طعم في يدا اليفه الثالث

“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”

كانت تتابع الطريق بعينين تلمعان بالدموع، تحاول أن تحبس انهيارها خلف جفنيها، بينما كان قلبها يضج بالوجع من فعل أخيها، وطعنه لها
أما الآخر، فظل يراقبها من مرآة السيارة، يلتقط ارتجافة شفتيها ونظراتها الهاربة، حتى حمحم محاولًا كسر ذلك الصمت الثقيل.
_ إنتِ رايحة فين؟
لم تجبه في البداية، وكأنها لم تسمعه، فعدّل وضعية المرآة قليلًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
_ عايز أعرف بس علشان أعرف الطريق.
جاء ردها مقتضبًا، باردًا كبرودة المسافة التي تحاول أن تصنعها بينهما:
_ نزلني الموقف وبس، وشكرًا لحضرتك.
_ أوصلك للمكان اللي عايزة تروحيه.
التفتت إليه بلحظة، ثم أشاحت بوجهها سريعًا.
_ شكرًا… طريقنا مش واحد.
_ بس…
التفتت إليه سريعًا، وقد نفد صبرها:
_ لو سمحت وقف العربية، وصلنا الموقف خلاص.
_ اسمعيني بس…
لكنها لم تمنحه فرصة.
فجأة فتحت باب السيارة وهي لا تزال تتحرك، فارتفع صوته بفزع، وضغط على المكابح سريعًا حتى توقفت السيارة.
_ يا خديجة! استني!
لكنها لم تلتفت حتى.
هبطت من السيارة بخطوات متعجلة، ومسحت دموعها بطرف أصابعها، ثم أسرعت نحو السيارة التي ستقلّها إلى وجهتها، وكأنها تهرب من كل شيء..
استقلت السيارة، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة طويلة، كأنها تستعيد الهواء الذي سُلب من رئتيها طوال الدقائق الماضية.
أخرجت هاتفها، واتصلت بوالدتها.
وما إن سمعت صوتها حتى انهارت.
_ شوفتي يا ماما خالد عمل إيه؟
نهضت فاتن سريعًا من مكانها، وقد انتفض قلبها على صوت بكاء ابنتها، وجلست تستمع إليها وهي تقص عليها ما حدث، وكل كلمة كانت تزيد النار اشتعالًا في صدرها.

_ يعني اللي المفروض خطيبي طلب مني يوصلني وأنا رفضت، يقوم يركبني مع واحد معرفوش؟ غير إن سمعته زبالة زيه!
أغمضت فاتن عينيها لحظة، وكأنها تحاول أن تستوعب ما فعله ابنها.
_ اهدي يا حبيبتي… امسحي دموعك. إنتِ فين دلوقتي؟
_ راكبة العربية، مستنية لما تخلص.
_ طيب يا حبيبتي متزعليش نفسك. أكيد هو مايقصدش يضايقك… يلا استعدي لشغلك، وأنا هتصرف مع خالد.
_ حاضر يا ماما.
أغلقت فاتن الهاتف، وظلت للحظات تنظر أمامها بصمت، ثم وضعت كفها فوق صدرها، وكأن الغضب أثقل قلبها.
_ ليه يا ابني كده؟… ليه؟
بعد فترة دلفت جيهان إلى الغرفة دون استئذان.
رفعت فاتن عينيها إليها بضيق:
_ إنتِ إزاي تدخلي كده من غير ما تخبطي؟
قهقهت جيهان بسخرية،وهي تستدير لتخرج:
_ وأنا هخبط ليه؟ نايمة مع جوزك، ما أنا عارفة إنك لوحدك… قال أخبط!
المهم ام عبد الرحمــــــــن برة، معرفش بتحلم بينا ولا ايه قالتها، خرجت دون أن تنتظر ردًا.
ظلت فاتن ترمقها بنظرات غاضبة، ثم زفرت بضيق، وأسندت يدها إلى طرف الفراش قبل أن تتجه إلى خزانتها، وتسحب عباءتها.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *