جبل الهواري مايا خالد

​قلبها دق بعنف وهو بيقرب منها، فك شاله ورماه على الكرسي وبصلها بنظرة غريبة، فيها إعجاب مخفي ورا قسوة ملامحه، وقال بصوت حازم:
​’محبش أشوف الضعف في عيني اللي يتحداني.. أنتي دلوقتي شايلة اسم جبل الهواري، يعني راسك متتكسرش لحد واصل، حتى لو كان أنا.. فاهمة؟’
​رفعت راسها بتمرد فاجئه وقالت له:
​’أنت محمتنيش يا جبل بيه.. أنت سـجنتني بس في سجن أوسع شوية.. والاسم اللي شيلتهوني ده تمنه هيكون غالي قوي.’
​قرب منها أكتر لحد ما أنفاسه لفت وشها، وقال بابتسامة مخيفة:
​’أنا بحب الحاجة الغالية.. وبحب أدفع تمنها بالراحة.. اقلعي الفستان ده، وجهزي نفسك، عشان من الليلة مفيش خروج من الدار دي إلا على القبر.’ ”
​”فاتت ليلة كانت أطول من العمر كله على ‘قمر’.. ليلة قضتها وهي سامعة صوت ريح الصعيد بتخبط في الشبابيك زي ما تكون بتنذر بالعاصفة اللي جاية.
​الصبح طلع، وقمر لبست خلقات بسيطة كانت هنادي رمتهالها بترفّع، ونزلت المطبخ وهي حاسة بنظرات الخدم والكل بيتهامس عليها. أول ما دخلت، لقت ‘الحاجة راضية’ أم جبل، ست وقورة بشعر أبيض متغطي بطرحة شيفون، قاعدة وبإيدها سبحة، وهنادي واقفة جنبها بتزييد في الكلام.
​هنادي بصوت عالي عشان تسمعها:
​’أهي شرفت يا مرت عمي.. عروسة الغفلة اللي خلت جبل يوقف وش لوش قصاد عيلة المنشاوية، وكله عشان سواد عيونها.’
​الحاجة راضية بصت لقمر بنظرة فاحصة، نظرة ست شافت الدنيا وعارفة مين اللي بيمثل ومين اللي شايل وجع. شاورت لقمر تقرب:
​’تعالي يا بتي.. في دار الهواري مفيش حريم بتقعد تحط إيدها على خدها.. هنا الكل بيخدم، والكل بيطوع أمر الكبير.’
​قمر ردت بعزة نفس فاجئتهم:
​’أنا مش جاية عشان أكون عالة يا حاجة.. أنا يدّي بتعرف الشغل، بس ياريت اللي يطلب مني حاجة يطلبها بأدب.. مش كإني خدامة عندها.’
​هنادي برقت عينيها وجت ترد، بس صوت جبل اللي رن في الممر سكت الكل:
​’جمر (قمر) معاها حق يا هنادي.. ومن الليلة هي اللي هتستلم مفاتيح المخازن معاكي، والكلمة كلمتها في غيابي.’
​هنادي صرخت بذهول:
​’مفاتيح المخازن؟ دي لسه مكملتش يومين! أنت بتسلم الغريبة أسرار الدار يا جبل؟’
​جبل ماردش عليها، وبص لقمر اللي كانت بتبادله النظرات بتحدي، وقال بصوت واطي ومسموع ليها هي بس:
​’عايز أشوف التمرد اللي في عينيكي ده هيصمد قد إيه قصاد المسؤولية.. ولا هو كلام وخلاص؟’
​قبل ما حد ينطق بكلمة، الباب البراني خبط بعنف وصوت ضرب نار حيّ في الهوا خلى الكل يتفزع. الغفير دخل بيجري وهو بينهج:
​’إلحق يا جبل بيه! عيلة المنشاوية حاصروا الدار، وعمها “سويلم” واقف بره ومعاه رجالة بأسلحتهم، وبيحلف ميمشيش من هنا إلا وراس بت أخوه في إيده!’
​هنادي ضحكت بشر وهي بتبص لقمر:
​’أهو الموت جه لحد عندك يا فِتنة.. وريني بقى جبل هيبيع عيلته وهيبته عشانك ولا هيسلمك ليهم ويريحنا؟’
​جبل سحب س.لاحه من جنبه، وبص لقمر بصه أخيرة خلت قلبها يقع في رجليها.. كانت نظرة غامضة، مش مفهوم هل هيودعها ولا هيحارب الدنيا عشانها. خرج جبل للساحة، وقمر بتهور وجنون، جريت وراه ووقفت ورا الباب بتراقب اللي هيحصل.
​سويلم عمها كان واقف وشره باين في عينيه:
​’سلمنا البت يا جبل، الس.كينة على رقبتها هي اللي هتغسل عارنا، متخليش الدم يوصل للركب بيننا وبينكم عشان حتة عيلة!’
​جبل وقف وسط رجالته، وبكل برود الدنيا، عمر س.لاحه ورفعه في وش سويلم وقال:
​’الدم لو وصل للركب، عيلة المنشاوية هي اللي هتغرق فيه.. البت دي مراتي، والي يعوز يغسل عاره، يغسله بعيد عن حرم جبل الهواري.. أني دلوقت بطلت أتكلم باللسان، والس.لاح هو اللي هيقول كلمته!’ ”
​”الدنيا هديت فجأة، وصوت ‘تكة’ الس.لاح في إيد جبل كان لها رنة مرعبة في السكون اللي حل. قمر ورا الباب كانت بتترعش، مش خوفاً من الموت، لكن خوفاً من إن جبل يتهور ويروح ضحية لواحد زي عمها.
​وفجأة، وبدون تفكير، قمر فتحت الباب الكبير وخرجت. الشمس ضربت في وشها، وفستانها الأبيض اللي بقى مبهدل كان لسه عليها. الكل اتصدم، وسويلم عمها عيونه برقت ورفع بندقيته عليها وهو بيصرخ:
​’أهي الفاجرة ظهرت! نزلي يدك يا جبل، دي عرضنا وإحنا أولى بدمها!’
​جبل مالتفتش وراه، بس صوته طلع زي الرعد:
​’ادخلي جوه يا قمر! رجوعك لورا خطوة واحدة، خروجك بره الدار دي يعني موتك!’
​قمر مسمعتش الكلام، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنبه، وبصت لعمها بـ غلّ وقالت:
​’عار إيه اللي بتتكلم عنه يا عمي؟ العار هو إنك كنت عاوز تبيعني لواحد قد أبويا عشان تمسح ديونك! العار هو إنك قتلت أبويا زمان وواكل ورثي ودلوقت جاي تكمل عليا! أنا مش هربانة عشان أغلط، أنا هربانة عشان أعيش!’
​سويلم ضحك بسخرية:
​’وهتعيشي فين؟ في حضن واحد رماكي في بيته زي الجارية؟ ده اتجوزك عشان يكسر عيلتنا مش أكتر!’
​قمر لفت وشها لجبل، وبصت في عينيه اللي كانت بتغلي، وقالت بصوت مسموع للكل:
​’لو كان جبل خدني عشان يكسركم، فأنا راضية.. ولو كان سجنني، فسجنه جنة بالنسبة لبيتك. اضرب نارك يا عمي، بس لو راجل بص في عيني وأنت بتقتلني!’
​سويلم فقد أعصابه وضغط على الزناد، وفي نفس اللحظة جبل سحب قمر ورا ضهره وبدأت الملحمة. صوت الرصاص بقى في كل حتة، ورجالة الهوارية ردوا بكل قوتهم. جبل كان بيضرب نار بيد، والإيد التانية ماسكة إيد قمر بـ قُبضة حديدية، كإنه بيقول لها ‘مستحيل أسيبك’.
​في وسط المعمعة، رصاصة طاشت وخدشت كتف جبل. قمر صرخت باسمه، وهنادي اللي كانت واقفة عند الشباك بتراقب، ضحكت بـ شماتة وهي شايفة دم جوزها بيسيل بسببه.
​جبل محاولش يداري وجعه، بالعكس، ضربته بقت أقوى لحد ما رجالة سويلم انسحبوا وهما شايلين مصابيهم وهربوا من قدام ‘جبل الصعيد’.
​جبل لف لقمر وهو بينهج، وعيونه فيها مزيج مرعب من الغضب والإعجاب. قرب منها ومسكها من كتافها بعنف وهزها:
​’أنتي كيف تخرجي واصل؟ كنتي عايزة تموتي وتكتميني بدمك؟’
​قمر، والدموع في عينيها، مدت إيدها ولمست جرح كتفه:
​’أنت انصبت بسببي يا جبل..’
​جبل شد إيدها ونزلها، وقال بصوت فحيح:
​’الجرح ده مبيوجعش.. اللي بيوجع فعلًا هو التمرد اللي في راسك ده.. بس وحق الجرح ده، من الليلة مفيش خروج، ومفيش كلمة هتتقال في البيت ده غير كلمتي.. أنتي دلوقت دخلتي ذمتي بجد، والحساب بيننا لسه مبدأش!’
​شالها بين إيديه قدام الكل، ودخل بيها البيت وهنادي واقفة على السلم وشها أصفر من الغيرة، والحاجة راضية بتهز راسها وبتقول:
​’دخلت النار برجليك يا ولدي.. والبت دي شكلها هي اللي هتطفي نارك أو تحرقنا كلنا!’
​جبل دخل أوضته ورزع الباب برجله، ونزل قمر على السرير، وبدأ يفك شاله وهو بيبصلها نظرة خلت قلبها يدق طبول الحرب من جديد.”
​”رمى جبل س.لاحه على التربيزة بعنف، وكان الدم مغرق قميصه الأبيض. قمر كانت واقفة بتترعش، مش بس من منظر الدم، لكن من نظراته اللي كانت بتحاصرها زي الصياد.
​قربت منه بخطوات مترددة، ومدت إيدها لكتفه وهي بتقول بصوت واطي:
​’لازم أطهرلك الجرح ده.. الدم مش راضي يقف.’
​جبل مسك إيدها قبل ما تلمسه، وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
​’خايفة عليا يا بت المنشاوية؟ ولا خايفة السند اللي اتحميتي فيه يقع وتلاقي نفسك لوحدك تاني؟’
​قمر رفعت راسها وقالت بتحدي وهي بتحاول تداري وجع إيدها من قبضته:
​’خايفة على الراجل اللي وقف قدام الرصاص عشاني.. حتى لو كان الراجل ده هو نفسه السجان اللي نويت أتمرد عليه.’
​جبل ساب إيدها بحدة وقعد على الكرسي، وشاور لها بصباعه:
​’هاتي الشاش والمنكر (المطهر) من الدرج.. ووريني يدك اللي بتقولي عليها بتعرف الشغل هتعمل إيه. مايا خالد
​بدأت قمر تداوي جرحه، كانت قريبة منه لدرجة إنها سامعة دقات قلبه المنتظمة رغم المعركة اللي كانت من شوية. جبل كان باصص لملامحها المركزة، ولأول مرة يحس إن ‘التمرد’ اللي في عينيها مش مجرد كلام، دي قوة حقيقية.
​وفجأة، الباب اتفتح من غير استئذان، ودخلت ‘هنادي’ وهي بتولول:
​’يا مري! جرى لك إيه يا سيد الناس؟ بقى حتة العيلة دي تكون السبب في دمك اللي سال؟ ابعدي يدك دي عنها يا فقرية!’
​جبل مص لـ هنادي بنظرة خلتها تقف مكانها:
​’هنادي! قولتلك ميت مرة خبطي قبل ما تدخلي.. وقمر هي اللي بتداوي جرحي، اطلعي بره وشوفي المطبخ والخدم.’
​هنادي وشها احمر من الغيظ وقالت بصوت مخنوق:
​’بتمشيني عشانها يا جبل؟ دي باين السحر اشتغل بدري قوي! بس وحق اللي بينا، البت دي مش هتبات ليلة تانية في الدار وأني موجودة!’
​خرجت هنادي وهي بتخبط في الحيطان من كتر الغل، وقمر كملت ربط الشاش على كتفه وسكتت. جبل قام وقف، وبقى طوله الفارع مغطي عليها، رفع دقنها بإيده وقال بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
​’هنادي واصلة (قوية) في البيت ده يا قمر، وليها ناسها.. لو فاكرة إنك بكلمتين حلوين وبلمسة يد هتسيطري، تبقي غلطانة. الحرب الحقيقية مش اللي حصلت بره مع عمك.. الحرب الحقيقية جوه الحيطان دي.’

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *