اهل جوزي حكايات روماني مكرم 3

نظرتُ إلى موظفة البنك بوجل، بينما كانت شاشة حاسوبها تعكس ضوءًا خافتًا على وجهها الذي غابت عنه الابتسامة الترحيبية المعتادة.

اقتربت مني أكثر، وخفضت صوتها إلى حد الهمس قائلة:

— “مدام سمر.. أنا مضطرة أبلغك بحاجة غريبة جدًا ظهرت على السيستم بخصوص حسابات عمك الله يرحمه الحاج توفيق، ودي حاجة الأستاذ رأفت المحامي نفسه شكل ميعرفهاش.”

شعرت بقبضة تعتصر قلبي، وقلت بنبرة قلقة:

— “في إيه يا أستاذة؟ الـ 10 مليون جرالهم حاجة؟”

هزت رأسها نفيًا وقالت:

— “الفلوس موجودة ومفيش أي مشكلة قانونية عليها.. الصدمة إن الـ 10 ملايين جنيه دول مش كل الثروة، ولا حتى نصها!”

اتسعت عيناي بذهول، فتابعت الموظفة وهي تشير للشاشة:

— “عمك قبل ما يموت بـ 3 أسابيع، فتح حساب استثماري مغلق باسمك أنتِ شخصيًا، وحول عليه مبالغ ضخمة وسندات من برة مصر.. القيمة الإجمالية للحساب ده تعدي الـ 40 مليون جنيه! لكن الصدمة مش هنا.. الصدمة إن الحساب ده مربوط بشرط غريب جدًا في عقد التأسيس اللي مضى عليه عمك.”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة وسألتها:

— “شرط إيه؟”

أجابت الموظفة وهي تنظر إليّ بشفقة:

— “الشرط بيقول: ‘لا يحق للآنسة سمر التصرف في هذا الحساب أو سحب مليم واحد منه إلا بعد إتمام طلاقها رسميًا أو خلعها من زوجها محمود…’ وعمك كاتب نصًا في خانة الأسباب: ‘لحمايتها من طمع زوجها وأهله، وحتى لا يكون لهم عين في مالها’.”

تسمرت في مكاني.. نزلت دموعي حارة لا توصف. عمي.. ذلك الرجل العجوز الطيب، كان يرى المستقبل بوضوح. كان يعلم كم هم جشعون، وأراد أن يؤمنني تمامًا، بل ويجبرني بطريقة غير مباشرة على التخلص من ذلك القيد الذي كان يدمي حياتي.

خرجتُ من البنك وأنا أشعر أنني أملك القوة لمواجهة العالم بأكمله. لكن سرعان ما تحولت الفرحة إلى ترقب حذر.. فمثل هذه الأسرار لا تظل دفينة في أروقة البنوك طويلًا، خاصة مع وجود موظفين قد يتحدثون، أو تحريات قد يجريها محامي الطرف الآخر.

وبالفعل، لم يمر سوى ثلاثة أيام حتى وصل الخبر إلى محمود وعائلته بطريقة ما.

في صباح يوم جلسة الخلع الأولى، وقفتُ أمام قاعة المحكمة بملابسي الأنيقة، وبجانبي الأستاذ رأفت. وفجأة، رأيت جلبة عند مدخل الممر.. كان محمود يدخل، لكنه لم يكن مكسورًا كآخر مرة.. كان وراءه جيش من المحامين، وبجانبه حماتي التي استعادت نظرة الجشع والتحدي في عينيها، ونعمة التي كانت تنظر إليّ وتشير بسبابتها وتتوعد.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *