جارتي الجديده

جارتي الجديدة كانت بتيجي كل يوم الصبح تطلب شوية سكر وهي شايلة طفلها الرضيع، وكنت فاكرة إنها مجرد بنت صغيرة مش منظمة. لحد ما في يوم بصتلي بعين مليانة خوف وهمست أنا مش باجي علشان السكر يا طنط كارمن… أنا باجي لأن دي الطريقة الوحيدة اللي جوزي بيسمحلي أخرج بيها من الشقة وأنا لسه عايشة.
أول مرة خبطت فيها على بابي، اتضايقت.
كنت قاعدة بشرب قهوتي الصبح، وبتفرج على الأخبار، ومستمتعة بالهدوء اللي الواحد بيتعلم يحبه بعد سنين من العيشة لوحده.
وفجأة…
سمعت خبطة على الباب.
فتحت وأنا لابسة الروب.
ولقيتها.
الجارة الجديدة اللي ساكنة في الشقة 302.
رفيعة، وشاحبة، وشايلة طفل نايم على صدرها.
قالت بخجل
معلش يا طنط… عندك شوية سكر؟
اديتها نص كوب.
وقفلت الباب.
وقلت لنفسي
بنات الأيام دي ما بقوش يعرفوا يشتروا احتياجات البيت.
لكن تاني يوم رجعت.
واليوم اللي بعده رجعت.
واليوم اللي بعده كمان.
كل يوم.
الساعة 817 الصبح بالضبط.
بعد ما جوزها ينزل الجراج، ويشغل عربيته، ويمشي.
وهي دايمًا شايلة الطفل.
ودايمًا تبص وراها قبل ما تخبط.
في يوم سألتها
هو إنتِ كل يوم بتخلصي السكر؟
حاولت تبتسم.
لكن الابتسامة ما طلعتش.
وقتها بدأت أركز.
عينيها كانت مورمة.
مش من السهر.
من العياط.
والطفل كان لابس نفس

السالوبيت الأصفر بقاله كذا يوم.
وماكانش معاها موبايل أبدًا.
ولا شنطة.
ولا حتى مفاتيح واضحة.
وأول ما تسمع أي صوت في السلم…
جسمها كله يتجمد.
اسمي كارمن.
وعندي 72 سنة.
وشفت في حياتي حاجات كتير.
وفي أنواع خوف الواحد بيعرفها فورًا مهما حاولت تتخبى.
الاثنين اللي بعده…
لما خبطت.
ما ادتهاش سكر.
فتحت الباب وقلت
ادخلي.
وقفت مكانها.
وقالت بسرعة
ماينفعش أتأخر.
قلت
يبقى ادخلي بسرعة.
دخلت.
والطفل لازق فيها كأنه خاېف يبعد ثانية.
ريحة لبن أطفال.
وصابون رخيص.
وخوف.
خوف مالي المكان.
حضرتلها فنجان قهوة.
وأول ما مسكته…
إيديها بدأت تترعش.
سألتها
اسمك إيه يا بنتي؟
قالت
لينا.
واسم البيبي؟
آدم.
بصيت للطفل.
وبعدين سألتها بهدوء
إنتِ فعلًا محتاجة كل السكر ده؟
عينيها اتمليت دموع فورًا.
وكأن السؤال كسر آخر حاجة كانت مستحملة بيها.
وهمست
لأ.
اتجمدت مكاني.
بصت ناحية الباب.
وبعدين قالت بصوت واطي
أنا مش باجي علشان السكر.
قلبي دق پعنف.
كملت
دي الحجة الوحيدة اللي جوزي بيسمحلي أخرج بيها من الشقة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
هو بيتحكم في كل حاجة.
الفلوس.
المكالمات.
الرسائل.
حتى عدد الحفاضات اللي بستخدمها للبيبي.
الډم برد في عروقي.
قلت
جوزك؟
هزت رأسها.
ونزلت دمعة على راس الطفل.
وقالت
لو نزلت السوبر ماركت بيحسب الوقت.
لو كلمت أمي بيراجع سجل المكالمات.
لو قلت عايزة أخرج يسألني ليه.
وبعدين بصتلي بإحراج شديد
لكن لما أقول إني رايحة آخد سكر من الجارة العجوز… بيسيبني.
بيقول إنك مجرد ست كبيرة عايشة لوحدها ومش خطړ على حد.
ست عجوز ومش خطړ.
ابتسمت.
بس من الڠضب.
لأن الراجل ده ماكانش يعرف إن الست اللي دفنت جوزها، ودفنت خۏفها، ودفنت صبرها من سنين…
ممكن تبقى أخطر بكتير مما يتخيل.
من اليوم ده…
شقتي ما بقتش مجرد شقة.
بقت ملجأ.
كل يوم كانت تيجي بالكوب الفاضي.
وأنا أحط السكر فوق.
لكن تحت السكر…
كنت بخبي حاجات تانية.
أرقام نجدة.
شوية فلوس.
مفتاح احتياطي.
موبايل قديم.
وأوراق مهمة.
قلت لها
الموبايل ده ما تفتحيهوش عندك.
هزت رأسها.
وبدأت ترجع للحياة واحدة واحدة.
آدم بدأ يحبي بين كراسي السفرة.
ولينا بدأت تضحك.
في الأول پخوف.
وبعدين بجد.
وحكتلي عن جوزها.
أدهم.
إزاي
كان حنين في البداية.
وبعدين بدأ يقول
مش عاجبني الراجل اللي بصلك.
وبعدين
سيبي الشغل وأنا أصرف عليكي.
وبعدين
أمك بتتدخل في حياتنا.
لحد ما بقى يتحكم في كل حاجة.
المفاتيح.
الفلوس.
الخروج.
وحتى النفس.
قعدنا 3 شهور نخطط.
شهادة ميلاد آدم.
بطاقتها.
هدوم.
أدوية.
ورقم أختها في إسكندرية.
خبيت كل حاجة في علبة بسكويت قديمة فوق التلاجة.
وقلت لها
أول ما تكوني جاهزة… تعاليلي في أي وقت.
سألتني پخوف
ولو لحقني؟
بصيت للعصاية الخشب اللي جنب الباب.
وقلت
يبقى هيعرف إنه غلط لما استهان بست كبيرة عايشة لوحدها.
لكن الأسبوع ده…
كل حاجة اتغيرت.
عرفت قبل ما تتكلم.
لأنها وصلت متأخرة.
مش 817.
وصلت 841.
وماكانش معاها كوب السكر.
وشفايفها كانت متشققة ومجرّحة.
وآدم بيعيط .
أول ما دخلت همست
عرف.
قفلت الباب بسرعة.
وقلت
عرف إيه؟
لكنها ما لحقتش ترد.
لأن صوت خطوات بدأ يتردد في السلم.
بطيئة.
تقيلة.
وواثقة.
وبعدين…
دوّى خبط قوي على باب شقتي.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وصوت راجل جه من ورا الباب
افتحي يا طنط كارمن… أنا عارف إن مراتي عندك.
اتجمدت لينا في مكانها.
وضمت آدم لصدرها بقوة.
أما أنا فحطيت فنجان القهوة على الترابيزة بهدوء، ومشيت ناحية الباب.
الخبط رجع تاني.
أقوى.
وأعنف.
وصوته زعق
افتحي يا طنط كارمن! ما تخلينيش أكسر الباب!
بصيت للينا.
كانت بترتعش.
ووشها فقد آخر نقطة لون فيه.
همست
لو خرجتله دلوقتي… مش هيسيبني أطلع تاني.
قربت منها.
وحطيت إيدي على كتفها.
وقلت
بصيلي… إنتِ مش لوحدك.
دموعها نزلت فورًا.
لكن ماكانش عندنا وقت.
فتحت الباب بالسلسلة الصغيرة.
ولقيت أدهم واقف.
عينيه مليانة ڠضب.
وقال
فين مراتي؟
قلت بهدوء
صباح الخير الأول.
رد بعصبية
فين لينا؟
قلت
وأنا من إمتى بقيت مسؤولة عن مرات الناس؟
اتنرفز أكتر.
وقال
العماير كلها شايفاها طالعة عندك.
ابتسمت.
وقلت
والعماير كلها شايفاك واقف تصوت على ست عندها اتنين وسبعين
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *