جواب ابني

سكت لحظة.
وبعدين قال:
بس ربنا كتب لنا طريق تاني.

سارة بكت.
هتكرهني؟

هز راسه.
لأ.

قالت:
وهتسامحني؟

رد:
إنتِ معملتيش حاجة محتاجة أسامحك عليها.

ومشت.

وأنا كنت واقفة بعيد، براقب ابني.
لما رجع البيت، كان ساكت.
حطيته قدامي وقلتله:
إنت كويس؟

ابتسم وقال:
مش قوي.

قولتله:
عايز ترجع تعيش معاها؟

بصلي وقال:
لأ.

اتصدمت.

قال:
مش عشان هي وحشة. بالعكس، أنا عارف إنها اتظلمت زي ما أنا اتظلمت.

سكت شوية، وبعدين كمل:
بس أنا تعبت يا أمي. تعبت من فكرة إني أعيش مستني حاجة حصلت وانتهت. أنا رجعت من الموت… ومش عايز أضيع باقي عمري وأنا بدور على الحياة اللي ضاعت.

مسكت إيده.
قال:
أنا عايز أعيش معاكي.

قولتله وأنا بعيط:
وأنا مش عايزة من الدنيا غير كده.

ومن يومها خالد عاش معايا.
رجع بيته القديم، وأوضته اللي كنت بدخلها كل يوم وأنا فاكرة إنها هتفضل فاضية للأبد.

في أول ليلة، دخل أوضته وبص حواليه.
قال:
إنتِ لسه محتفظة بحاجتي كلها؟

ضحكت وأنا بعيط:
كنت مستنياك ترجع.

قعد على السرير.
وبص للسقف.
وقال:
غريبة الدنيا.

قولتله:
ليه؟

قال:
مرة كنت فاكر إني مش هخرج من المكان اللي كنت فيه، ومرة رجعت لقيت نفسي مدفون، ومرة رجعت لقيت مراتي اتجوزت، وفي الآخر رجعت لنفس البيت اللي كنت فاكره آخر مرة شفته.

قولتله:
المهم إنك رجعت.

ابتسم وقال:
أيوه… رجعت.

ومن ساعتها، بقى عندي ابن عايش قدامي بدل الصورة اللي كنت بحضنها كل ليلة.
بقى فيه صوت في البيت.
ضحك.
أكل على السفرة.
هدوم متعلقة.
وصوت مفتاحه وهو داخل الباب.

وأنا كل مرة أسمع صوت المفتاح، قلبي يفرح من جديد.

أما سارة…
فأنا عمري ما كرهتها.
لأنها كانت عايشة نفس الحقيقة اللي كنا كلنا عايشينها.
خالد كان بالنسبة لنا ميت.
والاللي حصل بعدها كان نتيجة طبيعية لحياة اتبنت على خبر رسمي كنا كلنا فاكرينه حقيقة.

وأنا اتعلمت إن الموت مش دايمًا بيكون نهاية…
وأحيانًا الخبر الغلط لما يتأخر تصحيحه، ممكن يغيّر مصير ناس كتير.

لكن وسط كل الخسارات دي، كان عندي أعظم نعمة.
ابني رجع.

بعد ست شهور من البكاء على قبره…
رجع يفتح باب البيت ويقول:
ماما، أنا جعان.

وأنا كل مرة أسمع الجملة دي، أضحك وأعيط في نفس الوقت.
وأقول له:
ادخل يا ضنايا… الأكل مستنيك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *