حكايات بسمه

مرات أبوها جوزتها من متشرد عايش وسط الزبالة لمجرد التسلية لكن في ليلة فرحهم، قال لها جملة خلتها مش مصدقة نفسها!
إمضي يا يتيمة وخلاص! ولا تحبي تروحي تعيشي تحت كوبري مع جوزك الجديد؟
صوت سعاد الشناوي دوّى في أركان مكتب الشهر العقاري الصغير في وسط القاهرة. كانت لابسة معطف نبيتي غالي، وإيديها مليانة ألماس، وعلى وشها ابتسامة واحدة لسه كسبت حرب.
قدامها كانت واقفة سلمى الشناوي، عندها 23 سنة، جسمها بيرتعش وهي لابسة بلوفر قديم كان أصلاً بتاع واحدة من خدم البيت.
وعلى يمينها كان واقف العريس.
راجل ضخم، دقنه طويلة ومهملة، جاكتة متبهدلة ومليانة بقع شحم، وجزمته كلها طين.
اسمه حسن.
رجالة سعاد قالوا إنهم لقوه نايم جنب صناديق الزبالة في سوق العتبة، وإنه وافق يتجوز سلمى مقابل كام ألف جنيه.
إيد سلمى ارتعشت، والقلم وقع منها على الأرض.
أنا مش هقدر أعمل كده
سعاد قربت منها وهمست ببرود
أبوكي مات من ست شهور. البيت بقى بتاعي، كروتك اتقفلت، وخطيبك مش بيرد عليكي. إمضي دلوقتي أو اخرجي من هنا على الشارع.
أبو سلمى، حسام الشناوي، كان صاحب شركة كبيرة لمواد البناء، وبعد وفاته ساب معظم أسهمه في صندوق ائتماني باسم بنته الوحيدة.
لكن كان فيه شرط غريب هو نفسه حطه علشان يحميها
سلمى ماكانش من حقها تستلم السيطرة على الأسهم إلا بعد ما تتجوز.
وسعاد كانت مستنية اللحظة دي بالذات.
كانت مجهزة كل الورق مع موظف فاسد علشان بمجرد ما سلمى تتجوز، تقدر تستولي على الصندوق والأسهم والحسابات.
وهي مش فاهمة حاجة، ووحيدة ومكسورة، مضت سلمى على عقد الجواز.
بعدها سعاد حطت إيدها على كام سطر في أوراق تانية وقالت
دي مجرد إجراءات تغيير عنوان.
سلمى مضت تلات مرات كمان.
لكن الحقيقة إنها كانت بتدي سعاد توكيل يسمح لها تتحكم في حساباتها وتحرك أسهمها.
وفجأة، سعاد مدت إيدها وخطفت سلسلة فضة صغيرة من رقبة سلمى.
دي كانت بتاعة بابا!
صرخت سلمى وهي بتحاول تستردها.
سعاد ضحكت باستهزاء
كل حاجة أبوكي اشتراها بقت بتاعتي. إنتِ مابقاش ليكي غير جوزك المتشرد ده.
اتنين من الحرس ساقوا العروسين لعربية.
وبعد أربع ساعات سفر، رموهم قدام بيت طين متهالك في منطقة جبلية بعيدة.
أخدوا منهم الموبايلات والفلوس والأوراق.
البيت كان عبارة عن سرير حديد مصدي، ترابيزة مكسورة، وموقد مليان رماد. والهواء كان داخل من كل شق في الحيطان.
مع حلول الليل، سلمى قعدت لازقة في الحيطة من الخوف.
حسن خلع الجاكت بتاعه واتجه ناحيتها.
سلمى قفلت عينيها وهي مرعوبة
لكن الجاكت وقع على كتفها.
غطي نفسك. الجو هنا بيبقى ساقعة جدًا بعد نص الليل.
صوته ماكانش صوت راجل مهزوز أو مشرد.
كان صوته هادي ثابت زي واحد متعود الناس تسمع كلامه.
وبعدين قال
متخافيش. أنا مش هلمسك.
سلمى فتحت عينيها وبصت له بحذر.
وإنت مش الشخص اللي سعاد فاكرة إنها جوزتهولي.
بصت له بعدم ثقة.
أومال إنت مين؟
سكت حسن لحظة، وبعدها قال
واحد كان محتاج يختفي.
يعني إيه؟
سعاد بقالها شهور بتحاول تدمر شركتي. وأنا خلت رجالتها يلاقوني لأني عرفت إنها بتدور على راجل مالوش اسم ولا أهل علشان تجوزهولك.
سلمى بصت له كأنها مش فاهمة.
ولو استحملتي ووثقتي فيا هنرجع كل حاجة هما سرقوها مننا.
افتكرت إنه بيهذي.
وخلال أول خمس أيام، رفضت حتى تاكل الأكل البسيط اللي كان بيعمله.
كانت مستنية كريم لطفي، خطيبها، ييجي ينقذها.
أما حسن، فكان بيصلح سقف البيت، ويسد الشقوق بالطين، ويقطع الحطب، وينضف البير.
عمره ما طلب منها تساعده.
وماقربش حتى من السرير.
كان بينام على الأرض جنب الموقد.
في الليلة الخامسة، الجوع غلب سلمى.
قعدت تحاول تقشر بطاطسا في الضلمة، لكن السكينة زحلقت منها وجرحت صباعها.
قعدت على الأرض وهي بتنزف، وبدأت تعيط في صمت.
حسن نزل على ركبته قدامها، غسل الجرح، ومزق حتة من منديل نضيف وربط بيها صباعها.
وبعدين طلع من جيبه قطعة صغيرة من حلوى الفول السوداني.
كلي دي جسمك محتاج قوة.
سلمى كانت طول عمرها بتاخد دهب، وتسافر، وتلبس أغلى الهدوم، وتاكل شوكولاتة مستوردة.
لكن عمرها ما حست إن هدية بسيطة زي دي ممكن تكون غالية بالشكل ده.
أخدتها منه.
وأكلتها.
وبعدها قامت وغسلت البطاطس.
من غير ما يتكلموا، الاتنين كانوا عملوا اتفاق بينهم.
بعد أسبوع، موجة برد شديدة ضربت المنطقة.
سلمى تعبت جدًا وأصيبت بالتهاب رئوي.
حسن باع الجزمة الوحيدة الكويسة اللي عنده لفلاح، ومشي حوالي تسعة كيلومترات بجزمة رياضية مقطوعة لحد صيدلية في قرية قريبة.
رجع بالأدوية، ورجليه كانوا تقريبًا متجمدين.
ليلتين كاملين فضل صاحي جنبها.
يشعل النار، ويديها الميه معلقة معلقة، ويراقب نفسها.
ولما سلمى فتحت عينيها، لقت باطن رجليه مليان فقاقيع وجروح.
بصت له وقالت
ليه عملت كل ده عشاني؟
بصلها وقال بهدوء
لأن حياتك أهم من جزمتي.
الجملة دي كانت كفاية إنها تمسح آخر ذرة خوف جواها منه.
كان حسن مخبي موبايل قديم تحت واحدة من ألواح الأرض.
ولما الشبكة رجعت، سلمى لقت الموبايل واتصلت بكريم.
وصل في نفس اليوم بعربية فخمة.
سلمى جريت عليه، لكنها اتفاجئت إنه حتى ماحضنهاش.
قال ببرود
اركبي. أنا مش هفضل في الخرابة دي.
لكن بدل ما يرجع بيها القاهرة، وقف قدام موتيل على الطريق.
كان مستنيه اتنين من أصحابه، وعلى الترابيزة قدامهم زجاجات مفتوحة.
قال كريم
سعاد قالتلي كل حاجة. إنتِ خلاص مابقاش عندك أسهم ولا بيت ولا فلوس.
سلمى بصت له بصدمة
إنت كنت بتقول إنك بتحبني!
ضحك بسخرية.
أنا كنت هتجوز وريثة حسام الشناوي مش واحدة مفلسة ومتجوزة متشرد.
واحد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *