بنتي

إيدي ما قدرتش تلفه.
ليان حطت إيدها فوق إيدي.
افتحيه يا تيتا.
لفيت المفتاح.
تك.
الصندوق اتفتح.
جواه كان فيه ألبوم صور.
وشهادة ميلاد ليان.
سلسلة صغيرة عليها تعليقة على شكل قلب.
وآخر حاجة
ظرف كبير مكتوب عليه
لبنتي ليان في عيد ميلادها الخامس عشر.
ليان أخدته.
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى كبرتي فعلًا.
ابتسمت وهي بتعيط.
كملت
وأول حاجة عايزة أقولها لك أنا ما متش عشانك.
شهقت.
ماما
فضلت تقرأ.
أنا عشت أجمل شهور حياتي وأنا مستنياكي. ولو كان قدامي الاختيار، كنت هختار أعيش معاكي ألف مرة. لكن لو القدر اختار غير كده، أوعى تخلي موتي يبقى سبب إنك توقفي حياتك.
ليان مسحت دموعها.
ثم قرأت
اتعلمي. اضحكي. اتخانقي مع جدتك لما تمنعك من الخروج. اختاري أصحابك. حبي الحياة. واتجوزي لما تحبي، مش لأنك عايزة تعوضي غيابي.
ضحكت ليان وسط بكائها.
دي ماما فعلًا.
كملت.
وجدتك هتقول لك إني كنت ملاك. أنا مش ملاك. كنت بعاند، وبغلط، وبعيط من غير سبب، وباكل حلويات في نص الليل، وبخاف من حاجات سخيفة. عايزاكي تعرفيني كإنسانة، مش كصورة معلقة على الحيطة.
ضحكت.
لأول مرة منذ سنوات، ضحكت وأنا بعيط.
ثم وصلنا إلى آخر سطر.
كان مكتوبًا
ولو في يوم سألتِ نفسك ليه جدتك فضلت جنبك كل السنين دي، فالإجابة بسيطة لأنها كانت بتحبني، وبعد ما فقدتني، اختارت تحبك بدل ما تستسلم للحزن.
ما قدرتش أتماسك.
ليان قامت وحضنتني.
فضلنا واقفين كده وقت طويل.
عماد كان واقف بعيد، وساب لنا اللحظة.
وبعدها قال
فيه حاجة أخيرة.
بصيت له.
إيه؟
أخرج ملفًا آخر.
التحقيق في ملف مريم اتفتح من جديد، لكن مش بهدف اتهام حد من غير دليل. الهدف معرفة الحقيقة الطبية كاملة.
قلت
وأنا مش عايزة ليان تدخل في دوامة محاكم وقضايا.
عماد هز رأسه.
ولا مريم كانت عايزة ده.
ليان مسحت دموعها.
وقالت
أنا عايزة الحقيقة بس مش عايزة أعيش حياتي كلها بسبب اللي حصل لماما.
بصيت لها بفخر.
لأول مرة، حسيت إن مريم لو كانت موجودة، كانت هتبص على بنتها وتبتسم.
بعد أسابيع، ظهرت نتيجة التحقيق.
ثبت إن وفاة مريم كانت نتيجة مضاعفات خطيرة أثناء الولادة، وإن كانت هناك أخطاء في التعامل مع ملفها الطبي، لكن لم يثبت وجود تعمد.
الحقيقة كانت مؤلمة.
لكنها كانت أفضل من الأسئلة اللي عاشت في دماغي 15 سنة.
وفي عيد ميلاد ليان السادس عشر، جه وقت الكيكة.
حطيت الشموع.
شمعة لكل سنة.
وكنت على وشك أجيب الشمعة البيضا.
لكن ليان مسكت إيدي.
سيبيها.
بصيت لها.
متأكدة؟
ابتسمت.
أيوه.
وبعدين حطت صورة مريم جنب الكيكة.
مش محتاجة شمعة عشان أفتكرها.
سألتها
طب هنعمل إيه؟
ابتسمت.
هتحكيلي قصة عنها.
ضحكت.
أنهي واحدة؟
فكرت شوية.
احكيلي لما كانت بتضحك في الحمام وماما الكبيرة بتزعق لها.
ضحكت.
إنتِ عرفتي القصة دي منين؟
من الصندوق.
وبعدين قربت مني وقالت
بس المرة دي، خليها قصة عن ماما مش قصة عن موتها.
بصيت لها.
وفهمت أخيرًا الرسالة اللي مريم كانت بتحاول توصلها من 15 سنة.
هي ما كانتش عايزة بنتها تفضل عايشة تحت ظل موتها.
كانت عايزاها تعيش تحت نور ذكراها.
ولأول مرة، ولعت شموع عيد الميلاد كلها
من غير شمعة بيضا منفصلة.
ولما ليان نفخت الشموع، صفقت وضحكت.
وفي اللحظة دي، حسيت إن مريم كانت موجودة فعلًا.
مش كأم ماتت وهي بتولد.
لكن كأم سابت لبنتها أهم هدية ممكن أم تسيبها
الحياة من غير ذنب.
وبعد ما الضيوف مشيوا، رجعت للصندوق.
كان فاضي تقريبًا.
إلا من ورقة صغيرة كنت ما شوفتهاش قبل كده.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
ماما، لو وصلتي للنهاية، يبقى عملتي أهم حاجة طلبتها منك خليتي ليان تعرف إني كنت بحب الحياة، مش بس إني مت بسببها.
حطيت الورقة على صدري.
وبكيت.
لكن المرة دي
ما كانش بكاء فقد.
كان بكاء راحة.
لأن بعد 15 سنة، أخيرًا عرفت إن بنتي ما سابتش حفيدتي عشان تموت.
هي سابت لها رسالة
عشان تعيش.





