حكايات ميرا

مديرة المستشفى أجبرت الجرّاح ينضّف بلاعة المشرحة قدام لجنة التفتيش كلها، وقالت له بسخرية
ورّينا بقى إذا كنت تعرف تشتغل بإيدك زي ما بتعرف تعمل شكاوى!
هو ما جادلهاش نزل على ركبته وبدأ ينضّف البلاعة.
لكن بعد ثواني، طلع منها كيس مقفول بعناية، جواه ملفات تخص أمه المريضة.
وأول ما فتح أول ملف
ابتسامتها اختفت تمامًا.
لأن اللي كان مستخبي جوه البلاعة ما كانش مجرد قذارة
كان سر أسوأ بكتير.
الجزء الأول
لمّه يا دكتور. وبالمرة روح نضّف بلاعة المشرحة. من غير جوانتي كمان عشان لجنة التفتيش تشوف بنفسها إنت واثق من شغلك قد إيه.
الدكتورة سلوى عبد الرحمن رمت الممسحة قدام الكل.
وقعت الممسحة المبلولة على أرض مستشفى سان ميشيل الإقليمي في المنصورة، ورشّت شوية مية على جزمة الدكتور محمود سامح، جرّاح عنده 32 سنة.
ورا المديرة كان واقف ستة مسؤولين جايين من القاهرة، من بينهم مفتشين تابعين لوزارة الصحة وهيئة الدواء.
وفي الممر، كان أكتر من تلاتين موظف واقفين بيتفرجوا.
البلاعة دي بقالها تلات أسابيع مسدودة كملت سلوى بسخرية. عمّال النقل بيقولوا دي مش شغلتهم، والصيانة معندهاش عدد كفاية وإنت شكلك فاضي وعندك وقت تعمل شكاوى للوزارة. فخلينا نشوف بقى إذا كنت تعرف تشتغل بإيدك.
محمود ما اتحركش.
ولو رفضت؟
ابتسمت سلوى ابتسامة باردة.
هكتبلك تقرير عصيان أوامر. وساعتها مش هتلاقي مستشفى تقبلك حتى لو كانت عيادة في آخر الدنيا.
وبعدين قربت منه وقالت بصوت أوطى
وبعدين والدتك لسه محتاجة جلسات غسيل كلى، مش كده؟ هيبقى صعب عليك لو مرتبك اتوقف.
ناس كتير بصّت في الأرض.
كلهم كانوا عارفين الست أمينة محمود، والدة محمود.
بقالها سنين مريضة، من وقت ما خدت علاج للسرطان أثّر بشدة على كليتها وقلبها، وبقت محتاجة متابعة وغسيل كلى باستمرار.
محمود انحنى وشال الممسحة.
فيه جردل تحت؟
انزل دوّر عليه.
لفّت سلوى ناحية اللجنة وقالت
معلش على المنظر ده. إنتوا عارفين الموظفين لما يحسوا إن محدش يقدر عليهم بيعملوا إيه.
لكن واحد من أعضاء اللجنة، الأستاذ حسام البدري، وكان أعلى مسؤول موجود، بص لمحمود وهو ماشي ناحية السلم.
أنا عايز أشوف البلاعة دي بنفسي.
سلوى اتوترت.

أستاذ حسام، والله الموضوع مش مستاهل.
لو بقالها تلات أسابيع مسدودة في المشرحة، يبقى مستاهل.
اللجنة كلها نزلت وراه.
ريحة المشرحة كانت خانقة كلور، ورطوبة، وحديد قديم.
بين ترابيزتين من الستانلس، كانت البلاعة مفتوحة، وحواليها مية لونها رمادي.
محمود خلع بالطو الدكتور، ورفع أكمام قميصه، ونزل على ركبته.
على الأقل ادّوله جوانتي قالت واحدة من الممرضات بصوت واطي.
لكن سلوى ردت ببرود
هو طول عمره بيقول إنه مش بيخاف من الحقيقة يبقى يلمسها بإيده.
محمود رفع عينه وبص لها من على الأرض.
عندك حق يا دكتورة.
وسكت لحظة، وبعدين قال
الحقيقة ساعات بتكون مبلولة وريحتها وحشة.
وبعدين دخل إيديه الاتنين جوه البلاعة.
خمس ثواني عدّوا.
عشرة.
فجأة محمود مسك حاجة.
شد بكل قوته.
طلع كيس كبير ملفوف في بلاستيك أسود، ومتربط بشريط لاصق صناعي.
وش سلوى اتغيّر.
إيه ده؟!
محمود قام، والمية بتنزل من دراعاته لحد الأرض، وحط الكيس على ترابيزة معدنية.
بهدوء، طلع مشرط من جيبه وقطع البلاستيك.
جواه كان فيه تلات ملفات طبية، وعلبة فيها شرائح تحليل، وفلاشة USB، وكذا عقد ومستند.
سلوى اندفعت ناحيته.
محدش يلمس حاجة! دي أدلة متفبركة!
محمود بص لها، وبعدين فتح أول ملف.
وقال بصوت ثابت
اسم المريضة أمينة محمود عبد الرحمن.
سكت لحظة.
أمي.
وبمجرد ما رفع أول ورقة قدام اللجنة
وش سلوى فقد لونه تمامًا.
لأن اللي كان مستخبي في بلاعة المشرحة
كان على وشك يفضح مش بس مستقبلها المهني.
كان على وشك يدفن تلاتين سنة كاملة من الأكاذيب.
يتبع
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا أمي؟!
محمود قالها وهو بيبص للورقة، كأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.
الأستاذ حسام قرب منه بسرعة.
اديني الملف يا دكتور.
محمود ناوله الورق، لكن قبل ما حسام يبدأ يقلب فيه، سلوى صرخت
قلت محدش يلمس حاجة!
حسام رفع عينه لها.
وإنتِ خايفة ليه؟
سلوى سكتت.
محمود قلب الصفحة التانية.
كانت نتيجة تحاليل باسم والدته، بتاريخ من خمس سنين.
لكن الغريب إن التقرير مكتوب فيه إن أمينة محمود دخلت المستشفى في حالة حرجة، واتعمل لها إجراء طبي خطير
محمود عقد حواجبه.
أمي عمرها ما دخلت المستشفى هنا في التاريخ ده.
سلوى حاولت تقاطعه
ممكن يكون فيه خطأ في الأرشيف.
محمود قلب الصفحة اللي بعدها.
ودي مش نتيجة التحليل اللي كانت معايا وقتها.
سحب نفس عميق، وبص على اللجنة.
أنا كنت ماسك ملف أمي بنفسي. والدتي كانت بتتعالج في مستشفى خاص، مش هنا.
ساد الصمت.
واحد من المفتشين أخذ الورقة وبص فيها.
مين الطبيب الموقّع هنا؟
محمود قرب.
وشه اتجمّد.
الدكتور سامح عبد الرحمن.
رفع عينه ببطء ناحية سلوى.
ده اسم أبوكي، صح؟
سلوى ما ردتش.
حسام مد إيده.
كمّلوا التفتيش.
أحد المفتشين فتح العقد الموجود في الكيس.
وبمجرد ما قرأ أول سطر، قال
يا نهار أبيض
محمود خطف الورقة من إيده.
العقد كان خاص بتوريد أدوية ومستلزمات طبية للمستشفى.
لكن اسم الشركة الموردة كان مألوفًا جدًا.
شركة الرحمة للتوريدات الطبية.
محمود همس
دي الشركة اللي كانت بتورد أدوية أمي زمان.
سلوى بدأت تتراجع خطوة.
ده مالوش علاقة بيا.
حسام بص لها بحدة.
محدش اتهمك.
ثم أشار للكيس.
لسه إحنا بنقرأ.
محمود فتح الفلاشة.
كان عليها مجلد واحد.
اسمه
ملفات أمينة 1996
محمود بص للتاريخ، وقلبه بدأ يدق بعنف.
1996؟
قالها بصوت منخفض.
أمي كانت عندها 29 سنة وقتها.
المفتش وصل الفلاشة باللاب توب الخاص باللجنة.
ظهر أول ملف فيديو.
تسجيل قديم، والصورة مش واضحة.
لكن الصوت كان واضحًا.
صوت رجل كبير في السن
البنت دي لازم تختفي من الملف قبل ما تفتح بُقها.
صوت تاني رد
ولو سألت عن ابنها؟
الرجل الأول ضحك.
قولوا لها إن ابنها مات.
محمود وقف مكانه.
ابني؟!
اللجنة كلها سكتت.
محمود قرب من الشاشة.
أنا كنت مولود سنة 1994
بص لسلوى.
يبقى مين الابن اللي بيتكلموا عنه؟
سلوى كانت ساكتة تمامًا.
وفجأة، الممرضة اللي كانت واقفة بعيد قالت بصوت مرتعش
دكتورة سلوى
سلوى بصتلها.
إيه؟
الممرضة بلعت ريقها.
أنا شفت الملف ده قبل كده.
حسام لف ناحيتها.
فين؟
الممرضة أشارت للبلاعة.
من حوالي شهر شفت سلوى بنفسها وهي بتحط كيس أسود هنا.
وش سلوى اتحول للصدمة.
إنتِ بتكدبي!
لكن قبل ما تكمل
محمود فتح آخر ملف في الفلاشة.
وكان عبارة عن صورة قديمة.
صورة لأمينة وهي شابة، واقفة قدام مستشفى صغير.
وفي حضنها طفل رضيع.
محمود قرب من الشاشة.
عينه اتسعت.
لأن الطفل كان لابس سلسلة صغيرة على صدره
نفس السلسلة اللي محتفظ بيها محمود من يوم ما كان طفل.
وتحت الصورة كان مكتوب
أمينة عبد الرحمن الأم الحقيقية للطفل.
محمود ما قدرش يتكلم.
أما سلوى
فأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.
لأن محمود لم يكن مجرد ابن المريضة.
كان الشخص الوحيد اللي وجوده كان ممكن يكشف الحقيقة اللي أخفوها لأكتر من تلاتين سنة.
وفجأة، تليفون سلوى رن.
بصت للشاشة
والاسم اللي ظهر كان
سامح عبد الرحمن أبي
محمود شاف الاسم.
ومد إيده ناحية تليفونها.
ردي.
سلوى رجعت لورا.
إنت مالك؟
محمود بص لها بثبات
عشان لو أبوكي هو اللي خبّى الحقيقة دي
سكت لحظة.
يبقى أنا عايز أسمع منه الحقيقة بنفسي.
لكن قبل ما سلوى ترد
وصلت رسالة جديدة على تليفونها.
قرأتها سلوى، ووشها شحب تمامًا.
محمود لمح أول سطر منها
إبعدي محمود عن الملف فورًا قبل ما يعرف مين أبوه الحقيقي.
يتبعالموبايل كان لسه في إيد سلوى، لكن محمود كان شاف الرسالة.
إبعدي محمود عن الملف فورًا قبل ما يعرف مين أبوه الحقيقي.
الجملة فضلت معلقة في الهوا.
محمود مد إيده.
هاتي الموبايل.
سلوى هزت راسها.
دي رسالة شخصية.
بعد اللي لقيناه في بلاعة المشرحة؟ مفيش حاجة هنا شخصية.
الأستاذ حسام أخد الموبايل منها قبل ما يحصل أي شد.
هنحتفظ بيه كجزء من التحقيق.
سلوى صرخت
إنتوا مش فاهمين حاجة!
حسام رد بهدوء
عشان كده هنسمع كل الأطراف.
في اللحظة دي، تليفون محمود رن.
رقم والدته.
رد بسرعة.
ألو؟ أمي؟
لكن صوت الست أمينة كان ضعيف ومضطرب.
محمود إنت في المستشفى؟
أيوه.
سكتت ثواني.
لقيت حاجة؟
محمود اتجمد.
إنتِ عرفتي؟
نفس طويل خرج من الناحية التانية.
كنت خايفة اليوم ده ييجي.
محمود بص للجنة.
أمي إنتِ تعرفي سلوى؟
صمت.
وبعدين قالت
سلوى مش المشكلة يا محمود.
أمال مين؟
صوتها ارتعش.
أبوها.
محمود حس إن الأرض بتتحرك تحته.
الدكتور سامح؟
أيوه.
عمل إيه؟
قبل ما تجاوبه، سمع صوت جهاز إنذار بعيد في الخلفية.
وبعدين صوت راجل بيقول
مدام أمينة، الضغط نزل!
المكالمة اتقطعت.
محمود اتحرك فورًا.
لازم أروح لأمي.
حسام مسكه من دراعه.
استنى. إحنا هنروح معاك.
لكن سلوى فجأة قالت
متروحش!
الكل بص لها.
قالت بصوت مخنوق
لو رحت دلوقتي ممكن تقتل أمك.
محمود قرب منها.
مين؟
سلوى غمضت عينيها.
ولأول مرة، دموع نزلت منها.
أبويا.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
أبويا هو اللي بدأ كل حاجة.
محمود بص لها بصدمة.
بدأ إيه؟
سلوى رفعت عينيها

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *