جبل الهواري مايا خالد

​قمر بصت له بابتسامة ثقة:
​’وأنا مبهربش من حروب يا جبل بيه.. اللي وقفت قدام بندقية عمها، ميهزهاش كيد حريم.’
​جبل ضحك ضحكة مكتومة، لأول مرة تظهر على وشه القاسي:
​’عجباني الثقة.. بس استعدي، لأن الليلة ‘الحاجة راضية’ أمرت إن الكل يقعد على سفرة واحدة.. وهناك هتعرفي إن عِش الدبابير اللي دخلتيه، مبيطلعش منه حد سليم.’
​”اتجمعت العيلة كلها على السفرة الطويلة. ‘جبل’ قاعد في صدر المكان، وعن يمينه أمه ‘الحاجة راضية’، وعن شماله كانت ‘هنادي’ اللي قاعدة ومربعة إيديها وبتبص لـ ‘قمر’ بنظرات سمّ. قمر كانت قاعدة في آخر السفرة، حاسة إنها غريبة، بس ضهرها مفرود وعينها منزلتش الأرض.
​هنادي بصت لطبق قمر وقالت بـ لؤم:
​’كلي يا عروسة.. كلي واتغذي، أصل اللي زيك وراهم أيام سودة محتاجة جهد.. ولا إنتي متعودة في بيت عمك على الأكل الني؟’
​قمر سابت المعلقة وبصت لها ببرود:
​’في بيت عمي كنت باكل بكرامتي.. وهنا باكل بـ إذن صاحب البيت، ولا إنتي ليكي رأي تاني يا هنادي هانم؟’
​جبل كان بيسمع وهو بياكل بهدوء، بس عينيه كانت بتراقب الشرارة اللي طالعة بين الاتنين. الحاجة راضية خبطت بـ عصايتها على الأرض وقالت بصوت حازم:
​’بس يا حريم! في وجود الكبير مفيش صوت يعلى.. وأنتي يا قمر، طالما بقيتي واحدة مننا، لازم تعرفي إن السفرة دي ليها أصول.. اللي يغلط يتربي، واللي يحترم نفسه يتشال فوق الراس.’
​وفجأة، دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه مخطوف:
​’يا جبل بيه.. المصيبة حصلت! المخزن الكبير اللي فيه المحصول.. النار ولعت فيه!’
​جبل قام وقف زي الأسد، وعروق رقبته برزت:
​’كيف ده حصل؟ والحراسة فين؟’
​الغفير نزل راسه في الأرض:
​’الموضوع مكنش صدفة يا بيه.. ده بفعل فاعل، والرجالة شافوا حد من رجالة المنشاوية وهو بيهرب من ورا السور.’
​هنادي صرخت وهي بتبص لقمر بـ اتهام:
​’أدي وش الفقر! من ساعة ما دخلت الدار والخراب جه وراها.. المنشاوية مش هيسيبونا يا جبل طول ما البت دي هنا، بكره يحرقوا البيت بمن فيه!’
​جبل محطلهاش اعتبار، لبس شاله وسحب س.لاحه وخرج زي الإعصار. قمر كانت واقفة مكانها، حاسة إن كل العيون بتلومها. هنادي قربت منها وهمست بـ غل:
​’شفتي؟ جبل دلوقت هيحرق قلبه على شقاه.. وتفتكري لما يرجع، هيفضل باصص لوشك الحلو ده ولا هيشوفك السبب في دمار ماله؟’
​قمر ماردتش عليها، وجريت ورا جبل. لقت الخيول بتتحضر، والرجالة متجمعين. وقفت قدام حصان جبل وقالت بقوة:
​’خدني معاك!’
​جبل بص لها بذهول:
​’أنتي اتجننتي يا بت؟ دي نار وحرب!’
​قمر مسكت لجام الحصان وقالت بـ عينين بتلمع بـ تمرد مجنون:
​’لو فضلت هنا، هنادي هتاكلني بـ لسانها.. ولو النار دي بسبب أهلي، يبقى أنا أول واحدة لازم تطفّيها.. متسيبنيش هنا يا جبل، السجن اللي اخترته هو جنبك، مش ورا الحيطان دي!’
​جبل بصلها بذهول، حس إن الست دي مصنوعة من طينة تانية غير الستات اللي عرفهم. مد إيده ليها بقوة، ورفعها وراه على الحصان وقال لرجالته:
​’وراي يا رجالة! الليلة الصعيد كله هيعرف إن اللي يحرق طرف توب الهوارية، جبل هيحرقه وهو حي!’
​طاش الحصان بيهم في ضلمة الليل، وقمر كانت ماسكة في ضهر جبل بكل قوتها، حاسة إن حياتها فعلًا بدأت اللحظة دي.. وسط النار، والرصاص، والراجل اللي مبيعرفش الرحمة.”
​”وصل جبل بالخيل لساحة المخازن، والنار كانت واصلة للسما، وصوت طرقعة الخشب المحروق زي صوت صريخ القلوب. جبل نزل من على الحصان ونزّل قمر وراه، وعينيه كانت بتطلع شرار أشد من النار اللي قدامه.
​رجالة الهوارية بدأوا يطوفوا النار، لكن فجأة طلع صوت ضحكة خبيثة من ورا دخان الحريق.. كان سويلم، عم قمر، واقف ومعاه عشرات الرجالة المسلحين، ومحاصرين المكان من كل جهة.
​سويلم نادى بصوت عالي:
​’قولتلك يا جبل يا هواري.. سلمني البت والمحصول يغور، مارضيتش! أديك خسرت مالك، وهتخسر عمرك كمان الليلة!’
​جبل وقف بـ ثبات مرعب، وسحب قمر ورا ضهره، وهمس لها بصوت واطي ومن غير ما يلتفت:
​’لو حصل لي حاجة، اطلعي على الحصان واجري لبيت “الشيخ سليم”، هو الوحيد اللي هيقدر يحميكي من عمك.’
​قمر مسكت في قميصه من ضهره وقالت بلهجة فيها وجع وتمرد:
​’مش هجري يا جبل.. يا نعيش سوا يا نتحرق سوا في نارك دي!’
​جبل ابتسم ابتسامة خطيرة، ورفع صوته لسويلم:
​’المال بيتعوض يا سويلم.. لكن الروس اللي هتطير الليلة ملهاش دية! فاكر إن حبة نار هتخوف جبل الهواري؟ ده أنا نار جحيمي أشد!’
​المعركة بدأت.. الرصاص كان بيمطر زي المطر. جبل كان بيتحرك بخفة غريبة رغم جرح كتفه، وبإيده التانية كان بيسحب قمر وراه من مكان لمكان عشان يحميها. وفجأة، قمر لمت قطعة حديد تقيلة من الأرض وشافت واحد من رجالة عمها بيقرب من ضهر جبل عشان يغدر بيه..
​بكل قوتها، خبطت الراجل على راسه وقعته قبل ما يضغط على الزناد. جبل لف وشاف اللي عملته، عينيه اتقابلت مع عينيها في لحظة صمت وسط الدوشة.. نظرة فيها فخر، وعشق بدأ يتولد من رحم الموت.
​جبل صرخ في رجاله:
​’صفّوهم! مفيش واحد من المنشاوية يطلع حي من أرضي!’
​في لحظة غفلة، سويلم وجه بندقيته ناحية قمر مباشرة وصرخ:
​’لو مش هتكوني ليا ولورثي، مش هتكوني لغيري يا بت الكلب!’
​جبل شاف سويلم وهو بيضغط على الزناد.. وبدون تفكير، رمى جسمه كله قدام قمر عشان يفديها. الرصاصة استقرت في صدر جبل، ووقع على الأرض وهو ماسك إيد قمر.
​قمر صرخت صرخة هزت الجبل:
​’جبلللللللللل!’
​في اللحظة دي، رجالة جبل فقدوا عقلهم وهجموا على سويلم ورجالته زي الوحوش، وقدروا يسيطروا عليهم. قمر وقعت على ركبها، وحطت راس جبل على حجرها، والدم كان بيغرق فستانها الأبيض للمرة التانية، بس المرة دي دم أغلى إنسان في حياتها.
​جبل بص لها وهو بينهج، ورفع إيده بضعف ولمس وشها وقال بصوت متقطع:
​’طلعتي.. فعلاً.. تعب تعبان يا قمر.. بس تعبك.. حلو..’
​قمر وهي بتعيط ومنهارة:
​’متموتش وتسبني ليهم يا جبل! أنت قولت مفيش خروج من دارك إلا على القبر.. يبقى نموت سوا!’
​جبل غمض عينيه، وإيده وقعت من على وشها. وفي نفس اللحظة، وصلت ‘الحاجة راضية’ ومعاها ‘هنادي’ اللي كانت بتصوت وتلطم لما شافت جبل غرقان في دمه.
​هنادي هجمت على قمر وهي بتشدها من شعرها:
​’قتلتيه! يا فقرية يا وش نحس! قتلتيه عشان تاخدي ورثه؟’
​قمر زقت هنادي بقوة مكنتش تعرف إنها عندها، ووقفت بـ شموخ وسط النار والدم، وبصت للكل وقالت بصوت جهوري:
​’جبل مماتش! والي هتقرب منه منكم هحرقها مكان المخازن دي! جبل الهواري مراته قمر.. وقمر مش هتسمح لموته واصل!’ ”
​”الدار الكبيرة اتقلبت لميتم قبل أوانها.. جبل اتشال على كتاف الرجال وهو غايب عن الدنيا، واتحط في أوضته، والحكيم (الدكتور) دخل وقفل الباب، ومنع أي حد يدخل.
​قمر كانت واقفة قدام باب الأوضة، هدومها متغبرة بالتراب ودم جبل لسه معلم على إيديها. هنادي كانت قاعدة على الأرض بتلطم وتنوح بصوت عالي:
​’يا خرابي يا جبل.. يا خيبتك يا هنادي! ضاع السند وضاع البيت بسبب الفقرية اللي دخلت دارنا!’
​قمر بصت لها ببرود وقالت بكلمة واحدة خرستها:
​’انجري قومي واصلي (فوراً).. جبل لسه حي، والنايحة دي للطلوع الروح، وجبل روحه لسه في الدنيا!’
​الحاجة راضية كانت قاعدة على كنبة خشب، ماسكة سبحتها وإيدها بتترعش، بصت لقمر وقالت بنبرة فيها شك وقسوة:
​’لو جرى لولدي حاجة يا قمر.. مش سويلم اللي هيقتلك، أنا اللي هدبحك بيدي دي وأشرب من دمك، أنتي اللي جرتيه للنار!’
​قمر قربت من الحاجة راضية، ونزلت لمستواها وقالت بصوت واثق:
​’أنا اللي فديته بقلبي يا حاجة، وهو اللي فداني بعمره.. النار اللي ولعت دي كانت فخ لينا إحنا الاتنين، ولو جبل قام -وهيقوم بإذن الله- هيعرف مين اللي ولع النار دي بجد.. ومين اللي خان الدار من جواها!’
​هنادي اتنفضت من مكانها ووشها اصفر:
​’قصدك إيه يا بت المنشاوية؟ أنتي بتلمحي لإيه؟’
​قمر بصلتها بنظرة حادة زي الموس:
​’اللي في بطنه لحمة بتنقح عليه يا هنادي.. والي يفتح بوابات المخازن لرجالة سويلم في نص الليل، أكيد مش أنا اللي كنت نايمة في أوضته!’
​الكل سكت.. والحاجة راضية بصت لهنادي بنظرة غريبة، وكإن الشك بدأ ينهش في قلبها. وفجأة، الباب اتفتح وخرج الحكيم وهو بيمسح عرق جبينه:
​’الحمد لله.. الرصاصة كانت قريبة من القلب بس ملمستوش، جبل بيه شديد، وربنا كتب له عمر جديد.. بس هو محتاج راحة تامة، ومحدش يدخل له واصل غير اللي هيراعية.’
​قمر خطت خطوة لقدام، وهنادي زقتها:
​’أنا مراته الكبيرة، أنا اللي هدخل!’
​قمر وقفت زي السد وقالت:
​’المرة دي لا يا هنادي.. جبل انصاب وهو بيحميني أنا، يبقى أنا اللي هداوي جرحه.. والي عندها كلمة تانية، تستنى لما ‘السبع’ يفتح عينيه ويقولها بنفسه!’
​دخلت قمر الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوه، وسابت هنادي برا بتفرك في إيدها من الغل. قربت قمر من السرير، شافت جبل وشه شاحب، وصدره متغطي بالشاش. قعدت جنبه، ومسكت إيده اللي كانت دايماً بتمسكها بقسوة، وبستها وهي بتعيط:
​’قوم يا جبل.. قوم عشان توريهم إن قمر مش وش نحس.. قوم عشان أنا اكتشفت إني هربت من ظلم عمي، عشان أقع في عشقك أنت.’
​فجأة، حست بصوابع جبل بتتحرك في إيدها، وسمعت صوته المبحوح وهو لسه مغمض عينيه:
​’قولتي.. عشق؟ ولا ده.. مفعول.. البنج؟’
​قمر شهقت وحطت إيدها على بوقها من الفرحة:
​’جبل! أنت سمعتني؟’
​فتح عينيه ببطء وصعوبة، وبص لها بنظرة لسه فيها هيبتها رغم التعب، وقال بابتسامة باهتة:
​’سمعت كل كلمة.. وسمعتك وأنتي بتوقفي لـ ‘هنادي’ و ‘أمي’.. طلعتي وحشة (قوية) يا بت المنشاوية.. بس لسه حسابنا مخلصش، أنتي لسه مديونة ليا بحياتك.’
​قمر ضحكت وسط دموعها:
​’أنا كلي ملكك يا جبل.. بس قوم بالسلامة، عشان في حسابات كتير في البيت ده لازم تتصفي.’
​جبل ضغط على إيدها وقال بصوت رجع له قوته التدريجية:
​’هنادي.. هي اللي فتحت الباب لعمك؟’
​قمر سكتت وبصت في الأرض، فجبل فهم الرد من عينيها، وعينه اسودت من الغضب:
​’وحق وجعي ده.. اللي خان جبل الهواري، ملوش مكان في داره.. حتى لو كانت مراتي وأم عيالي اللي مجوش!’ ”
​”مرت كام ساعة وقمر مابتفارقش السرير، بتغير له على الجرح بيديها وهي بتراقب كل نَفَس طالع منه. جبل كان نايم نص نومة، بس عقله صاحي وبيغلي، غدر ‘هنادي’ كان واجع قلبه أكتر من الرصاصة.
​فجأة، الباب خبط خبطات واطية وناعمة، وصوت هنادي من بره طالع بمنتهى الرقة المصطنعة:
​’قمر.. يا قمر.. افتحي يا بتي، جايبة لـ ‘سيد الناس’ شوربة دافية ترم عضمه، الحكيم قال لازم يتغذى أول ما يصحى.’
​قمر بصت لجبل، لقت عينيه مفتوحة ومركزة معاها، وشافته بيشاور لها بإيده إنها تفتح وتجاريها. قمر قامت وفتحت الباب، دخلت هنادي وهي شايلة صينية عليها سلطانية شوربة ريحتها نفاذة، ووشها باين عليه الحزن المزيف.
​قربت هنادي من السرير وعينيها بتلمع بلؤم:
​’ألف سلامة عليك يا أبو هيبة.. قلبي اتخلع عليك يا جبل، دوق الشوربة دي من يدي، دي فيها كل العافية.’
​جبل عمل نفسه لسه تعبان وصوته طالع بالعافية:
​’تسلم يدك يا هنادي.. حطيها على التربيزة، لسه نِفسي مسدودة دلوقت.’
​هنادي بلهفة غريبة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *