حكايات بسمه

زمايلي في الشغل زقوني جوة أُوضة أُم زعيم المافيا البُكمة عشان يضحكوا عليا قبل الغدا.. ٤ سنين كاملين عدوا من غير ما إيفلين كين تنطق بكلمة واحدة، بس في اللحظة اللي رديت فيها على حركة إيديها المترددة بلغة سرية محدش في العالم كله يعرفها غير اتنين بس، مسكت إيدي بقوة، وكشفت وشْم الفَلق الفيصل اللي كنت مخبياه لسنين.. وكل حاجة اتغيرت!
مين اللي أدالِك إذن تلمسي أُمي؟
صوت رونان كين جه من ورايا، بارد بدرجة تجمد الدم في العروق!
لفيت ولقيت أكتر راجل بيخافوا منه في البلد كلها واقف على باب الأوضة، وهو ما يعرفش إني شايلة معايا الرسالة الأخيرة اللي أخوه الميت بعتها معاي للبيت!
قبلها بساعات، كانت أكبر مشكلة في حياتي هي إني أكل بنتي الصغنونة ذات ال ٦ سنين.
الساعة ٣ الفجر، كنت واقفة في شقتنا اللي من أوضة واحدة بعمل أخر كيس إندومي ونودلز حيلتنا. حطيت البيضة وشرائح السوسيز الصغيرة في طبق بنتي بوبي المرسوم عليه أرنب، وسبت لنفسي شوية المية والشوربة.
برطمان تحويشة العيد فوق التلاجة كان فاضي تماماً.. عشان كده لما مكتب التوظيف بعتلي رسالة الساعة ٥٤٥ الصبح عن شغلانة تنظيف لمدة أسبوع في قصر عيلة كين، ما كانش عندي رفاهية الرفض!
عيلة كين..
إيدي ثلجت أول ما قريت الاسم!
بقالي ٤ سنين بحاول أبعد عن العيلة دي وأختفي، بس لو رفضت الشغلانة دي مش هيبعتولي شغل تاني.. فكتبت كلمتين وأنا حاسة إني رايحة لرجليا للموت
أنا موافقة.
قبل المدرسة، بنتي أخدت بالها إن فطوري مجرد شوربة شفافة.. كدبت عليها وقولتلها هأكل في الشغل، ووقفت أراقبها وهي تركب أتوبيس ١٦ بضفائرها المعوجة وشنتطها البمبي، وبتعملي بإيدها من الشباك علامة بحبك بلغة الإشارة.
على الساعة ٨٠٠ الصبح، كنت واقفة قدام بوابات القصر الحديدية الضخمة بكتفي وجزمتي المتقطعة والمربوطة بالعافية. الفقر كان بيزقني، بس كان فيه دَين قديم من ٤ سنين ورسالة عمرها ما وصلت بتشدني لجوة!
الشغالين في المطبخ حكموا عليا من أول ثانية..
واحدة ضحكت على جزمتي، والتانية قالت فأر جديد جه القصر، وجومانا زقت في إيدي صينية دوا فضة، بينما وائل رفع تليفونه من تحت لتحت عشان يسجل المهزلة اللي مستنيين تشوفوها!
الجناح الشرقي، آخر أوضة.. الهانم الكبيرة! جومانا قالتها بخبث، نشوف هتعيشي لحد الغدا ولا لأ!
عديت ٤٧ خطوة لحد أُوضة إيفلين كين.
جوة، كان فيه فنجان صيني مكسور على الأرض، وإيفلين قاعدة على كرسي متحرك وبتحرك إيديها بهستيريا.. الشغالتين اللي جوة قالولي طنشيه، لأن الكل فاكر إن حركات إيديها دي مجرد نوبات خرف ملهاش معنى!
بس أنا فهمت كل كلمة كانت بتعملها بإيدها!
الصدر من الشمال.. ضغط.. الدوا.. المكان الغلط!
هي ما كانتش مجنونة ولا مخرفة.. هي كانت بتستغيث وب تطلب المساعدة في بيت الكل فيه بطل يسمعها!
ركعت قدامها وعملت بإيدي بلغة الإشارة أنا فاهمة حضرتك.. الدوا فين؟
عيونها وسعت بذهول وصدمة!
بعد ما دورت في الأدراج، لقيت علبة الدوا مستخبية ورا علبة النظارة، حطيت لها حباية تحت لسانها، واديتها مية دافية، وفضلت أهدي نفسها لحد ما الوجع خف.
فجأة.. حركات إيدها اتغيرت!
الإشارات بقت أسرع، وأقصر، ومألوفة جداً..
شفرة خاصة.. لغة سرية!
قلبي وقع في رجلي لأن اللغة دي ما شفتهاش من ٤ سنين!
أنتِ فين يا ضنايا؟
الكلام ده ما كانش ليا.. كان لابنها اللي دفنته تحت التراب ولفوا نعشه بالعلم!
كان المفروض أعمل نفسي مش فاهمة، بس إيديا خانتني وشهدت عليا
أنا مش ضايعة..
إيفلين اتجمدت مكانها!
وفي لحظة، مسكت إيدي بقوة، وشدت القماش القتيم اللي كان مغطي وشْم الفَلق على دراعي!
وفي اللحظة دي بالظبط.. ظهر رونان!
بعدها بساعات، كنت قاعدة قدامه في مكتبه وهو فاتح ملف فيه كل تفاصيل حياتي ٢٨ سنة، أم عزباء، سجلي نضيف من الديون والجرائم، حتى مخالفة ركنة ما علياش!
قال ببرود يرعب سجل نضيف بالدرجة دي.. يبان كأن فيه حد قعد وعاد كتابة قصة حياتك من أول وجديد!
سألني مين علمك لغة الإشارة؟
كدبت عليه..
رونان بصلّي نظرة طويلة خلت حاجة واحدة واضحة وفي غاية الرعب هو لسه ما يعرفش سري، بس متأكد مليون في المية إني مخبية حاجة كبيرة!
فجأة، عرض عليا ٣ أضعاف مرتي عشان أكون الممرضة والمرافقة الخاصة لأمه. هفضل تحت عين رجالته في القصر، ما عدا من الساعة ٥ ل ٧ كل يوم المغرب، سواقه هيرجعني البيت.
أنا عارف إن عندك بنت مستنياكي على العشا.
الدم اتجمد في عروقي..
أنا ما بقاليش ٤ ساعات جوة القصر، ورونان كين بقا عارف مكان بوبي!
وافقت بالرغم من كل حاجة..
اللي رونان ما يعرفوش إن جوة ماضيا المستخبي، فيه الوصية والرسالة الأخيرة اللي أخوه ائتمنني عليها قبل ما يموت.. وبعد اللي حصل مع أمه الصبح، بقيت عارفة إني مش هقدر أدفن السر ده أكتر من كده!
حكايات بسمة
استقرت نظرات رونان على وجهي لثوانٍ بدت وكأنها أدهار. برود عينيه الرماديتين كان أعتى من برودة الفولاذ، لكنه أشار بيده نحو الباب في إشارة قاطعة بالانصراف.
خرجتُ من مكتبه وساقاي بالكاد تحملانني. أخذتُ نفساً مكسوراً في الممر، ويدي تختلج فوق دراعي المضموم حيث يختبئ وشم الفَلَق تحت القماش الرخيص.
عند الساعة الخامسة تماماً، كانت سيارة سوداء مصفحة تنتظرني عند البوابة الرئيسية. السائق لم ينطق بكلمة واحدة طوال الطريق، كان يرقبني من المرآة العاكسة بريبة، بينما كانت ضربات قلبي




