حكايات بسمه

لمحة نيوز
من أصحابه مسك سلمى من دراعها لما حاولت تخرج.
وفي اللحظة دي
الباب اتفتح بعنف.
حسن دخل.
هدومه كانت مغطاة بالتراب والبرد، لكن وشه كان هادي بشكل يخوف.
في ثواني، وقع أول واحد على الأرض، وثبّت التاني من غير ما يأذيه.
وبص لكريم نظرة خلت كريم يرجع لورا.
وبعدين قرب من سلمى وحط جاكته على كتفها.
عايزة نرجع البيت؟
سلمى بصت له، وبعدها ارتمت في حضنه.
خدني بيتنا يا حسن.
ولأول مرة
البيت المتهالك اللي فوق الجبل حس فعلًا إنه بيتهم.
وسط الهدوم القديمة اللي سعاد حطتها في شنطة سلمى، لقت سلمى كراسة مخبية تحت بطانة الشنطة.
كانت كراسة وصفات أكل تخص أمها، نوال الشناوي، اللي كانت سلمى طول عمرها فاكرة إن أمها سرقت فلوس أبوها وهربت لما كان عندها سبع سنين.
صفحات الكراسة كانت ريحتها فانيليا، وفيها وصفات للعيش البلدي، والفطير، والقرص، وفطائر بالعسل الأسود.
سلمى مسكت الكراسة وقالت
أنا عايزة أبيع عيش وحلويات.
حسن بص لها
كل يوم حد فيه سوق في البلد. بس هتضطري تصحي الساعة تلاتة الفجر، وتعجني بإيدك، وتفضلي محافظة على الفرن سخن.
ابتسمت سلمى.
أقدر.
أول أسبوع كان صعب جدًا.
الدقيق شقق إيديها، ووجع ضهرها كان بيخليها مش عارفة تنام.
حسن كان بيتولى الفرن، ويجيب الميه والحطب، وبنى لها فرشة صغيرة من الخشب تبيع عليها.
وفي السوق، ست عجوز داقت قرص واحدة.
اشترت أربعة.
وقبل الظهر
ماكانش فاضل قطعة واحدة.
بالليل، قعدوا يعدوا أول فلوس كسبوها على الترابيزة.
إيديهم اتقابلت فوق جنيه.
حسن حط إيده فوق صوابع سلمى المتشققة.
وهي ما بعدتش إيدها.
ماوعدوش بعض بحاجة.
لأن اللي عملوه لبعض كان أكبر من أي وعد.
لكن بعد كام يوم
موبايل حسن رن.
كانت سعاد.
ضحكت باستهزاء وقالت
سمعت إنك بقيتي بتبيعي عيش يا سلمى.
وبعدين أكملت
استمتعي بفقرِك وماترجعيش. ولو فكرتي تجيبي محامي، هخلي جوزك يدخل السجن بسبب اللي حصل في الموتيل.
في الفجر
سلمى صحيت على ريحة دخان.
خرجت من البيت وهي بتكح
واتجمدت مكانها.
المطبخ الصغير اللي كانوا عاملينه جنب البيت كان بيولع.
حد كان رش بنزين على الخشب وأشعل فيه النار.
وفجأة افتكرت الكراسة
كراسة أمها كانت جوه!
صرخت سلمى وجريت ناحية النيران
وهي مش عارفة إن اللي هي هتلاقيه جوه النار، ممكن يغيّر كل الحقيقة اللي عاشتها عن أمها من سبع سنين.
حكايات بسمة
صرخة سلمى شقت سكون الفجر. كانت هترمِي نفسها جوه المطبخ الخشبي اللي النار بتاكل فيه، بس إيد قوية ومحترفة مسكتها من دراعها وسحبتها لورا بعنف.
سلمى لأ! المطبخ هيقع! حسن صرخ فيها وهو ماسكها بكل قوته.
الكراسة يا حسن! كراسة أمي جوه! سلمى كانت بتصرخ ودموعها نازلة كأنها شلال، بتعافر معاه عشان تتملص من إيده وترمي نفسها في النار دي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي منها! كراسة أمي يا حسن!
حسن بص للنار اللي كانت بتتصاعد بسرعة، وبص لسلمى اللي كانت بتترعش ومنهارة. من غير ما يفكر ثانية، مسك جردل مية كان جنب البير، دلقه على راسه وجاكتته، وجري خطف نفسه جوه المطبخ الملتهب وسط صرخات سلمى!
حسن! لأ يا حسن أرجوك!
مرت دقيقتين كأنهم سنتين. الخشب المحروق بدأ يقع، والدخان الأسود غطى المكان. وسلمى قعدت على ركبتها على التراب، بتصرخ باسمه ومستعدة تدخل وراه.
وفجأة.. خرج حسن من وسط الدخان وهو بيكح بشدة، هدومه متفحمة ورجليه بتتخشب، بس إيده الشمال كانت ضامة الكراسة لصدره بحماية، ومغطيها بجاكتته المبلولة!
وقع على الأرض جنبها وهو بيتنفس بالعافية.
سلمى اترمت في حضنه وهي بتمسك وشه بإيديها الاتنين
إنت مجنون؟! ليه عملت كده؟! كنت هتموت عشان كراسة ورق؟!
حسن فتح عينيه بالعافية، ومسك إيدها المرتعشة حطها على قلبه، وقال بصوت مبحوح ومخنوك من الدخان
قلتلك قبل كده.. أي حاجة تخصك أو تهمك، حياتي مش أغلى منها يا سلمى.
سلمى حاضنت الكراسة وجاكتته، وبكت بحرقة وهي بتحط رأسها على صدره. في اللحظة دي، البيت المتهالك والمطبخ المحروق والفقر كله اختفوا.. ما بقاش فاضل في عالمها غير الراجل ده.
بس وهي بتنفض الرماد من على الكراسة، لاحظت إن الغلاف الخارجي الجلد اتقطع من حافة النار.. وجوه الجراب المبطن للغلاف، كان فيه كارت ميموري صغير جداً، وأوراق مطوية بعناية فائقة ملفوفة في بلاستيك مقوى!
حسن قعد جنبها وهو بيمسح الهباب من وشه، وبص للأوراق
إيه ده يا سلمى؟
سلمى فتحت الأوراق بإيدين بتترعش.. كانت خطابات ورقية مكتوبة بخط أمها نوال الشناوي، ومؤرخة قبل وفاتها بسنة واحدة!
قرت السطور الأولى، والدموع اتجمدت في عينيها
إلى بنتي الوحيدة سلمى.. لو الأوراق دي وصلتلك، اعرفي إني عمرِي ما سبتك ولا هربت بفلوس أبوكي زي ما سعاد أقنعته وأقنعت الناس. سعاد كانت الممرضة الخاصة بيا لما تعبت، وهي اللي كانت بتحطلي السم البطيء في الأكل عشان تخلص مني وتاخد حسام وشركته. لما اكتشفتها، هددتني بيكي وبحياتك، فجبرتني أختفي وأسيب البيت. الكارت ده عليه تسجيلات وصور وشيكات تثبت إن سعاد هي اللي دبرت تزوير عقود الشركة، وهي اللي قتلت أبوكي بجرعة دوا زيادة لما عرف الحقيقة. يا بنتي.. حقنا عندها، واوعي تسيبيه.
سلمى رفعت رأسها لحسن وهي مش مصدقة، أركان الجريمة كلها كانت كاملة بين إيديها! سعاد ما سيبتهاش هربت، سعاد كانت عايزة تدمرها ودمرت أمها قبلها!
حسن مسك الكارت والأوراق، وابتسامة حادة وباردة ظهرت على وشه.. الابتسامة اللي سلمى ما شافتهاش فيه من يوم ما عرفته.
الورق ده هو اللي كنت مستنيه يا سلمى.. حسن قالها بثبات





