بنتي

أنا فوق يا تيتا.
سمعت صوت ليان وهي بتطلع السلم بسرعة، وبعد ثواني ظهرت عند باب الأوضة.
كانت لابسة الزي المدرسي، وشعرها مربوط بطريقة عشوائية، وشنطتها متعلقة على كتف واحد.
أول ما شافتني قاعدة على الأرض، وقفت.
إنتِ بتعيطي؟
مسحت وشي بسرعة.
لا يا حبيبتي عيني دخل فيها تراب.
بصت للسجادة.
وبعدين بصت لي.
في أوضة ماما؟
سكت.
كانت ليان عارفة كويس إن كل مرة بكون فيها في أوضة أمها، بيبقى فيه سبب.
قربت مني.
لقيتي حاجة؟
نظرت للصندوق.
كانت عينيها راحت عليه فورًا.
إيه ده؟
مديت إيدي بسرعة وحطيته جنبي.
ولا حاجة.
ضحكت.
تيتا إنتِ وحشة أوي في الكذب.
حاولت أبتسم.
روحي غيري هدومك، أصحابك هييجوا بدري.
لكنها ما اتحركتش.
فضلت واقفة قدامي، وبعدين سألت
ده بتاع ماما؟
الكلمة دي خلت قلبي يقبض.
بصيت لها.
كان عندي اختيار.
أخبي الصندوق.
أو أقول لها إن أمها سابت لها حاجة.
لكن الورقة كانت واضحة جدًا.
مريم كتبت بنفس إيدها
لو أنا ما قدرتش أقول الكلام ده بنفسي
وكتبت اسم ليان.
لكنها قالت كمان إن عيد ميلاد بنتها لازم يفضل ليها.
فقلت
أيوه بتاع ماما.
اتغيرت ملامح ليان.
إيه اللي جواه؟
مش دلوقتي.
ليه؟
عشان عيد ميلادك النهارده.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
هو ليه كل حاجة تخص ماما لازم تبقى مرتبطة بعيد ميلادي؟
ما عرفت أرد.
فقالت بهدوء
تيتا أنا مش طفلة.
الجملة دي وجعتني.
لأنها كانت صح.
ليان ما بقتش الطفلة الصغيرة اللي كنت بشيلها بين إيديا.
بقت بنت عندها 15 سنة.
بقت في السن اللي مريم كانت فيه تقريبًا لما بدأت تحلم بحياتها.
قمت من على الأرض.
الليلة هنتكلم.
رفعت حاجبها.
عن الصندوق؟
أيوه.
النهارده؟
بعد ما أصحابك يمشوا.
فضلت تبص لي شوية.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
موافقة.
وقبل ما تخرج من الأوضة، رجعت وبصت للصندوق مرة تانية.
بس أنا هعرف في الآخر.
هزيت راسي.
عارفة.
خرجت وقفلت الباب.
وأنا فضلت واقفة لوحدي.
بصيت للورقة مرة تانية.
كان فيه سطر ما كنتش قدرت أكمله.
السطر اللي بعد
من فضلك خلي عيد ميلادها ملك ليها.
كملت القراءة.
وماما، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
قلبي دق أسرع.
أنا عارفة إنك هتفضلي تلومي نفسك.
وقفت.
لأني فعلًا كنت بلوم نفسي.
من يوم ماتت مريم.
كنت بسأل نفسي ألف مرة
هل كان ممكن أعمل حاجة؟
هل كان ممكن آخدها مستشفى تاني؟
هل كان لازم أكون جنبها أكتر؟
هل كان ممكن أحس إن فيه حاجة غلط؟
لكن مريم كانت بتكمل
لو أنا مشيت، أو لو حصل لي أي حاجة، ما تقعديش تسألي نفسك إيه اللي كان ممكن تعمليه. إنتِ عملتي كل حاجة.
بدأت دموعي تنزل.
والحقيقة الوحيدة اللي عايزاكي تصدقيها إن آخر حاجة كنت بفكر فيها قبل ما أدخل المستشفى ما كانتش الموت.
توقفت عن القراءة.
إيدي اتجمدت.
كملت
كنت بفكر في ليان.
وبعدها
وكنت بفكر في حاجة ما قلتهاش لأي حد.
رفعت الورقة قدام عيني.
الجملة الأخيرة كانت مكتوبة بشكل مختلف.
أثقل.
وأغمق.
وكأن مريم كانت بتكتب وهي مترددة.
أبو ليان مش هو الشخص الوحيد اللي لازم تعرفي عنه.
توقفت.
قرأت الجملة تاني.
وبعدين مرة تالتة.
أبو ليان مش هو الشخص الوحيد اللي لازم تعرفي عنه.
حسيت ببرودة في جسمي.
مين الشخص التاني؟
إيه اللي كانت تقصده؟
قلبت الورقة.
وكان فيه سطر في آخر الصفحة
في الجيب الداخلي للمعطف الأزرق.
بس.
مفيش أي تفسير.
مفيش اسم.
مفيش تفاصيل.
وقتها افتكرت المعطف.
معطف مريم الأزرق.
كنت محتفظة بيه من يوم ما ماتت.
كان متعلّق في آخر الدولاب.
ما لمستوش من سنين.
قمت بسرعة.
فتحت الدولاب.
المعطف كان مكانه.
أزرق غامق.
نضيف.
محفوظ في كيس ملابس قديم.
طلّعته.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتش الجيوب.
الجيب الأول فاضي.
التاني
ولا حاجة.
وبعدين لقيت الجيب الداخلي.
دخلت إيدي.
لمست حاجة.
ورقة.
سحبتها.
كانت صورة.
صورة قديمة جدًا.
مريم وهي صغيرة.
لكن مش لوحدها.
كان معاها شاب.
شاب أنا ما عرفتش شكله.
وقفت أحدق في الصورة.
وفي الخلف كان مكتوب تاريخ.
قبل ولادة ليان بسنتين.
قلبت الصورة.
وكان فيه جملة قصيرة
لو حصل لي حاجة، ماما لازم تعرف مين هو.
وقتها سمعت صوت خطوات ليان في السلم.
خبيت الصورة بسرعة.
تيتا؟
أيوه؟
نزلتي؟
نازلة.
حطيت الصورة في جيبي.
ولما نزلت المطبخ، لقيت ليان واقفة جنب الكيكة.
الكيكة بالفراولة.
زي كل سنة.
والشمعة البيضا كانت جنبها.
ليان بصت للشمعة.
وبعدين قالت
تيتا؟
نعم؟
السنة دي ممكن ما نولعش الشمعة؟
اتجمدت.
ليه؟
هزت كتفها.
مش عارفة.
قربت منها.
إنتِ زعلانة؟
لا.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
بس حاسة إن عيد ميلادي كل سنة بيبقى عن ماما أكتر ما هو عني.
الكلام دخل جوايا زي السكينة.
افتكرت كلام مريم.
من فضلك خلي عيد ميلادها ملك ليها.
حطيت إيدي على خد ليان.
عندك حق.
بصت لي باستغراب.
بجد؟
بجد.
مسكت الشمعة البيضا.
وقبل ما أحطها بعيد، بصيت لها.
كنت طول 15 سنة فاكرة إن الشمعة دي كانت الطريقة الوحيدة اللي أقدر أخلي مريم حاضرة بيها.
لكن يمكن مريم كانت بتحاول تقول لي حاجة تانية.
يمكن كانت عايزاني أسمح لبنتها تعيش.
مش تفضل طول عمرها شايلة غياب أمها فوق كتفها.
حطيت الشمعة في الدرج.
ليان بصت لي وابتسمت.
دي أول مرة.
ابتسمت رغم دموعي.
كل حاجة ليها أول مرة.
بعدها بدقايق، وصل أصحابها.
ضحك وصوت موسيقى، وصور، وكلام عن المدرسة، وكعكة اتقطعت قبل ما حد حتى يخلص التصوير.
ولأول مرة من 15 سنة
ما حكيتش قصة عن مريم.
ما ولعتش الشمعة.
ما خلّيتش عيد ميلاد ليان يبقى يوم حزن.
سيبتها تضحك.
وسيبتها تعيش.
لكن طول الوقت
الصورة كانت في جيبي.
والسر كان بيكبر جوايا.
بعد ما مشي أصحابها، كانت الساعة قربت من عشرة بالليل.
ليان دخلت أوضتي.
وقعدت قدامي.
دلوقتي؟
بصيت لها.
دلوقتي.
حطيت الصندوق بينا.
فتحت الغطا.
طلعت الورقة.
ناولتها ليها.
دي من ماما.
ليان ما مدتش إيدها في الأول.
فضلت تبص للورقة.
وبعدين قالت
هي كانت عارفة إنها هتموت؟
مش بالضرورة.
بس كتبت لو أنا ما رجعتش.
أيوه.
مسكت الورقة.
بدأت تقرأ.
كنت شايفة عينيها بتتحرك على السطور.
وبعد شوية، بدأت دموعها تنزل.
قرأت
لو ليان سألت يومًا إذا كانت ولادتها السبب في موتي، قولي لها لأ.
رفعت عينيها لي.
تيتا
كملي.
رجعت تقرأ.
ولما وصلت لجملة
ما تقوليلهاش إني ضحيت بحياتي عشانها.
شهقت.
إنتِ كنتِ بتقوليلي كده؟
نزلت عيني للأرض.
كنت بقول لك إن ماما ادتك الحياة.
يعني إنتِ كدبتي عليا؟
لا.
رفعت صوتها
بس ده مش اللي قالت هي!
ليان
هي قالت إني مش مدينة لها بحاجة!
سكت.
لأنها كانت بتقول الحقيقة.
قربت منها.
مامتك كانت عايزاكي تعيشي من غير ذنب.
دموعها نزلت.
وأنا طول عمري كنت فاكرة إني السبب.
حضنتها.
وفي اللحظة دي، انهارت بين إيديا.
أنا كنت بخاف أسألك.
من إيه؟
من ماما.
ليه؟
كنت بخاف إنك تزعلي لما أقول إني مش فاكرة شكلها.
قلبي اتقطع.
إنتِ ما كانش مطلوب منك تفتكريها يا حبيبتي.
بس كل الناس كانت بتقول إنها ملاك.
كانت إنسانة.
بصت لي.
يعني كانت بتغلط؟
ضحكت وسط دموعي.
كتير.
ابتسمت لأول مرة.
إنتِ بتعرفيها فعلًا.
أكتر مما تتخيلي.
سكتنا شوية.
وبعدين ليان لاحظت حاجة.
الصورة اللي كنت مخبياها وقعت من جيبي.
نظرت لها.
إيه دي؟
اتجمدت.
التقطتها قبل ما تشوفها.
لكنها كانت أسرع.
ده مين؟
ليان
مين الراجل ده؟
سكت.
مدت إيدها.
وريني.
ما قدرتش.
فقالت
ده مش بابا.
بصيت لها.
لأ.
اتسعت عينيها.
إنتِ تعرفيه؟
لا.
طب ماما كانت تعرفه؟
ما جاوبتش.
وقتها فهمت إن مريم ما سابتش الصندوق عشان تحكي لي قصة قديمة.
هي سابته عشان أكتشف حاجة أكبر.
حاجة تخص ليان نفسها.
مددت لها الصورة.
أخدتها.
فضلت تبص عليها.
وبعدين قلبتها.
قرأت المكتوب في الخلف.
لو حصل لي حاجة، ماما لازم تعرف مين هو.
رفعت عينيها لي.
تيتا
صوتها كان واطي.
ماما كانت مخبية عنك حاجة؟
قلت
واضح إنها كانت مخبية عني حاجة.
والحاجة دي تخصني؟
ما قدرتش أكذب.
ممكن.
سكتت.
وبعدين قالت
عايزة أعرف.
وأنا كمان.
بصيت للصورة.
وبعدين للورقة.
وبعدين للصندوق.
كان فيه ظرف أبيض لسه ما فتحناهوش.
الظرف اللي كان مكتوب عليه
إلى ليان افتحيه بعد عيد ميلادك الخامس عشر.
ليان قربت منه.
مدت

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *