حماتي

خرجت من المستشفى بعد القيصرية… جوزي أخد عربيتي وسابني أركب ميكروباص!سيبني ب جنيه بس وأنا خارجة من المستشفى… وماكنتش أعرف إن مكالمة واحدة هتقلب حياته كلها
دول 50 جنيه، يكفّوكي توصلي البيت… ومن غير دلع، ماشي؟
بصّت سارة منصور لورقة الخمسين اللي جوزها كريم الشاذلي حطّها في إيدها.
كانت بالعافية واقفة على رجليها.
عدّى خمس أيام بس على ولادتها القيصرية، وكانت شايلة ابنها الصغير آدم على صدرها، وكل خطوة كانت بتحسها كأنها سكينة بتقطع جرحها.
قدام بوابة المستشفى الخاصة في القاهرة، كانت عربية BMW بيضا واقفة.
العربية دي كانت بتاعتها.
أبوها جابهالها هدية يوم فرحها.
لكن اللي فتح باب السواق وركب هو كريم.
قالت باستغراب
مش هنروح سوا؟
ضحك بسخرية وقال
أمي وأبويا وأختي ندى جايين معايا. إحنا رايحين نتغدى، ومش هعطل نفسي عشان إنتِ بتمشي بالراحة.
قالت وهي ماسكة مكان الجرح
يا كريم… أنا لسه خارجة من عملية.
رد ببرود
بلاش دلع. أختي بعد الولادة بثلاث أيام كانت بتلف السوق عادي.
في اللحظة دي وصلت حماته أمينة، وحماه الحاج سيد، وأخته ندى.
التلاتة كانوا لابسين شيك، ورايحين يتغدوا وكأن مفيش واحدة لسه والدة.
قالت حماته
يلا يا كريم، المطعم هيزحم.
ولا واحد فيهم حتى بص للبيبي.
ندى ركبت جنب أخوها في العربية، وكريم حط شنطة البيبي في الشنطة الخلفية، ورجع لسارة.
قال وهو بيمد لها المفتاح
في حلة فول من امبارح في التلاجة… سخنيه وكليه. وإوعي تفضلي ترني عليا وإحنا بنتغدى.
ودار العربية…
وسابها واقفة قدام المستشفى، هي وابنها، وجرحها، وورقة الخمسين اللي في إيدها.
بعد حوالي عشر دقايق، ركبت ميكروباص.
أول ما السواق شاف وشها الشاحب، خلاها تقعد قدام.
وطول الطريق كانت بتفتكر كل الإهانات اللي استحملتها من كريم… السخرية، والتقليل، والإهانة قدام أهله.
كريم كان فاكر إن أبوها مجرد مقاول بسيط في الأقاليم.
وسارة عمرها ما صححتله المعلومة.
كانت عايزة تتأكد إنه بيحبها لشخصها… مش لفلوسها.
اللي كريم ماكانش يعرفه إن منصور بيه، والد سارة، واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، وصاحب مجموعة شركات واستثمارات وبنوك وفنادق بمليارات الجنيهات.
ولما الميكروباص وقف عند إشارة، لقت عربية ال جنبها.
بصت لقت كريم بيضحك مع أخته وأهله.
ولا حتى لف وشه يبص عليها.
في اللحظة دي… الحزن اتحول لقرار.
طلعت موبايلها، وفتحت رقم كانت بقالها سنين بتتجنب تتصل بيه.
رد أبوها من أول رنة
سارة… بنتي؟
دموعها نزلت وهي بصّة لابنها النائم.
وقالت

بصوت مكسور
يا بابا… تعالى خدني. كريم سابني أروح البيت بميكروباص بعد العملية، وأخد عربيتي وراح يتغدى مع أهله… وأنا مش هرجعله تاني.
سكت منصور بيه أربع ثواني.
وبعدين قال بصوت بارد
ابعتيلي مكانك… ومن النهارده كريم هيعرف كويس مين اللي كان واقف وراه طول السنين.
وفي الوقت اللي كان كريم بيرفع الكوباية ويضحك مع أهله، وهو متأكد إن سارة أول ما توصل البيت هتقوم تحضرله العشا…
ماكانش عنده أي فكرة إن حياته كلها كانت على وشك تتقلب في لحظة ووو
بقلم_زيزي_احمد
ركبت سارة العربية وهي ما زالت حاضنة آدم، ومنصور بيه بنفسه ساعدها تقعد براحة.
أول ما العربية اتحركت، بص لبنته وسألها بهدوء
قوليلي الحقيقة… دي أول مرة يعمل معاكي كده؟
سارة نزلت عينيها.
وسكتت.
السكوت كان كفاية يفهم كل حاجة.
قالت بعد لحظات
لا يا بابا… دي يمكن أبسط حاجة عملها.
وحكت له كل اللي عاشته من أول الجواز… كل كلمة جارحة، وكل موقف اتكسرت فيه، وكل مرة كانت بتسكت عشان تحافظ على بيتها.
منصور بيه كان بيسمع من غير ما يقاطعها.
لكن إيده كانت مقبوضة بقوة.
ولما خلصت، قال جملة واحدة
خلاص… من النهارده مفيش حد هيقدر يذلك تاني.

في نفس الوقت، وصل كريم الشركة وهو متعصب.
دخل مكتب المدير من غير حتى ما يخبط.
إيه اللي بيحصل؟
المدير بصله بأسف وقال
القرار جه من الإدارة العليا… المشروع اللي كنت ماسكه اتسحب منك، وكل الصلاحيات اتوقفت مؤقتًا لحين مراجعة بعض الأمور.
اتجمد كريم مكانه.
يعني إيه اتوقفت؟! أنا شغال هنا بقالي سنين.
رد المدير
وأنا معرفش أكتر من اللي بلغوني بيه.
خرج كريم وهو حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
رن على أكتر من شخص يعرفه…
كل واحد كان بيرد بنفس الجملة
معلش يا كريم… الموضوع أكبر مننا.
بدأ القلق يدخل قلبه لأول مرة.

أما سارة، فوصلت إلى بيت والدها.
الخدم كانوا واقفين على الباب، وأول ما شافوها جريوا يساعدوها.
الدكتور الخاص بالعيلة كان مستنيها، كشف على الجرح، وهز راسه بضيق.
وقال لمنصور بيه
كان المفروض متتحركش بالطريقة دي بعد العملية… اللي حصل ده كان ممكن يسبب لها مضاعفات خطيرة.
منصور بيه بص للسقف للحظة، كأنه بيحاول يسيطر على غضبه.
ثم التفت إلى مدير مكتبه الذي كان واقف في الخارج وقال
من دلوقتي… أي حد يسأل على سارة، يعرف إنها في رعاية أسرتها… ومحدش يدخل البيت إلا بإذن مني.
مدير المكتب هز رأسه باحترام.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا…
كان كريم واقف قدام باب شقته.
فتح الباب وهو بينادي بثقة
سارة… حضريلي الأكل، أنا رجعت.
لكن البيت كان ساكت بشكل غريب.
دخل أوضة النوم…
لقى سرير الطفل فاضي.
ودولاب سارة مفتوح، وفيه أماكن فاضية.
وقبل ما يستوعب اللي شايفه…
سمع صوت رسالة وصلت على موبايله.
فتحها بسرعة…
فاتسعت عيناه وهو بيقرأ أول سطر…في نفس اللحظة، كان منصور بيه قافل المكالمة، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
رفع سماعة مكتبه، وقال بهدوء غريب
اجمعولي كل الملفات الخاصة بكريم الشاذلي… وكل شركة أو عقد أو مشروع باسمه أو بيشتغل فيه. قدامي نص ساعة.
السكرتير اتردد وقال
حاضر يا فندم.
رد منصور بيه
ومن غير ما حد يحس… محدش يعرف إن سارة كلمتني.

في الناحية التانية…
كان كريم قاعد في المطعم، بيضحك مع أهله، وهو بيبص في موبايله كل شوية.
قالت ندى وهي بتضحك
أراهنك دلوقتي سارة وصلت البيت، وسخنت الفول زي ما قولتلها.
ضحكت أمينة وقالت
البنت لازم تتعلم إن جوزها وأهله أهم من أي حاجة.
كريم هز راسه بثقة
هتزعل ساعة ولا اتنين… وبعدين هتكلمني تعتذر إنها كبرت الموضوع.
وفي نفس اللحظة، رن موبايله.
بص للاسم… لقى مدير الشركة.
ابتسم ورد وهو بيقول
أيوة يا أستاذ حسام.
لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا.
يعني إيه الاجتماع اتلغى؟
سكت ثواني.
وإيه يعني كل العقود اتأجلت؟
ملامحه بدأت تتغير.
طيب… حاضر، أنا جاي.
قفل المكالمة وهو متوتر.
سأله الحاج سيد
في إيه؟
حاول يبتسم وقال
شوية مشاكل شغل بسيطة.
لكن قبل ما يحط الموبايل في جيبه… رن مرة تانية.
المرة دي كان رقم البنك.
ومع كل كلمة سمعها، وشه بدأ يشحب أكتر.
ندى بصت له بقلق لأول مرة وقالت
كريم… مالك؟
بلع ريقه بصعوبة، وهو حاسس إن حاجة كبيرة بتحصل… لكنه لسه مش فاهم إيه.
وفي نفس الوقت، كانت عربية سوداء فاخرة تقف بجوار الميكروباص الذي تستقله سارة.
نزل منها رجل خمسيني ببدلة أنيقة، وفتح الباب بنفسه.
اقترب منها بهدوء، ثم قال بصوت امتزج فيه الغضب بالحنان
يلا يا بنتي… من النهارده، محدش هيخلي دمعة تنزل من عينك تاني.
كل ركاب الميكروباص بصوا في ذهول، بينما سارة احتضنت طفلها بقوة، ونزلت ببطء، دون أن تدري أن الساعات القادمة ستحمل مفاجآت لم يكن كريم يتخيلها أبدًا…وقف كريم مكانه، وقلبه بدأ يدق بسرعة.
فتح الرسالة وهو متوقع إن سارة بتعتذر أو بتقوله إنها عند أهلها وهترجع.
لكن اللي قراه خلاه يتجمد.
أنا عند والدي مع ابني، وبحاجة للراحة بعد العملية. لما أكون جاهزة للكلام، هتواصل معاك.
ماكانش في إهانة.
ولا تهديد.
ولا حتى عتاب.
وده اللي ضايقه أكتر.
اتصل بيها فورًا.
الهاتف مغلق.
كرر الاتصال مرة… واتنين… وعشرة.
مفيش رد.
رمى المفاتيح على الكنبة بعصبية، واتصل بأمه.
ردت أمينة وهي لسه في المطعم
خير يا كريم؟
قال بانفعال
سارة سابت البيت وراحت عند أبوها.
ضحكت وقالت بثقة
سيبها يومين وهترجع لوحدها. متجريش وراها.
ندى أخدت الموبايل من أمها وقالت
دي بتدلع عليك. خليها تتربى شوية.
كريم حاول يقتنع بكلامهم، لكنه كان حاسس إن المرة دي مختلفة.

في بيت منصور بيه…
كانت سارة نايمة بعد ما أخدت العلاج، وآدم نايم جنبها.
منصور بيه وقف قدام باب الأوضة يبص عليهم في هدوء.
ثم خرج وقفل الباب برفق.
في الصالون، كان مدير مكتبه منتظره.
قال بهدوء
كل المعلومات بقت قدامنا يا فندم.
فتح الملف، وقال
كريم كان داخل في أكتر من مشروع، وكلهم قائمين على تسهيلات وثقة من ناس بيقدروك ويحترموا اسمك… من غير ما يعرف إنك والد سارة.
منصور بيه قلب أول ورقة، ثم قال
أنا مش عايز حد يظلمه… لكن كمان مش هسمح لحد يهين بنتي ويكمل كأن مفيش حاجة حصلت.
مفهوم يا فندم.
أي تعامل معاه يكون بالقانون… ومن غير أي تجاوز.
أغلق الملف، ونظر من النافذة وقال
اللي يزرع احترام… يحصد احترام. واللي يزرع استهانة بالناس… لازم يتحمل نتيجة أفعاله.

في صباح اليوم التالي…
استيقظ كريم على رنين هاتفه.
كان أحد العملاء الذين كان يعول عليهم كثيرًا.
ابتسم بسرعة ورد
صباح الخير يا فندم.
لكن بعد أقل من دقيقة، اختفت الابتسامة.
حضرتك بتعتذر عن الاتفاق؟
استمع في صمت، ثم قال
تمام… أنا فهمت.
أغلق المكالمة، وقبل أن يلتقط أنفاسه، رن الهاتف مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
ومع كل مكالمة، كان يسمع اعتذارًا جديدًا، وتأجيلًا جديدًا، وانسحابًا جديدًا.
بدأ يشعر أن شيئًا كبيرًا يتحرك في الخفاء… لكنه لا يعرف من وراءه، ولا لماذا بدأ الآن تحديدًا قعد كريم على الكنبة وهو ماسك راسه بإيده.
أول مرة في حياته يحس إن كل حاجة بتفلت من بين إيديه في نفس الوقت.
رن على صاحبه المقرب، شريف.
إزيك يا شريف… محتاج أفهم إيه اللي بيحصل.
سكت شريف شوية، وقال
كنت مستنيك تتصل.
يعني إنت عارف؟
اللي أعرفه إن ناس كبيرة وقفت أي تعامل جديد معاك… ومحدش راضي يقول السبب.
اتنهد كريم بعصبية.
طب مين الناس الكبيرة دي؟
والله لو كنت أعرف كنت قلتلك.
وقفل المكالمة.

في بيت منصور بيه…
صحيت سارة على صوت الممرضة وهي بتطمن على الجرح.
بعدها دخلت والدتها، الحاجة فاطمة، شايلة صينية فطار.
ابتسمت بحنان وقالت
لازم تاكلي يا حبيبتي… جسمك محتاج يتعوض.
سارة لأول مرة من أيام حسّت بالأمان.
بصت لابنها وهو نايم، وقالت بهدوء
مش هسمح لحد يحسسه يوم بالإهانة اللي أنا عشتها.
والدتها مسكت إيدها وقالت
أهم قرار خدتيه إنك طلبتي المساعدة قبل ما تتعبي أكتر.

بعد الظهر…
وقف كريم قدام
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *