جبل الهواري مايا خالد

’لا واصل.. دي لازم تتاكل وهي سخنة عشان تجيب نتيجة، دي ‘وصفة’ الحاجة راضية مخصوص عشانك.’
قمر لاحظت إن إيد هنادي بتترعش وهي بتقدم المعلقة، وبلمحة ذكاء خطفت المعلقة من إيدها وقالت بابتسامة باردة:
’هاتي عنك يا هنادي هانم.. أنتي تعبتي طول اليوم في العياط، أنا اللي هأكله بيدي، ولازم أدوقها الأول عشان أتأكد إن ملحها مظبوط.. أصل جبل بيه مبيحبش الملح الزيادة.’
وش هنادي اتقلب وبقى لونه أزرق، وحاولت تسحب السلطانية بسرعة:
’لا! أنتي مالك أنتي.. دي شوربة معمولة بطريقة مخصوصة، لو دوقتيها مش هتعرفي طعمها.’
قمر مسكت السلطانية بقوة وبصت في عين هنادي:
’وليه خايفة يا بنت الأصول؟ طالما فيها العافية، يبقى أدوقها أنا كمان عشان أقدر أسهر على راحته.. ولا هي العافية دي لناس وناس؟’
جبل فجأة اتعدل في سريره بقوة فاجئتهم، ومسك إيد هنادي اللي كانت بتحاول تاخد السلطانية، وقال بصوت زي فحيح الحية:
’دوقيها أنتي يا هنادي.. طالما أنتي اللي عاملاها بيدك وتعبتي فيها، دوقيها قدامي عشان أطمن إن قلبك عليا.مايا خالد قصص الحياة
هنادي لسانها اتعقد، وبدأت تتلعثم:
’أنا.. أنا صايمة يا جبل.. إيه اللي بتقوله ده؟’
جبل رمى السلطانية على الأرض، فانكسرت ميت حتة، وريحة غريبة طلعت منها، والرخام بتاع الأرض لونه اتغير في ثواني. هنادي صرخت ورجعت لورا، وجبل قام وقف رغم جرحه، وسحبها من شعرها بعنف وهو بيزأر:
’بتموتيني يا هنادي؟ بتبيعي عشرة سنين وتتفقا مع سويلم عشان تخلصي مني ومنيها؟ أنتي فاكرة إن جبل الهواري يغفل عن الحقيقة واصل؟’
الحاجة راضية دخلت على الصريخ، وشافت المنظر، وجبل زق هنادي تحت رجلين أمه وقال:
’شوفي يا حاجة.. شوفي اللي كنتي بتقولي عليها بنت أصول وعارفة الواجب.. كانت بتحط لي السم في الأكل عشان تدفن جبل وتورث الدار!’
هنادي بدأت تعيط وتترجى الحاجة راضية:
’والله ما كان قصدي أقتله يا مرت عمي! أنا كنت عاوزة أمشّي البت دي بس.. كان قصدي حاجة تتعبها هي.. بس الشيطان غواني!’
الحاجة راضية نزلت عليها بالقلم على وشها:
’أنتي لا بنتي ولا أعرفك.. أنتي الليلة تخرجي من الدار دي بفستانك اللي عليكي، ومترجعيش واصل، وعيالك لما ييجوا -لو ربنا كتب لنا- هيربيهم ‘ست ستك’ قمر اللي صانت الدار وأنتي بتخونيها!’
جبل بص لقمر اللي كانت واقفة مبهورة بقوته رغم تعبه، وقال للغفر اللي دخلوا:
’خدوا الست دي، ودوها لبيت أبوها، وقولوا لهم ‘بضاعتكم ردت إليكم’.. وورقتها هتوصل لها الصبح.’
بعد ما البيت هدي، والجرح بدأ ينزف بسيط من مجهود جبل، قمر قربت منه وهي خايفة عليه:
’ليه عملت كدا؟ جرحك انفتح تاني يا جبل!’
جبل شدها لحضنه بقوة، وحط راسه على كتفها وهمس بوجع حقيقي:
’الجرح اللي في صدري هيخف يا قمر.. بس اللي في قلبي كان محتاج يشوف الحقيقة.. أنتي دلوقت بقيتي ‘الكل في الكل’.. مفيش ضرة، ومفيش عم.. مفيش غير جبل وقمر وبس.’
قمر رفعت عينيها ليه وقالت بتمردها المعتاد:
’يعني خلاص مفيش سجن؟’
جبل ابتسم وشالها وقعدها جنبه:
’لا فيه.. بس السجن المرة دي هو قلبي، والمفاتيح معاكي أنتي.. هتفضلي مسجونة فيه العمر كله؟’
قمر ضحكت وقالت:
’لو السجان جبل الهواري.. يبقى أنا راضية بالمؤبد.’ ”
”مر شهر على الحادثة، وصار جرح جبل ذكرى بعيدة، لكن عشق قمر في قلبه بقى هو الحقيقة الوحيدة. البيت الكبير اللي كان سجن لـ ‘قمر’ في أول ليلة، اتزوق النهاردة وبقى قصر من قصور الجنة.
جبل قرر يعمل فرح يحكي عنه الصعيد كله، مش بس عشان يغيظ أعاديه، لكن عشان يثبت للعالم كله إن قمر مش ‘زوجة تانية’ ولا ‘لاجئة’، دي هي ‘كبيرة الهوارية’.
الساحة كانت مليانة بالخيول، والمزامير بتعزف، والذبايح بتتعمل للفقير قبل الغني. قمر كانت فوق في الأوضة، لابسة فستان زفاف جديد، بس المرة دي مكنش مقطع ولا عليه تراب، كان مرصع بالألماظ وشغل يدوي يليق بـ ‘ملكة’.
دخلت عليها ‘الحاجة راضية’ ومعاها صندوق قطيفة كبير، فتحته وطلعت منه ‘كردان’ دهب تقيل، ولبسته لقمر وهي بتبوس راسها:
’ده ورثي من أمي يا بنتي.. وأنتي دلوقت الأحق بيه، أنتي اللي صنتي ولدي وصنتي الدار، واليوم جبل هيزفك قدام الصعيد كله، وعاوزاكي ترفعي راسك للسما.مايا خالد
قمر بصت لنفسها في المراية، مكنتش مصدقة إن البنت اللي كانت بتهرب من الموت، بقت النهاردة عروسة ‘الأسد’.
فجأة، الباب اتفتح ودخل جبل، كان لابس الجلباب الصعيدي الأبيض، وعباية سودة فخمة، وشاله متركب بعناية. وقف وراها في المراية وبص لملامحها، وعينيه لمعت بـ حب عمره ما خبيّه:
’إيه الجمال ده كله؟ أنا قولت جايب قمر تسكن داري، مطلعتش غلطان واصل.’
قمر لفت له وحطت إيدها على صدره، مطرح الرصاصة القديمة، وقالت بدلع ممزوج بتمرد:
’لسه شايفني متمردة يا جبل بيه؟’
جبل مسك إيدها وباسها:
’التمرد ده هو اللي خلاني أعشقك.. الست اللي متكسرش عينها غير للي بيحبها، هي دي اللي تصلح تكون ست بيت الهواري.’
نزل جبل وقمر على السلم، والكل وقف انتباه. ضرب النار (فرحاً) مكنش بيوقف، والزغاريد ملت المكان. جبل مسك الميكروفون وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين:
’يا رجالة الصعيد.. الليلة فرح جبل الهواري على قمر المنشاوية، واللي كان بيقول إنها زوجة تانية، يمسح الكلمة دي من قاموسه.. قمر هي الأولى والأخيرة، هي الست والدار والوطن، واللي يمسها بكلمة، كأنه مس جبل في شرفه!’
سويلم عمها كان من ضمن المعزومين (بأمر جبل عشان يذله)، كان قاعد في ركن وراسه في الأرض، شايف البنت اللي كان عاوز يقتلها وهي بقت ملكة الصعيد، والورث اللي كان طمعان فيه بقى تحت رجليها.
جبل خد قمر في وسط الساحة، ورقصوا ‘رقصة التحطيب’ بالسيوف بخفة ودلال، والكل كان بيبص لهم بذهول.. كانت ملحمة حب ولدت من قلب القسوة.
وفي نص الفرح، همس جبل في ودن قمر:
’ناوية على إيه يا قمر؟ لسه خايفة من عش الدبابير؟’ .
قمر ضحكت بصفاء وقربت منه أكتر:
’الدبابير خلاص بقوا حراس يا جبل.. ومادمت أنت ‘الكبير’، أنا مش خايفة من الدنيا كلها.’
شالها جبل ولف بيها وسط الزغاريد، وانتهت حكاية الهروب، لتبدأ حكاية عشق خلدتها جدران البيت الكبير في قلب الصعيد.
تمت مايا خالد


