتقدتها كثيرًا، كما افتقدت إقباله عليها وقربه منها، اختل توازنه أثر دوار لعين فسارعت تمسك به في خفة، ارتجف أثر لمساتها العابرة، سحب كفه بسرعة منتفضًا و توازنَ في ارتباك داخلي، ابتعدت خطوة متلونة الخد بالخجل، مرتجفة مثله وأكثر، حانقة، تنحن موضحًا« أنا مش متجوز ومفيش حد هياجي يا دكتورة أنا أقدر أدفع الحساب»
رفعت له نظرات مغرورقة بالدموع مستنكرة قوله، فتابع بتنهيدة «اكتبيلي خروج كفاية»
اعترضت بعناد ودموعها تنساب على خديها بألم «مش كفاية ومش هتمشي غير لما أطمن عليك»
مازحها بلطف «هتعملي دكتورة عليا ولا إيه لاه أنا مربيكي أنا أخ..»
هتفت بغضب مشتعل مقاطعة قوله الذي تحفظه «أنت لا مربيني ولا أخويا الكبير و أنا مبقتش صغيرة»
ابتسم هامسًا بنغمة كعزف الناي مملوءة بالشجن«أنا لسه شايفك بالضفاير والفيونكة الحمرا»
مسحت دموعها قائلة بعناد «أنا مش بضفاير ومعادش عندي فيونكات أنا شعري أبيضّ عندي تلاتين سنة»
ابتسم قائلا «العمر الطويل يا دكتورة ابقي سلميلي عالحاجة»
قالت بملل «منعاها تيجي بالعافية أصلا مصممة تجبلك محشي وبط وز»
قهقه عاليًا فسحرها توقفت مشدوهة تتابعه بإنبهار، أبواب قلبها كلها فُتحت أمامه بضحكته..
توقف مشاكسًا «خليها تاجي عايز أشوفها يمكن معرفش أشوفها تاني»
قالت ببساطة «تعالى زورها هكتبلك العنوان»
نظر لعينيها قويًا يهمس «لاه مينفعش»

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *