حماتي وعزومة العيد حكايات فاتن

في يوم العيد… والبيت مليان ريحة اللحمة والمحشي وصوت ضحك العيال، كنت واقفة في المطبخ بساعد حماتي وبجهز الأكل، رغم إني من جوايا كنت مخنوقة من طريقتها معايا طول السنين.
بس كنت بقول لنفسي: “يوم عيد… يعدي وخلاص.”
السفرة كانت كبيرة، وكل العيلة متجمعة حوالين الترابيزة، إخوات جوزي ومراتهم وعيالهم، والكل بيضحك ويتكلم بصوت عالي.
لفيت بعيني أدور على بنتي “ليلى”… ملقتهاش قاعدة مع الولاد.
قلبي اتقبض.
خرجت من المطبخ بسرعة، ولقيتها قاعدة على الأرض جنب الكنبة… حاطة الطبق على رجلها الصغيرة وبتاكل وهي ساكتة.
بصيت ناحية السفرة، لقيت كل الأطفال قاعدين فوق الكراسي عادي.
حتى ابن أخت جوزي اللي عنده سنتين كان قاعد فوق كرسي.
أما بنتي؟ بنتي الوحيدة اللي قاعدة على الأرض.
بصيت لحماتي بذهول وقلت: — ليلى قاعدة على الأرض ليه؟
حماتي ردت وهي بتاكل بكل برود: — أصل السفرة زحمة يا حبيبتي.
بصيت للسفرة… كان فيه كرسي فاضي فعلاً.
قبل ما أتكلم، بنتي بصتلي بعين مكسورة وقالت بصوت واطي: — عادي يا ماما…
الكلمة كسرتني.
رميت المعلقة اللي في إيدي على الرخامة واتكلمت بعصبية: — لا مش عادي… بنتي مش أقل من حد هنا.
البيت سكت فجأة.
جوزي قام بسرعة وقرب مني وهو بيجز على سنانه: — وطي صوتك… عدي العزومة على خير.
بصيتله بعدم تصديق. يعني شايف اللي بيحصل وساكت؟
قلتله: — على خير لمين؟ لبنتي اللي بتتهان قدام الناس؟
حماتي ضربت كف بكف وقالت: — يا نهار إسود… دي عاملة مشكلة في يوم العيد عشان كرسي!
قربت من بنتي، مسكت إيدها، ورفعتها من على الأرض، وبعدها سحبت الكرسي الفاضي وخليتها تقعد جنبي على السفرة.
وقتها حسيت إن حماتي كانت هتطق من الغيظ.
لكن سكتت… عشان الضيوف.
عدى الغدا بتوتر. ولا لقمة دخلت بقي.
كنت حاسة إن جوايا نار بتاكلني.
بعد الأكل، العيال اتجمعوا حوالين حماتي وهي بتطلع العيديات من الشنطة.
واحد واحد… كل طفل أخد عيديته وهو فرحان.
أما بنتي… فحماتي تجاهلتها كأنها مش موجودة.
ليلى فضلت واقفة مستنية. مستنية حتى تبصلها.
لكنها لا بصتلها… ولا ادتها حاجة.
شوفت شفايف بنتي وهي بتترعش، ودموعها بدأت تنزل في صمت.
هنا… أنا اتكسرت.
مش عشان الفلوس. لكن عشان الإهانة.
بنتي عندها سبع سنين… ومع ذلك بدأت تحس إنها أقل من باقي الأطفال.
قربت منها ومسحت دموعها، وبعدها رفعت عيني ناحية حماتي وقلت بهدوء مخيف: — ليلى ماخدتش عيديتها.
حماتي ردت ببرود: — أصل العيديات خلصت.
واحدة من سلايفي ضحكت وقالت: — بسيطة يعني… الأطفال مش بيفرق معاهم.
بصيتلها وقلت: — لا بيفرق معاهم… وبيفضل معلم جواهم طول العمر.
جوزي قرب وهمسلي بغضب: — مش وقته الكلام ده.
لفيتله وبصيت في عينه لأول مرة من غير خوف: — لا… وقته جه متأخر كمان.
سكت الكل.
وأنا لأول مرة حسيت إني مش خايفة منهم.
طلعت شنطتي، وأخرجت ظرف أبيض كبير، وحطيته قدام جوزي على الترابيزة.
قال باستغراب: — إيه ده؟
قلت: — عقد البيت.
الكل بصلي.
كملت وأنا ثابتة: — البيت ده باسمي… والأرض اللي جنب البيت باسمي… والمحلات اللي بتصرفوا منها كل شهر باسمي.
حماتي قامت واقفة فجأة: — إنتي بتعايرينا بفلوسك؟
ضحكت بمرارة: — فلوسي؟ دي فلوس أبويا اللي تعبتوا فيها سنين وكأنها حقكم… وأنا ساكتة.
جوزي بصلي بصدمة: — إنتي بتقولي إيه؟
قلت: — بقول إن بنتي اللي اتذلت النهارده… صاحبة البيت اللي أنتم قاعدين فيه.
الصمت كان مرعب.
حتى الأطفال وقفوا لعب.
حماتي قربت مني وقالت بعصبية: — يعني هتطردينا؟
رديت بهدوء: — أنا عمري ما فكرت أعمل كده… رغم كل اللي شوفته منكم. لكن من النهارده… يا إما احترام لبنتي، يا إما كل واحد يشوفله مكان تاني.
جوزي شدني من دراعي: — إنتي اتهبلتي؟
بعدت إيده عني وقلت: — لا… أنا فوقت.
وفجأة… بنتي حضنت رجلي وهي بتعيط.
نزلت لمستواها، فقالتلي بصوت مخنوق: — أنا عملت حاجة وحشة يا ماما؟
قلبي اتقطع.
حضنتها جامد وقلت: — لا يا روح ماما… إنتِ أحسن واحدة في الدنيا.
حماتي اتكلمت بسخرية: — دلع زيادة… عشان كده البنت هتطلع قليلة الأدب.
رفعت عيني عليها، والمرة دي صوتي كان حاد: — بنتي مش قليلة الأدب… بنتي بس اتربت تعرف قيمتها.
وبعدها أخدت بنتي وطلعت أوضتي.
قفلت الباب… وسبتهم تحت مصدومين.
في الليلة دي، جوزي دخل الأوضة متعصب.
قال: — إنتي كسرتي شكلنا قدام الناس.
كنت قاعدة بسريري، وبنتي نايمة في حضني.
بصيتله بهدوء وقلت: — وأنا؟ لما بنتي اتكسرت قدام العيلة… كان عادي؟
سكت لحظة، وبعدها قال: — أمي كبيرة.
قلت: — والغلط لما يطلع من الكبير يبقى وجعه أكبر.
قعد على الكرسي وهو متوتر: — يعني عايزة توصلي لإيه؟
رديت: — عايزة أفهم… إنت جوزي ولا ابن أمك وبس؟
الكلمة ضربته.
ولأول مرة… معرفش يرد.
كملت: — أنا استحملت كتير… كلام وإهانة وتلميحات إني دخيلة عليهم. لكن لما الموضوع وصل لبنتي… خلاص.
قال بعصبية: — أمي مبتكرهش ليلى.
ضحكت ضحكة موجوعة: — الكره مش دايمًا ضرب وإهانة… أوقات بيكون نظرة… تجاهل… أو إنها تتحسس إنها أقل من غيرها.
سكت.



