حكايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​في يوم عزومة عيلة في الفيوم، خبطت بالصدفة في بنت جوزي، فجأة لقيتها صرخت بوتهيستريا وقالتلي: “إياكي تلمسيني تاني!”.. ومن غير ما يفهم إيه اللي حصل، جوزي بصلها وقالها ببرود: “اعتذري لها حالاً يا إما تقومي تروحي”.. أنا ما نطقتش، سبت العزومة ومشيت، بس لما رجعوا البيت بالليل، المفاجأة اللي كانت مستنياهم قلبت كل حاجة رأسًا على عقب!
​أول مرة أحس إن الغربة جوة بيتي كانت في يوم سبت شمس وهادئ في عزبة عيلته في الفيوم. ريحة الفحم والكباب طالعة في الجاردن، والمشويات مالية الترابيزة.
​جوزي “طارق” كان عمال يضحك ويهزر مع أخوه. وبنته “جنى” عندها ١٦ سنة، قاعدة على الترابية مع ولاد عمها، الموبايل في إيدها، ووشها بيتغير ويكشر كل ما أعدي من جنبها.
​أنا وطارق متجوزين بقالنا ٣ سنين. وجنى ما طايقانيش من أول يوم.
​عمري ما حاولت أخد مكان أمها، ولا طلبت منها تقولها غير “يا سارة”. افتكرت عيد ميلادها، وكنت بياخدها للتمرين، وشاركت مع طارق عشان نجيب لها التقويم، وكنت ببلع لساني وأسكت لما تقدم للناس وتجامل وتقول: “دي مراته”.
​في اليوم ده، طنط أم طارق طلبت مني أطلع درق الليمون برة.
​طلعت من المطبخ وشايلة الدورق المليان تلج، وفي نفس اللحظة جنى كانت بتبعد بضهرها وهي بتضحك على فيديو في الموبايل.
​أنا لفيت، وكتفي لمس دراعها بالراحة.
​الدورق اتهز في إيدي والتلج خبط في الإزاز.
​جنى لفت فجأة وصرخت: “إياكي تلمسيني تاني!”
​كل الكلام والضحك في الجاردن وقف فجأة.
​”جنى، أنا آسفة جداً”، قلتها بسرعة.. “والله ما شوفتك.”
​عينيها اتملت دموع وقالت: “أنتي دايماً بتعملي كده! دايماً بتستغلي إن محدش واخد باله وتضايقيني وتزقيني!”
​بطني اتعصرت لأن الكلام ده خرج برة فكرة الخبطة الغصب تماماً.
​طارق ساب ماسك الفحم وجاي علينا: “في إيه؟ إيه اللي حصل؟”
​ردت جنى: “زقتني جامد!”
​”ما حصلش!” بصيت في عينه وقُلت: “يا طارق والله غصب عني.”
​ما ترددش لحظة.
​قال ببرود وقسوة: “اعتذري لها يا سارة.. يا إما تقومي تروحي.”
​الهوا وقف في الجاردن. ومحدش نطق. حماتي نزلت عينها في الأرض وما قادرتش تبصلي.
​بصيت لجنى، كانت رافعة رأسها ومستنية أشيل الذنب لمجرد إن العيلة كلها شايفة إن السكوت وإني أعديها أسهل من إنه يواجه بنته.
​بعدها بصيت لطارق.
​”انت بجد مصدق إن ممكن أزق بنتك؟”
​طارق ما نطقش.
​والسكوت ده كان هو الإجابة.
​في اللحظة دي شوفت شكل حياتنا الباقية هيبقى عامل إزاي.. جنى هتتهمني الأول، طارق هيصدقها الأول، ويمكن -بعد ما أكون اعتذرت وشبعت إهانة- حد يفكر يسأل هو إيه اللي حصل بجد؟
​أنا مش هعيش العيشة دي.
​حطيت دورق الليمون بالراحة على الترابيزة.
​وفكيت الإنسيال الدهب اللي طارق كان جابهولي في أول سنة جواز، وحطيته جنب الأطباق.
​ما صرختش، وما طلبتش من حد يدافع عني، ولا سألت طارق تاني هو مصدقني ولا لأ.
​لفيت وضيقت خطواتي، خرجت من البوابة، ركبت عربيتي.. ومشيت.
​قبل ما طارق وجنى يرجعوا من عزومة العيلة في الفيوم، كنت خلاص أخدت قراري إن السر اللي بقالي ٨ شهور مخبياه عن طارق وخايفة أواجهه بيه لازم يخرج للنور فوراً. ما كانش عندي أي نية إني أرجع البيت عشان أعيط وأكسر في نفسي.. البكا كان هيبقى أسهل كتير، بس اللحظة دي كانت محتاجة مواجهة!
​بقالي ٨ شهور بأقنع نفسي إن كتماني للسر ده عن جوزي كان نوع من الحماية ليه مش خيانة، عشان كنت دايماً بأقول لنفسي أكيد هييجي وقت أحسن وأهدى أحكيله فيه.. وقت نكون قاعدين قصاد بعض صافيين ومن غير غضب، وأقدر أفتح قلبي وأشيل من على كتفي الشيلة اللي شيلتها لوحدي طول الفترة دي.
​بس اللي حصل في العزومة غير كل حاجة.
​مش عشان جنى صرخت في وشي، ولا حتى عشان كدبت وقالت إني زقتها..
​اللي قلب كل الموازين هو السرعة اللي طارق قرر بيها يصدق كلام بنته ويكدبني أنا.
​قبلها بساعات، ما كانش حد حاسس بحاجة من دي غيري.
​كان يوم سبت مشمس ولطيف في الفيوم، ريحة الفحم والشوي مالية الجاردن وكل حاجة تهيأك إن اليوم هيبقى حلو.. طارق كان قاعد بيضحك ويهزر مع أخوه، وبنته جنى عندها ١٦ سنة قاعد مع ولاد عمها وراسة في الموبايل، وكل ما أعدي من جنبها وشها يكشر وتتضايق.
​أنا أخدت بالي.. أصل أنا دايماً بأخد بالي.
​أنا وطارق متجوزين بقالنا ٣ سنين، وطول التلات سنين دول وجنى مدياني إحساس واضح إنها مش عايزاني أخد أي مساحة قريبة من كلمة “عيلة”.
​وأنا حاولت أحترم ده.
​عمري ما طلبت منها تقولها “ماما”، ولا حاولت أخد مكان أمها، ولا فرضت عليها حنية هي مش حساساها.
​اللي عملته كان العادي اللي أي ست أصيلة بتعمله.. افتكرت عيد ميلادها، كنت بأوديها وتجيبها من تمرين الطائرة، شاركت طارق في مصاريف تقويم أسنانها، وكنت ببلع لساني وأسكت لما تقدم للمواطنين وتجامل وتقول “دي مراته”، حتى لو كلمة “مراته” دي كانت بتنزل على قلبي تقيلة وتقطع فيا.
​كنت بأقول لنفسي البنات في السن ده محتاجين وقت، وعائلات الجواز الثاني مش بتتصلح بالضغط لمجرد إن اتنين كتبوا كتابهم.. فكنت بديلها مساحتها.. ومساحة أكبر.. وأكبر كمان..
​وكل ما كنت ببلع زعل أو إهانة، كنت بأقول لنفسي أنا بكده بحمي بيتي وجوازي من مشاكل ملهاش لازمة.
​في اليوم ده، طنط أم طارق طلبت مني أطلع درق الليمون برة.
​موضوع عادي جداً.. دخلت المطبخ وشيلت دورق الإزاز المليان ليمون وتلج وطلعت بيه على الجاردن. وفي نفس اللحظة، كانت جنى بتبعد بضهرها وبتراجع خطوتين لورا وهي بتضحك على فيديو في الموبايل.
​أنا لفيت، وكتفي لمس دراعها بالراحة.
​الدورق اتهز في إيدي والتلج خبط في الإزاز وعمل صوت عالٍ.
​الصوت ده كان أكبر دليل مادي على إن اللي حصل كان مجرد خبطة غير مقصودة بين اتنين بيتحركوا في نفس اللحظة.
​جنى لفت فجأة وصرخت: “إياكي تلمسيني تاني!”
​الجاردن كله اتخرس في ثانية.. الكلام وقف، والوشوش كلها اتلفتت لينا.
​”جنى، أنا آسفة جداً”، قلتها بسرعة.. “والالله ما شوفتك.”
​ده كان المفروض ينهي موقف بسيط زى ده.. بس هي ما اكتفتش.
​عينيها اتملت دموع وقالت بتمثيل: “أنتي دايماً بتعملي كده! دايماً بتستغلي إن محدش واخد باله وتيجي جنبي وتضايقيني!”
​هنا الموقف اتغير تماماً.. التهمة خرجت برة فكرة الخبطة الغصب، هي كانت بتتهمني بسوء النية، وبتستغل ٣ سنين من التوتر عشان تطلعني الست الشريرة قدام عيلة جوزي كلها.
​بطني اتعصرت.. وكنت عارفة إن لو انفعلت، انفعالي ده هيتاخد عليا ويبقى دليل إداناتي.. لو عليت صوتي هبقى “مرات الأب المفترية”، ولو هاجمت بنت عندها ١٦ سنة بتعيط هبقى “البالغة اللي بتتأمر على طفلة”، ولو اعتذرت عن حاجة ما عملتهاش هبقى بقر وبأعترف إني زقتها بجد.
​فعملت العقل.. وتمسكت بالحقيقة.
​طارق ساب ماسك الفحم وجاي علينا: “في إيه؟ إيه اللي حصل؟”
​لثانية واحدة، افتكرت إنه بيسأل عشان يفهم ويسمع.
​بس جنى ردت الأول: “زقتني جامد!”
​كلمة واحدة غيرت كل حاجة.. ما قالتش خبطتني ولا خبطنا في بعض.. قالت “زقتني”.
​”ما حصلش!” بصيت في عين جوزي وقُلت: “يا طارق والله العظيم كان حادثة وغصب عني.”
​طارق عارفني بقاله سنين.. وعاش معايا وعارف أنا قد إيه كنت بحاسب على كل كلمة وتصرف مع جنى عشان ما أعملش مشكلة، وقد إيه كنت بانسحب عشان ما أحسسهاش إني بنافسها على حب أبواها.
​كنت مستنية منه يسأل.. بس ما سألش.
كنت مستنية يبص لينا إحنا الإتنين.. بس ما بصش.
كنت مستنية راجل متجوزني يطلب يسمع مراته الأول قبل ما يحكم عليها بإنها مفترية.. بس ما عملش كده.
​قال ببرود وقسوة: “اعتذري لها يا سارة.. يا إما تقومي تروحي.”
​دي كانت اللحظة الحقيقية.. مش الخبطة، ولا صرخة جنى، ولا كدبتها..
​الشرط والمخير اللي حطهولي طارق هو اللي كسر كل الأعذار اللي كنت بخلقها لطريقة معاملته ليا طول التلات سنين اللي فاتوا.
​الهوا وقف في الجاردن، وحماتي نزلت عينها في الأرض وما قادرتش تبصلي.. والسكوت ده كان معناه إن محدش هيدخل، محدش هيقول إنه شاف جنى وهي بتبعد بضهرها، ومحدش هيبص لدورق الليمون اللي في إيدي والتلج اللي كان بيخبط.. الكل كان عايز الموضوع يعدي وخلاص، وكانوا مستنيين مني أنا إني أسهلها عليهم وأشيل الذنب.
​بصيت لجنى.. كانت رافعة رأسها ومستنية أشيل الكدبة وأعتذر عشان العزومة تكمل.
​بعدها بصيت لطارق وقُلتله: “انت بجد مصدق إن ممكن أزق بنتك؟”
​سؤال بسيط.. إجابته يا اه يا لأ.
​كان ممكن يقول ما اعرفش، كان ممكن يسأل العيلة، كان ممكن ياخد جنى على جنب، كان ممكن يطلب مني أشرح له.. كان ممكن يعمل أي حاجة إلا اللي عمله.
​طارق سكت.
​والسكوت ده كان هو الإجابة الشافية.
​في اللحظة دي شوفت المستقبل بوضوح مرعب.. جنى هتتهمني تاني، طارق هيصدقها الأول، وأنا هطالب بالإعتذار كل مرة عشان البيت يهدى!
​أنا مش هعيش العيشة دي.. ومش هضحي بكرامتي عشان أرضي طفل أو أرضي راجل مش باقٍ عليا.
​حطيت دورق الليمون بالراحة على الترابيزة.. من غير ما أكسره ولا أعمل هيستريا.
​وفكيت الإنسيال الدهب اللي طارق كان جابهولي في أول سنة جواز، وحطيته جنب الأطباق.
​ما صرختش، وما طلبتش من حد يدافع عني، ولا سألت طارق تاني هو مصدقني ولا لأ.. لفيت وخرجت من باب الجاردن، ركبت عربيتي.. ومشيت.
​الخروج كان هادي جداً عكس العاصفة اللي كانت جوايا.. بس كل خطوة كانت بتقول إن خلاص، أنا مش هعتذر عن حاجة ما عملتهاش، ومش هشترِي مكاني في الجوازة دي بإن أقبل كدبة.
​وكل ما كنت ببعد بالعربية عن الفيوم، كل ما الحقيقة كانت بتوضح قدامي أكتر.. المشكلة مش في اللي حصل في العزومة، المشكلة في السر اللي أنا مخبياه عن طارق بقالي ٨ شهور!
​كنت مخبياه عشان أحميه وأحمي بيتي، وكنت مستنية الوقت المناسب.. بس بعد اللي حصل، أدركت إن طارق طالما مش مديني الثقة ولا الأمان، يبقى لازم يتواجه بالحقيقة كاملة.. مش حقيقة انتقامية، لكن الحقيقة المجردة.
​قعدت أفتكر الإنسيال اللي سبته على الترابيزة.. هدية أول سنة جواز اللي كانت بتعبر عن البداية، واليوم كشفتلي النهاية. طارق كان عايزني أثبت ولائي بإن أقبل الإهانة، وأنا كنت محتاجة ولائه يبدأ بالثقة.
​قبل ما طارق وجنى يوصلوا البيت ويرجعوا من العزومة، أخدت قراري الثاني في اليوم ده.. Decision أصعب من مشيتي من العزومة.
​أنا مش هفضل خايفة ومخبية السر ده عشان أحميه..
​طارق خيرني بين إني أقبل الكدبة أو أمسك الباب.. وأنا اخترت الباب، ورايحة دلوقتي أواجهه بالحقيقة اللي هتغير كل حاجة للابد!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *