مني السيد 2
التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وسكتت لثواني طويلة كأن الزمن وقف. الصوت اللي في السماعة كان هادي بس الكلمات نزلت على دماغي زي المطرقة. المستشار رأفت؟ محامي بابا الخاص اللي كان ماسك دفاتره القديمة والصفقات الكبيرة اللي حتى أمي مكنتش بتتدخل في تفاصيلها؟
مسكت الموبايل تاني بإيد بتترعش ورديت وصوتي مخنوق: — ألو… أيوة يا سيادة المستشار، سامعة حضرتك. بتقول وصية تانية؟ مشروطة بالانفصال؟ — تمام يا مدام ياسمين —صوته كان حاسم ووقور زي ما كنت فكراه من سنين—، الحاج صبري، الله يرحمه ويحسن إليه، كان عامل حساب كل خطوة في حياته ومماته. طلب مني بالنص إن بعد وفاته بسنتين بالتمام، أو لو حصل طلاق بينك وبين الأستاذ طارق، أفتح الصندوق والظرف ده بحضورك إنتي ووالدتك الكريمة. وبما إن السنتين خلصوا، وبلغني بالصدفة من زميلة لينا الأستاذة نهاد إن في إجراءات طلاق حصلت النهاردة، فكده الشرطين اتحققوا. مستنيكم بكرة الساعة حداشر الصبح في مكتبي في قصر النيل.
قفلت السكة وبصيت لماما. كانت قاعدة متبعة المكالمة وعينيها مبرقة والسبحة وقفت بين صوابعها: — رأفت؟! وصية إيه وصندوق إيه يا ياسمين؟ أبوكي كان مخبي إيه؟ قعدت جنبها ومسكت إيديها الباردة: — مش عارفة يا ماما، بس بابا عمره ما عمل حاجة غلط في حياته، ولا عمره أذى حد. بكرة الصبح هنروح ونفهم كل حاجة.
الليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في عمري. كل نص ساعة تليفوني يرن، أرقام غريبة، ورقم طارق، ورقم حماتي، ورسايل شتيمة ممزوجة بترجي وتهديد. طارق كتبلي رسالة فيها: «انتي فاكرة نفسك هتعلمي عليا قدام أهلي وتخرجي سليمة؟ والله لأقعدك على الحديدة وبنتك دي هحرمك من شوفتها». عملت للأرقام كلها بلوك، وضميت سلمى في حضني ونمت، لأول مرة من سنين أنام نوم عميق من غير ما أصحى مرعوبة من خناقة تانية يوم الصبح.
تاني يوم، الساعة عشرة ونص الصبح، كنت قدام عمارة عتيقة في شارع قصر النيل في وسط البلد. الأسانسير القديم بالقفص الحديد طلع بينا للدور التالت. دخلنا مكتب الأستاذ رأفت، ريحة الورق القديم وخشب الماهوجني فكرتني بريحة بابا لما كان بيرجع من تجارته. الأستاذة نهاد كانت واصلة قبلنا بربع ساعة وقاعدة مستنية، وشها كان فيه فضول محامين مع ابتسامة تشجيع.





