حماتي

بيت منصور بيه.
كان متوقع إن البواب أول ما يعرفه هيفتحله الباب.
لكن البواب وقف قدامه باحترام وقال
معلش يا فندم… عندي تعليمات محدش يدخل إلا بإذن.
استغرب كريم.
أنا جوز بنت صاحب البيت.
رد البواب بهدوء
التعليمات على الكل.
بدأ صوته يعلى.
روح بلغ سارة إني هنا.
قبل ما البواب يتحرك، خرج مدير مكتب منصور بيه.
وقف قدام كريم وقال باحترام
أستاذ كريم… مدام سارة محتاجة راحة، والدكتور مانع عنها أي توتر.
قال كريم بعصبية
أنا عايز أشوف مراتي وابني.
رد مدير المكتب
لما حالتها تسمح، وهي توافق، هيكون فيه لقاء. لكن النهارده… مش ممكن.
كريم شد على أسنانه وقال
يعني بتمنعوني؟
ابتسم الرجل بهدوء وقال
إحنا بننفذ تعليمات طبية… وبنحافظ على راحتها.
وفي اللحظة دي…
كانت ستارة أوضة سارة اتحركت سنة بسيطة.
وقفت تبص من بعيد.
شافت كريم واقف برة البوابة لأول مرة من غير ثقة، ومن غير غرور.
لكنه ما شافهاش.
فضل واقف دقائق طويلة، ثم رجع عربيته وهو حاسس إن كل الأبواب بدأت تتقفل في وشه… ولسه ما يعرفش إن المفاجأة الأكبر كانت مستنياه في اليوم التالي تاني يوم الصبح…
كريم وصل الشركة بدري جدًا، وكان مقرر يحل كل المشاكل بنفسه.
أول ما دخل، لاحظ إن الموظفين بيبصوا له باستغراب، وبعدها ينزلوا عيونهم بسرعة.
دخل مكتبه، فاتفاجئ إن السكرتيرة مستنياه.
قالت بتوتر
صباح الخير يا أستاذ كريم… المدير العام طالب حضرتك حالًا.
اتجه لمكتب المدير بخطوات سريعة.
خبط على الباب، فسمع
اتفضل.
دخل وهو بيحاول يبان هادي.
المدير شاورله يقعد، وقال
يا كريم… فيه إعادة هيكلة للإدارة، وفيه قرارات جديدة هتتطبق من النهارده.
استغرب كريم وقال
وإيه علاقتها بيا؟
فتح المدير ملف قدامه وقال
هتسلم كل الملفات اللي معاك، وهتكون في إجازة مدفوعة لمدة أسبوع لحد ما المراجعات تخلص.
وقف كريم بعصبية.
يعني إيه؟ أنا عملت إيه؟
رد المدير بهدوء
القرار إداري، وأنا بنفذ اللي جالي.
خرج كريم وهو حاسس بالإهانة.
أول ما ركب عربيته، قرر يروح لسارة مهما حصل.
وفي نفس الوقت…
كانت سارة قاعدة في جنينة بيت والدها، وآدم نايم في العربية الصغيرة جنبه.
دخل منصور بيه وقعد قدامها.
قال بهدوء
أنا عمري ما تدخلت في حياتك، لأنك اخترتي بنفسك، وكنت عايزك تعيشي التجربة بطريقتك.
هزت سارة رأسها وهي ساكتة.
أكمل
لكن من اللحظة اللي سابك فيها بعد العملية، وهو عارف حالتك… انتهى أي تهاون من ناحيتي.
قالت سارة بصوت هادئ
يا بابا… أنا مش عايزة أنتقم منه.
ابتسم منصور بيه وقال
وأنا كمان. الانتقام عمره ما كان هدفي… لكن لازم كل إنسان يتحمل نتيجة تصرفاته.
في اللحظة دي، دخل أحد العاملين بسرعة.
يا فندم… الأستاذ كريم واقف بره، وبيقول مش هيمشي غير لما يشوف مدام سارة.
نظر منصور بيه إلى ابنته وقال
القرار قرارك… لو مش حابة تشوفيه، محدش هيجبرك.
سارة بصت ناحية أوضة ابنها، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ.
وبعد تفكير طويل، قالت جملة واحدة
خلوه يستنى… لحد ما أقرر إذا كنت هقابله… ولا أخليه يرجع من غير ما يسمع حتى صوتي مرّت عشر دقائق…
ثم عشرين.
ثم ساعة كاملة.
وكريم ما زال واقف أمام البوابة.
الشمس كانت حامية، لكنه رفض يمشي.
كل شوية يبص على البيت، يمكن يشوف سارة في البلكونة، أو حد يناديله.
لكن مفيش أي حركة.
بعد ساعة ونص، خرج مدير المكتب مرة تانية.
قال بهدوء
اتفضل اشرب مية.
كريم رفض وقال بعصبية
أنا مش همشي غير لما أشوف مراتي.
رد الرجل باحترام
مدام سارة لسه ماخدتش قرار.
وسابه ودخل تاني.

من فوق…
كانت سارة واقفة ورا الستارة.
شايفة كريم لأول مرة مستني.
افتكرت يوم ما كانت واقفة قدام المستشفى، شايلة ابنها، وهو سابها ومشي من غير حتى ما يلتفت.
تنهدت وقالت لنفسها
ساعتها أنا كمان استنيت… واستنيت إنه يرجع ياخدني… لكنه حتى مبصش وراه.
دخلت أوضتها، وهي حاسمة أمرها.

بعد شوية…
خرج منصور بيه بنفسه.
وقف قدام البوابة.
كريم أول ما شافه، جري عليه.
يا عمي… أنا عايز أشوف سارة.
رد منصور بيه بهدوء
الأول… اسأل نفسك، لما خرجت من المستشفى بعد العملية، هي كانت محتاجة تشوف مين؟
سكت كريم.
ولما سيبتها تركب مواصلة وهي شايلة ابنها… كنت مستني منها تحس بإيه؟
قال كريم وهو بيحاول يبرر
الموضوع اتفهم غلط…
قاطعه منصور بيه
مفيش حاجة اتفهمت غلط. اللي حصل واضح.
خفض كريم رأسه لأول مرة.
وقال بصوت أهدى
أنا غلطت.
سأله منصور بيه
غلطت في إيه؟
فضل ساكت ثواني، ثم قال
غلطت لما استهونت بتعبها… ولما فكرت إن اعتذارها مضمون مهما عملت.
نظر إليه منصور بيه طويلًا، ثم قال
الاعتراف بالغلط بداية كويسة… لكن البداية لوحدها عمرها ما كانت كفاية.
وفي اللحظة دي…
فتح باب البيت الداخلي.
خرجت سارة ببطء، وهي لابسة ملابس بسيطة، وآدم بين إيدي الممرضة.
وقف كريم مكانه، وبص لها.
لكنها لم تقترب.
وقفت على بُعد خطوات، ونظرت إليه في هدوء.
كان واضح على وجهها أنها لم تعد تلك المرأة التي كانت تخاف من زعله أو من كلام أهله.
ولأول مرة منذ زواجهما…
شعر كريم أنه هو الذي يخشى أن يسمع منها الكلمة القادمة فضل كريم واقف، وكأنه نسي كل الكلام اللي كان مجهزه.
بص لسارة، ثم لابنه الصغير.
وقال بصوت منخفض
عاملة إيه دلوقتي؟
ردت سارة بهدوء
الحمد لله… أحسن.
كان الرد قصيرًا، لكنه كفاية يخليه يفهم إن المسافة بينهم بقت أكبر من مجرد كام متر.
قال بسرعة
أنا جيت آخدك… يلا نرجع بيتنا.
هزت سارة رأسها بالنفي.
مش هرجع دلوقتي.
اتوتر كريم وقال
ليه؟ خلاص… اللي حصل انتهى.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
انتهى بالنسبة لمين يا كريم؟
سكت.
فأكملت
الجرح اللي في بطني هيخف مع الوقت… لكن اللي حصل قدام المستشفى مش هينسيني بسهولة.
حاول يقرب خطوة.
لكن منصور بيه وقف في مكانه، من غير ما يتكلم.
فهم كريم الرسالة، ووقف مكانه.
قال
أنا مستعد أصلح كل حاجة.
ردت سارة
الإصلاح مش بالكلام.
أعمل إيه؟
نظرت إليه للحظات، ثم قالت
أول حاجة… تبطل تسمع أي حد في حياتك أكتر من ضميرك.
خفض عينيه.
وتاني حاجة… تحترم أم ابنك قبل ما تطلب منها ترجع.
كانت أمينة، والدة كريم، قد اتصلت به أكثر من مرة، لكنه كان سايب الموبايل على الصامت.
وفجأة…
رن الموبايل من جديد.
بص للشاشة، لقى اسم أمه.
اعتذر بنظره لسارة، ورد.
جاله صوت أمه بعصبية
إنت لسه عندهم؟ سيبها وتعالى. اللي تسيب بيتها مرة، هتسيبه كل مرة.
سارة سمعت جزءًا من الكلام، لكنها لم تعلق.
أما كريم، ففضل ساكت لثوانٍ.
ثم قال لأول مرة أمام الجميع
يا أمي… بعد إذنك… الموضوع بيني وبين مراتي، ومحدش هيتدخل فيه من النهارده.
ساد صمت مفاجئ.
حتى أمينة نفسها ما ردتش لثوانٍ من شدة الصدمة.
ثم قالت بغضب
يعني بقيت ترد عليا عشانها؟
لكن كريم أنهى المكالمة بهدوء.
رفع عينه ناحية سارة.
ولأول مرة، شعرت أنه بدأ يفهم حجم الخطأ الذي ارتكبه… لكن الطريق لاستعادة ثقتها كان لا يزال طويلًا جدًا، وأصعب مما يتخيل بعد ما قفل المكالمة، عمّ الصمت لثواني.
سارة كانت بتبص له من غير انفعال.
لا غضب… ولا دموع.
وده كان أصعب عليه من أي عتاب.
قال كريم بهدوء
أنا عارف إن مجرد كلمة آسف مش هتمحي اللي حصل.
سارة ردت
صح.
لكن اديني فرصة أثبتلك إني اتغيرت.
سألته وهي ثابتة
ولو الزمن رجع بيك لورا… كنت هتسيبني برضه قدام المستشفى؟
نزل برأسه للأرض، وبعد لحظة قال
لا… ومستحيل أكررها.
قالت
المشكلة إن الزمن ما بيرجعش يا كريم.
التفتت ناحية والدها.
يا بابا… أنا تعبت، وعايزة أطلع أوضتي.
هز منصور بيه رأسه.
وقبل ما تدخل، وقفت لحظة وقالت من غير ما تبص لكريم
لو فعلًا عايز تصلح غلطك… ابدأ بنفسك، مش بيا.
ودخلت البيت.
فضل كريم واقف مكانه، يحس لأول مرة إن كل كلمة قالتها كانت أثقل من أي عقاب.

بعد خروجه من الفيلا، ركب عربيته وساق من غير هدف.
فضل يفتكر كل موقف كانت سارة بتعديه وتسكت.
لما كانت تستناه بالساعات وهو خارج مع أصحابه.
لما كانت تتعب وهو يقول إنها بتدلع.
ولما كانت تحاول تقرب من أمه، وتقابلها بالجفاء.
كل المشاهد عدت قدامه كأنها فيلم.
ولأول مرة، شاف نفسه بعين سارة.

في المساء…
كان منصور بيه قاعد في مكتبه، لما دخل عليه محاميه.
قال
يا فندم، في شوية أوراق لازم حضرتك تطلع عليها.
بص منصور بيه في الملف، ثم قال
خلّي كل حاجة ماشية بالقانون، ومن غير أي استعجال.
أغلق المحامي الملف، لكنه قبل ما يخرج قال
في شخص بره مصمم يقابل حضرتك.
مين؟
بيقول إنه والد الأستاذ كريم.
رفع منصور بيه عينه في هدوء.
وقال
دخّلوه.
وبعد لحظات…
دخل الحاج سيد، وكانت ملامحه مختلفة تمامًا عن آخر مرة.
لا ابتسامة… ولا ثقة.
وقف في منتصف المكتب، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
أنا جاي أتكلم معاك… لأن واضح إن اللي جاي أكبر من اللي فات خرج منصور بيه من مكتبه، ومعه الحاج سيد.
كان كريم واقف عند باب الفيلا، وما إن شاف والده حتى اعتدل في وقفته.
بص له الحاج سيد نظرة طويلة، وقال قدام الجميع
اسمع يا كريم… أنا طول عمري بدافع عنك، لكن المرة دي لأ.
اتسعت عينا كريم.
أكمل والده
اللي عملته مع مراتك وهي خارجة من عملية، لا يرضي ربنا ولا يرضي أي راجل محترم.
ساد صمت ثقيل.
حتى الحراس والعاملون في الفيلا كانوا واقفين في هدوء.
قال الحاج سيد
لو كنت فاكر إن الرجولة إنك ترفع صوتك أو تفرض رأيك… تبقى اتعلمتها غلط.
أطرق كريم رأسه، ولم ينطق.
نظر إليه منصور بيه، ثم قال
سارة لسه تعبانة، ومش هتنزل النهارده.
هز كريم رأسه بتفهم.
ثم مد الحقيبة الصغيرة إلى مدير المكتب.
لو سمحت… وصلها لها.
أخذها مدير المكتب، ودخل بها إلى الفيلا.

في الداخل…
وضعت الممرضة الحقيبة أمام سارة.
فتحتها بهدوء.
وجدت كل أغراضها مرتبة بعناية.
وفي الجيب الصغير، كانت هناك ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوبًا بخط كريم
أنا مش مستني منك تسامحيني دلوقتي… ولا حتى تردي عليا. لكن لأول مرة، فهمت إن الكلمة الجارحة بتفضل في القلب أكتر من أي جرح في الجسم. هفضل أصلح غلطي، سواء رجعتيلي أو لأ.
قرأت الرسالة مرة.
ثم طوتها بهدوء.
ولم تقل شيئًا.
دخلت والدتها وسألتها
هتردي عليه؟
ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة وقالت
الرد مش لازم يكون بسرعة… لأن الوجع ماكانش سريع.

في الخارج…
استدار كريم ليركب سيارته.
لكن قبل أن يفتح الباب، سمع صوت مدير المكتب يناديه.
التفت بسرعة.
اقترب منه الرجل، وقال
مدام

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *